507856 4

نضال منصور/

ودّع الشعب التونسي رئيسه الراحل الباجي قايد السبسي في جنازة مهيبة تليق بزعيم صان بلاده، وحمى التحول الديمقراطي فيها رغم العواصف والاضطرابات التي ضربت المنطقة، والردة التي اجتاحت دول ما سُمي "الربيع العربي".

في جنازة احتشد فيها كل الشعب، ونجحت فيها تونس باختبار الديمقراطية كانت "روح" الزعيم الحبيب بورقيبة حاضرة وطاغية، فالسبسي حتى بموته أبى إلا أن يُرسخ بثبات نهج "الجمهورية"، ويشق طريقا لدولة ديمقراطية.

تجنب الفرقاء السياسيون الاختصام لحظة رحيل رئيسهم السبسي، ومضوا جميعا في جنازته مصرين على حماية التحول الديمقراطي، وقطع الطريق على أي فراغ سياسي ودستوري. جاهروا بمشاعر الحزن والألم على غياب قامة سياسية موحدة ووفاقية تحظى بثقة الناس بتلاوينهم المختلفة. وربما استطاعوا في هذه الجنازة التاريخية أن يعيدوا تشييع وتأبين القائد المؤسس لبلدهم بورقيبة الذي حرموا حين توفي إبان حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن على من وداعه وتكريمه بما يليق بمكانته ودوره.

استطاع التونسيون في جنازة السبسي إعادة تأبين بورقيبة الذي حرموا من وداعه

​​حدثني الإعلامي المرموق زياد الهاني أن الرئيس الراحل السبسي حتى برحيله وضع قواعد جديدة للمسار الديمقراطي واللعبة السياسية في تونس.

يرى الهاني أن الشعب التونسي حين سينتخب رئيس الجمهورية القادم سيظل ينظر إلى القامة العالية للفقيد السبسي وإلى رمزيته، ولن يقبل إلا بمحاكاتها وبمثيل لا يقل حكمة عنه، وبذات قدراته على إدارة التوافق في البلاد.

ويعتقد الهاني أن السبسي بموته أعاد ترتيب "الرزنامة" الانتخابية كما كان يريدها سابقا، فبرحيله تقدم موعد الانتخابات الرئاسية على الانتخابات التشريعية، وهذا خلط الأوراق، وجعل الاستحقاق الرئاسي رغم فخريته ورمزيته هو السائد؛ وبالتالي فإن الرئيس الفائز في الجولة الأولى، أو المنافس الأقوى للجولة الثانية سيفرض أجندته ورؤيته وتحالفاته على إيقاع الانتخابات التشريعية.

في شهر مارس الماضي كتبت مقالا بعنوان "تونس تبحث عن زعيم ومنقذ"، فهل رحيل السبسي المبكر عبّد الطريق وأنارها للتونسيين لاختيار الرئيس الذي سيخلفه؟

مضت جنازة السبسي بسلام، وتولى رئيس مجلس النواب محمد الناصر قيادة البلاد بشكل مؤقت، وفُتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة، ولم يُغلق بعد حتى يوم غد الجمعة، وتوزعت وتنوعت بورصة أسماء المرشحين مؤذنة بمعركة حامية الوطيس تُشعل فتيل اتهامات هدأت برحيل الباجي لأيام، ولكنها حتما ستعود على إيقاع معركتين انتخابيتين كلاهما يرسم مصير البلاد.

رفض السبسي قبل رحيله أن يصادق على تنقيح قانون الانتخابات الذي دعمت إقراره في البرلمان الأغلبية بقيادة "حزب النهضة"، وحزب "تحيا تونس" الذي يتزعمه رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وكان الرهان أن توقيعه سيقطع الطريق، وسينهي آمال زعامات سياسية للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية والبرلمان. والتعديل القانوني المقترح موجه للحد من تنامي دور شخصيات سياسية مثل زعيم حزب "قلب تونس" نبيل القروي صاحب قناة نسمة التلفزيونية، والذي لم يتردد رئيس حزب "حركة مشروع تونس" محسن مرزوق بوصفه مع آخرين بـ الشعبويين و "اليمين المتوحش" واعتبرهم "مافيا المال السياسي"، الذين يستغلون الفقراء والمهمشين اجتماعيا عبر الأعمال الخيرية.

"العائلة الديمقراطية" مشتتة وغير موحدة

​​القانون الذي لم يصادق عليه السبسي، كان مثار جدل واسع كان سيمنع رؤساء الجمعيات الخيرية والمتهمين بالفساد المالي من الترشح للرئاسة والبرلمان؛ وبالتالي لو أُقر كان سيشكل ضربة لرئيس حزب "قلب تونس" القروي الذي أعطته استطلاعات الرأي فرصا متقدمة في الانتخابات، كما كانت ستصل تداعياته وأضراره إلى ألفة التراس صاحبة جمعية "عيش تونسي" والتي كانت هي الأخرى متقدمة في استطلاعات الرأي، وكانت تُلاحقها إشاعات واتهامات باستخدام المال السياسي الذي تتقاضاه من الخارج وبدعم من زوجها القريب من الرئيس ماكرون؛ للتأثير في إرادة الناخبين.

أقطاب اللعبة السياسية، حركة النهضة ومن تبقى من حزب "نداء تونس"، وحزب تحيا تونس، وحزب البديل الذي يقوده المهدي جمعة، والجبهة الشعبية بزعامة حمة الهمامي، والتيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو والرئيس الأسبق منصف المرزوقي لن يتركوا الساحة السياسية للقروي والتراس ليختطفوها، كما وصف ما يحدث سياسي بارز التقيته في تونس بعد تشيع جنازة الرئيس؛ ولن يبقوا الطريق مفتوحا لعبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر الوريث "غير الرسمي" للتجمع الدستوري الذي حكم إبان بن علي ليتمدد نفوذها، وعاد حزبها ليحظى بالتأييد والمساندة وسط قطاعات مجتمعية.

قائمة الأسماء التي ترشحت لرئاسة الجمهورية حتى الآن تؤشر إلى تراجع التفاهمات بين التيارات السياسية وتقلص مساحة التفاهمات. هناك أسماء وازنة تستقطب اهتمام جمهور الناخبين، ولم تخض المعركة للاستعراض والظهور على شاشات التلفزة، في حين أن هناك أسماء هامشية في سير معركة الانتخابات، قررت لفت الانتباه بترشحها، وقد تستمر أو تنسحب، وقد لا تُقبل ملفاتها للترشح، وكل ما فعلته "فرقعة" دفعت سياسيين للقول إنهم يقزمون ويسيئون بترشحهم لموقع الرئيس.

أكثر العلامات اللافتة للانتباه أن تقرر حركة النهضة ترشيح نائبها عبد الفتاح مورو للانتخابات الرئاسية مخالفة ما ذهبت له سابقا بدعم مرشحين من تيارات أخرى، وهذا يعني إذا استمر الحال على ما هو عليه أن كل المرشحين للرئاسة الذين كانوا يطمحون يأن يحظوا بدعم النهضة، وكانوا مقربين منها، أو متحالفين معها قد فقدوا هذه الورقة الرابحة التي تُعزز حظوظهم.

ترشيح النهضة لرئيس من حزبها حق دستوري تمارسه، لكنه قد يُثير مزاج الرافضين لتقلدها منصب الرئاسة برمزيته، ويرون أن الأفضل أن يبقَ لشخصية خارج "الإسلام السياسي".

بعد ترشح "النهضة" لرئاسة الجمهورية؛ ما هو مصير المرشحين من الشخصيات السياسية المعروفة والمتقاربة بالتوجهات ويأكل كل منهم من رصيد الآخر؟ هل سيتفقون على مرشح واحد؟ هل سيقدمون التنازلات وسينسحبون لصاحب الفرصة الفضلى أو الأكثر حظا، أو لترتيب تحالف ينطلق نحو الانتخابات التشريعية؟ هل تتغير الخارطة بعد إغلاق باب الترشح وتعقد صفقات وتسويات أم سيظل الصراع مفتوحا؟

النهضة تحتاج الشراكة لتأخذ شرعية المجتمع الدولي

​​أسماء بارزة حتى هذه اللحظة في السباق نحو الرئاسة، ربما من أبرزها الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي محمد عبو، والقيادي بحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد منجي الرحوي، ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، ورئيس حزب قلب تونس نبيل القروي، ورئيس الاتحاد الشعبي الجمهوري لطفي المرابحي، ورئيس حزب البديل التونسي مهدي جمعة، ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، والرئيس الأسبق منصف المرزوقي، والناطق باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي، ويُتوقع أن يترشح رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

بعيدا عن التجاذبات و"الصفقات" يصعد في تونس نجم وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي ـ استقال لاحقا ـ الذي قيل إنه كان الأقرب للرئيس الراحل الباجي السبسي، وإن الرئيس كان آخر من التقاه قبل وفاته، وخاطبه قائلا: "لا تتخلَ عن تونس إنها في حاجة إليك"، وطلب منه الترشح لرئاسة البلاد وها هو يفعل ذلك. وقيل أيضا إن الزبيدي كان المايسترو الذي أشرف على الجنازة المهيبة للسبسي والتي حظيت بتقدير التونسيين.

الأهم أن الزبيدي لا يمكن فصله عن المدرسة "البورقيبية" التي تُلقي بظلالها على المشهد السياسي وتقوده أحيانا كثيرة، وهو قادم من المؤسسة العسكرية التي يراها التوانسة عنوان الاستقرار في ظل حدة الاستقطابات السياسية، ويعتبرها العديد من العلمانيين قادرة على كبح جماح الإسلاميين وخلق التوازن معهم، وهو ما استدعى من زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي إلى وصفه بأنه شخصية صديقة للحركة، ولم يتردد رئيس الحكومة الحالية المرشح القوي أيضا لرئاسة الجمهورية يوسف الشاهد من مدح خصاله في مقابلة معه بعد وفاة السبسي.

"العائلة الديمقراطية" كما يحلو لمراقبين تسميتها مشتتة وغير موحدة، وما فعله الباجي السبسي بصناعة حزب "نداء تونس" في اللحظات الأخيرة لمواجهة حركة النهضة لا يبدو تكرار فعله أمرا يسيرا، فالعناوين للبيت الديمقراطي متعددة ومتصارعة أحيانا، والتحالفات تغيرت قواعدها، فحزب تحيا تونس الذي خرج من عباءة نداء تونس متحالف مع حركة النهضة وشريك لها بالحكم، ولا يبدو أن نجل السبسي حافظ رغم قوته قادر بعد وفاة والده على لملمة حزب تشظّى وإن كان سيبقى لاعبا أساسيا.

"مدنية الدولة" هذا هو الشعار الذي يحمله كثير من التونسيين وهم يتوجهون لصندوق الاقتراع لاختيار رئيس البلاد، ولهذا فإن رمزية رئاسة الجمهورية يريدون أن تظل في حوزة شخصية موحدة، تستلهم تجربتهم التاريخية، وتصون حرياتهم الشخصية وفي مقدمتها مكانة المرأة ودورها.

لن يستأثر طرف حكم تونس.. والتوازنات بين الفرقاء ستعود

​​يخبرني زياد كريشان رئيس تحرير جريدة المغرب أن الأيام القادمة زمن رئاسي، وأن هذه الانتخابات يحكمها سياق ومنطق مختلف عن الانتخابات التشريعية، لكنه يؤكد أن نتائجها ستكون قاطرة قوية للفائز ليفرض بصمته على الانتخابات البرلمانية.

كريشان يعتقد أن لدى الشارع التونسي نوايا عقابية تجاه من حكموه في السنوات السابقة (النهضة، نداء تونس، تحيا تونس)، وفي المقابل فإن اتجاهات جديدة صعدت وفرضت حضورا لها بأدوات مختلفة وخارج المظلات الحزبية، ويسمي بعضهم بـ "قبائل تونس الجديدة".

في منتصف الشهر القادم سيختار التونسيون رئيسهم ولا أعتقد أن صورة بورقيبة والسبسي ستكون غائبة عن المشهد، وهي التوطئة لانتخابات البرلمان الأكثر تأثيرا في الحياة السياسية، وهي التي تصنع رئيس الحكومة القادم، وترسم معالم مرحلة تونس المقبلة.

باعتقادي لن يستأثر طرف في حكم تونس، وستعود التوازنات بين الفرقاء دون إقصاء، فالإسلاميون لن يحكموا وحدهم، وهم بحاجة إلى شركائهم ليس لتجميل صورة الديمقراطية فقط، أو للتباهي بشعارات الشراكة؛ وإنما ليعبروا ويأخذوا شرعية العالم والمجتمع الدولي أيضا، والتيارات الأخرى ـ علمانية أو يسارية ـ هناك ما يجمعها وما يفرقها، وهي لا تستطيع استئصال الإسلاميين حتى وإن رغبت، ولا خيار لديهم سوى بالتعايش، فهذا هو الطريق الوحيد أمام تونس لتطلّق وتتجنب وتبتعد عن الخراب العربي.

اقرأ للكاتب أيضا: "رهن الاحتجاز"... حالة الحريات الإعلامية في العالم العربي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تونس.. انتخابات تحت ظلال بورقيبة والسبسي FE6835A3-EBF4-48D3-8A2D-FA758B68EFB0.jpg Reuters تونس-انتخابات-تحت-ظلال-بورقيبة-والسبسي يلتقطون الصور أمام شعار "أحب تونس"، وخلفهم علم تونس منكس حدادا على السبسي 2019-08-08 11:54:48 1 2019-08-08 12:06:27 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.