507856 4

نضال منصور/

ودّع الشعب التونسي رئيسه الراحل الباجي قايد السبسي في جنازة مهيبة تليق بزعيم صان بلاده، وحمى التحول الديمقراطي فيها رغم العواصف والاضطرابات التي ضربت المنطقة، والردة التي اجتاحت دول ما سُمي "الربيع العربي".

في جنازة احتشد فيها كل الشعب، ونجحت فيها تونس باختبار الديمقراطية كانت "روح" الزعيم الحبيب بورقيبة حاضرة وطاغية، فالسبسي حتى بموته أبى إلا أن يُرسخ بثبات نهج "الجمهورية"، ويشق طريقا لدولة ديمقراطية.

تجنب الفرقاء السياسيون الاختصام لحظة رحيل رئيسهم السبسي، ومضوا جميعا في جنازته مصرين على حماية التحول الديمقراطي، وقطع الطريق على أي فراغ سياسي ودستوري. جاهروا بمشاعر الحزن والألم على غياب قامة سياسية موحدة ووفاقية تحظى بثقة الناس بتلاوينهم المختلفة. وربما استطاعوا في هذه الجنازة التاريخية أن يعيدوا تشييع وتأبين القائد المؤسس لبلدهم بورقيبة الذي حرموا حين توفي إبان حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن على من وداعه وتكريمه بما يليق بمكانته ودوره.

استطاع التونسيون في جنازة السبسي إعادة تأبين بورقيبة الذي حرموا من وداعه

​​حدثني الإعلامي المرموق زياد الهاني أن الرئيس الراحل السبسي حتى برحيله وضع قواعد جديدة للمسار الديمقراطي واللعبة السياسية في تونس.

يرى الهاني أن الشعب التونسي حين سينتخب رئيس الجمهورية القادم سيظل ينظر إلى القامة العالية للفقيد السبسي وإلى رمزيته، ولن يقبل إلا بمحاكاتها وبمثيل لا يقل حكمة عنه، وبذات قدراته على إدارة التوافق في البلاد.

ويعتقد الهاني أن السبسي بموته أعاد ترتيب "الرزنامة" الانتخابية كما كان يريدها سابقا، فبرحيله تقدم موعد الانتخابات الرئاسية على الانتخابات التشريعية، وهذا خلط الأوراق، وجعل الاستحقاق الرئاسي رغم فخريته ورمزيته هو السائد؛ وبالتالي فإن الرئيس الفائز في الجولة الأولى، أو المنافس الأقوى للجولة الثانية سيفرض أجندته ورؤيته وتحالفاته على إيقاع الانتخابات التشريعية.

في شهر مارس الماضي كتبت مقالا بعنوان "تونس تبحث عن زعيم ومنقذ"، فهل رحيل السبسي المبكر عبّد الطريق وأنارها للتونسيين لاختيار الرئيس الذي سيخلفه؟

مضت جنازة السبسي بسلام، وتولى رئيس مجلس النواب محمد الناصر قيادة البلاد بشكل مؤقت، وفُتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة، ولم يُغلق بعد حتى يوم غد الجمعة، وتوزعت وتنوعت بورصة أسماء المرشحين مؤذنة بمعركة حامية الوطيس تُشعل فتيل اتهامات هدأت برحيل الباجي لأيام، ولكنها حتما ستعود على إيقاع معركتين انتخابيتين كلاهما يرسم مصير البلاد.

رفض السبسي قبل رحيله أن يصادق على تنقيح قانون الانتخابات الذي دعمت إقراره في البرلمان الأغلبية بقيادة "حزب النهضة"، وحزب "تحيا تونس" الذي يتزعمه رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وكان الرهان أن توقيعه سيقطع الطريق، وسينهي آمال زعامات سياسية للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية والبرلمان. والتعديل القانوني المقترح موجه للحد من تنامي دور شخصيات سياسية مثل زعيم حزب "قلب تونس" نبيل القروي صاحب قناة نسمة التلفزيونية، والذي لم يتردد رئيس حزب "حركة مشروع تونس" محسن مرزوق بوصفه مع آخرين بـ الشعبويين و "اليمين المتوحش" واعتبرهم "مافيا المال السياسي"، الذين يستغلون الفقراء والمهمشين اجتماعيا عبر الأعمال الخيرية.

"العائلة الديمقراطية" مشتتة وغير موحدة

​​القانون الذي لم يصادق عليه السبسي، كان مثار جدل واسع كان سيمنع رؤساء الجمعيات الخيرية والمتهمين بالفساد المالي من الترشح للرئاسة والبرلمان؛ وبالتالي لو أُقر كان سيشكل ضربة لرئيس حزب "قلب تونس" القروي الذي أعطته استطلاعات الرأي فرصا متقدمة في الانتخابات، كما كانت ستصل تداعياته وأضراره إلى ألفة التراس صاحبة جمعية "عيش تونسي" والتي كانت هي الأخرى متقدمة في استطلاعات الرأي، وكانت تُلاحقها إشاعات واتهامات باستخدام المال السياسي الذي تتقاضاه من الخارج وبدعم من زوجها القريب من الرئيس ماكرون؛ للتأثير في إرادة الناخبين.

أقطاب اللعبة السياسية، حركة النهضة ومن تبقى من حزب "نداء تونس"، وحزب تحيا تونس، وحزب البديل الذي يقوده المهدي جمعة، والجبهة الشعبية بزعامة حمة الهمامي، والتيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو والرئيس الأسبق منصف المرزوقي لن يتركوا الساحة السياسية للقروي والتراس ليختطفوها، كما وصف ما يحدث سياسي بارز التقيته في تونس بعد تشيع جنازة الرئيس؛ ولن يبقوا الطريق مفتوحا لعبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر الوريث "غير الرسمي" للتجمع الدستوري الذي حكم إبان بن علي ليتمدد نفوذها، وعاد حزبها ليحظى بالتأييد والمساندة وسط قطاعات مجتمعية.

قائمة الأسماء التي ترشحت لرئاسة الجمهورية حتى الآن تؤشر إلى تراجع التفاهمات بين التيارات السياسية وتقلص مساحة التفاهمات. هناك أسماء وازنة تستقطب اهتمام جمهور الناخبين، ولم تخض المعركة للاستعراض والظهور على شاشات التلفزة، في حين أن هناك أسماء هامشية في سير معركة الانتخابات، قررت لفت الانتباه بترشحها، وقد تستمر أو تنسحب، وقد لا تُقبل ملفاتها للترشح، وكل ما فعلته "فرقعة" دفعت سياسيين للقول إنهم يقزمون ويسيئون بترشحهم لموقع الرئيس.

أكثر العلامات اللافتة للانتباه أن تقرر حركة النهضة ترشيح نائبها عبد الفتاح مورو للانتخابات الرئاسية مخالفة ما ذهبت له سابقا بدعم مرشحين من تيارات أخرى، وهذا يعني إذا استمر الحال على ما هو عليه أن كل المرشحين للرئاسة الذين كانوا يطمحون يأن يحظوا بدعم النهضة، وكانوا مقربين منها، أو متحالفين معها قد فقدوا هذه الورقة الرابحة التي تُعزز حظوظهم.

ترشيح النهضة لرئيس من حزبها حق دستوري تمارسه، لكنه قد يُثير مزاج الرافضين لتقلدها منصب الرئاسة برمزيته، ويرون أن الأفضل أن يبقَ لشخصية خارج "الإسلام السياسي".

بعد ترشح "النهضة" لرئاسة الجمهورية؛ ما هو مصير المرشحين من الشخصيات السياسية المعروفة والمتقاربة بالتوجهات ويأكل كل منهم من رصيد الآخر؟ هل سيتفقون على مرشح واحد؟ هل سيقدمون التنازلات وسينسحبون لصاحب الفرصة الفضلى أو الأكثر حظا، أو لترتيب تحالف ينطلق نحو الانتخابات التشريعية؟ هل تتغير الخارطة بعد إغلاق باب الترشح وتعقد صفقات وتسويات أم سيظل الصراع مفتوحا؟

النهضة تحتاج الشراكة لتأخذ شرعية المجتمع الدولي

​​أسماء بارزة حتى هذه اللحظة في السباق نحو الرئاسة، ربما من أبرزها الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي محمد عبو، والقيادي بحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد منجي الرحوي، ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، ورئيس حزب قلب تونس نبيل القروي، ورئيس الاتحاد الشعبي الجمهوري لطفي المرابحي، ورئيس حزب البديل التونسي مهدي جمعة، ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، والرئيس الأسبق منصف المرزوقي، والناطق باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي، ويُتوقع أن يترشح رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

بعيدا عن التجاذبات و"الصفقات" يصعد في تونس نجم وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي ـ استقال لاحقا ـ الذي قيل إنه كان الأقرب للرئيس الراحل الباجي السبسي، وإن الرئيس كان آخر من التقاه قبل وفاته، وخاطبه قائلا: "لا تتخلَ عن تونس إنها في حاجة إليك"، وطلب منه الترشح لرئاسة البلاد وها هو يفعل ذلك. وقيل أيضا إن الزبيدي كان المايسترو الذي أشرف على الجنازة المهيبة للسبسي والتي حظيت بتقدير التونسيين.

الأهم أن الزبيدي لا يمكن فصله عن المدرسة "البورقيبية" التي تُلقي بظلالها على المشهد السياسي وتقوده أحيانا كثيرة، وهو قادم من المؤسسة العسكرية التي يراها التوانسة عنوان الاستقرار في ظل حدة الاستقطابات السياسية، ويعتبرها العديد من العلمانيين قادرة على كبح جماح الإسلاميين وخلق التوازن معهم، وهو ما استدعى من زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي إلى وصفه بأنه شخصية صديقة للحركة، ولم يتردد رئيس الحكومة الحالية المرشح القوي أيضا لرئاسة الجمهورية يوسف الشاهد من مدح خصاله في مقابلة معه بعد وفاة السبسي.

"العائلة الديمقراطية" كما يحلو لمراقبين تسميتها مشتتة وغير موحدة، وما فعله الباجي السبسي بصناعة حزب "نداء تونس" في اللحظات الأخيرة لمواجهة حركة النهضة لا يبدو تكرار فعله أمرا يسيرا، فالعناوين للبيت الديمقراطي متعددة ومتصارعة أحيانا، والتحالفات تغيرت قواعدها، فحزب تحيا تونس الذي خرج من عباءة نداء تونس متحالف مع حركة النهضة وشريك لها بالحكم، ولا يبدو أن نجل السبسي حافظ رغم قوته قادر بعد وفاة والده على لملمة حزب تشظّى وإن كان سيبقى لاعبا أساسيا.

"مدنية الدولة" هذا هو الشعار الذي يحمله كثير من التونسيين وهم يتوجهون لصندوق الاقتراع لاختيار رئيس البلاد، ولهذا فإن رمزية رئاسة الجمهورية يريدون أن تظل في حوزة شخصية موحدة، تستلهم تجربتهم التاريخية، وتصون حرياتهم الشخصية وفي مقدمتها مكانة المرأة ودورها.

لن يستأثر طرف حكم تونس.. والتوازنات بين الفرقاء ستعود

​​يخبرني زياد كريشان رئيس تحرير جريدة المغرب أن الأيام القادمة زمن رئاسي، وأن هذه الانتخابات يحكمها سياق ومنطق مختلف عن الانتخابات التشريعية، لكنه يؤكد أن نتائجها ستكون قاطرة قوية للفائز ليفرض بصمته على الانتخابات البرلمانية.

كريشان يعتقد أن لدى الشارع التونسي نوايا عقابية تجاه من حكموه في السنوات السابقة (النهضة، نداء تونس، تحيا تونس)، وفي المقابل فإن اتجاهات جديدة صعدت وفرضت حضورا لها بأدوات مختلفة وخارج المظلات الحزبية، ويسمي بعضهم بـ "قبائل تونس الجديدة".

في منتصف الشهر القادم سيختار التونسيون رئيسهم ولا أعتقد أن صورة بورقيبة والسبسي ستكون غائبة عن المشهد، وهي التوطئة لانتخابات البرلمان الأكثر تأثيرا في الحياة السياسية، وهي التي تصنع رئيس الحكومة القادم، وترسم معالم مرحلة تونس المقبلة.

باعتقادي لن يستأثر طرف في حكم تونس، وستعود التوازنات بين الفرقاء دون إقصاء، فالإسلاميون لن يحكموا وحدهم، وهم بحاجة إلى شركائهم ليس لتجميل صورة الديمقراطية فقط، أو للتباهي بشعارات الشراكة؛ وإنما ليعبروا ويأخذوا شرعية العالم والمجتمع الدولي أيضا، والتيارات الأخرى ـ علمانية أو يسارية ـ هناك ما يجمعها وما يفرقها، وهي لا تستطيع استئصال الإسلاميين حتى وإن رغبت، ولا خيار لديهم سوى بالتعايش، فهذا هو الطريق الوحيد أمام تونس لتطلّق وتتجنب وتبتعد عن الخراب العربي.

اقرأ للكاتب أيضا: "رهن الاحتجاز"... حالة الحريات الإعلامية في العالم العربي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تونس.. انتخابات تحت ظلال بورقيبة والسبسي FE6835A3-EBF4-48D3-8A2D-FA758B68EFB0.jpg Reuters تونس-انتخابات-تحت-ظلال-بورقيبة-والسبسي يلتقطون الصور أمام شعار "أحب تونس"، وخلفهم علم تونس منكس حدادا على السبسي 2019-08-08 11:54:48 1 2019-08-08 12:06:27 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".