508035 4

منى فياض/

لم يميز لبنان عن محيطه، منذ نشأته، سوى مساحة الحريات التي نجح في الحفاظ عليها. لكن ذلك لا يعني أن الاجهزة الأمنية، ومن خلفها المرجعيات الدينية، لم تحاول دوما ممارسة دور رقابي تعسفي على غرار ما هو سائد في المنطقة. فمنعت أعمالا فكرية وفنية وثقافية مختلفة. مع ذلك لم يعرف لبنان من قبل ما يشبه الحالة المتصاعدة من هيجان الرقابة الشعبوية المترافقة مع العنف ضد المنتج الفني كالتي نعاينها مؤخرا.

بات أمرا اعتياديا سماع الخطابات العنصرية ورفض الآخر، فيما يشبه الخطاب الثأري والغرائزي. وصرنا شهود عيان على مبارزة حامية بين مختلف الطوائف على ممارسة الرقابة والقمع الأصوليين.

لكنهم في خضم مبارزاتهم التعيسة يتناسى اللبنانيون المتعصبون حمام الفساد الذي يغرقهم، والدولة التي تتلاشى والبيئة المسمومة فيفرغون غضبهم ويأسهم ووجع هوياتهم المشلّعة على أغاني فرقة موسيقية، ربما تكون الأكثر تعبيرا عن تردي حالتهم التعسة، لكن على طريقتها.

كفوا عن حمل لواء الأديان التي لا تساهمون سوى بتشويهها

​​غدا تنتهي بالطبع زوبعة فرقة مشروع ليلى، وهي أكثر شهرة على الأرجح؛ على غرار ما آلت إليه تجارب منع الأغاني في تراث قمعنا المجيد؛ إذ من المضحك أن نعرف أن أغاني مثل "يمّا القمر عالباب" لفايزة أحمد و"من سحر عيونك ياه" التي لحنها محمد عبد الوهاب لصباح وأغنية "سيجارة وكاس" لعبد الوهاب و"خليتني أحبك ليه" لليلى مراد، جميعها كانت قد منعت من قبل الرقابة؛ أحيانا لترويجها للخمرة وفي أحيان أخرى لطريقة الغناء التي اعتبرت إباحية. ناهيك عن الأغاني "الهابطة" التي تسبب القمع بشهرتها بدل منعها.

وبانتظار حفلة شيطنة جديدة لنشاط ثقافي آخر، سيظل الفساد على حاله وتنمو العصبيات المتناحرة، وتزداد مساحة الاستقطابات الطائفية، و"يا لغيرة الدين".. من يدافع عن دينه أكثر!

في هذا الوقت سوف تشتد وتتعمق الرقابة الذاتية في المجال الثقافي والفني، ويكسب الاستبداد نقطة إضافية في سجله اللبناني الأسود.

ذلك أنه لا يجوز اعتبار الاستبداد ينحصر في القمع الذي تمارسه الأنظمة على المستوى السياسي والأمني بعيدا عن الدوائر الأخرى التي تطال حياتنا اليومية بجوانبها الشخصية والاجتماعية والثقافية والفنية؛ فهذه لا يجوز أن نضعها في خانة احترام العادات والتقاليد والخصوصيات الثقافية. مثل هذا الفهم يظل قاصرا عن فهم آليات استعباد البشر والهيمنة عليهم.

نجح جورج أورويل في روايته "1984" في أن يرسم صورة قاتمة للحياة اليومية في ظل نظام استبداد في حالته القصوى، استقى معالمه من التجربة النازية، وخصوصا من النظام السوفياتي وحزبه الواحد، وعبادة الفرد القائد، واختلاط السلطات وعسكرة القيادات والتظاهرات "العفوية" المنظمة وطوابير البشر للحصول على المواد الغذائية، إضافة إلى الشعارات البراقة واليافطات العملاقة.. لكن الأدهى من كل ذلك انعكاس الظروف السياسية العامة وتحكّمها في حياة البشر اليومية، في طريقة نومهم، وطعامهم، وشرابهم، ووضعهم النفسي، وعلاقاتهم العاطفية، التي تستحيل جحيما. فحتى الحب بين شخصين خاضع للرقابة والتحكم من "الأخ الأكبر" وأجهزته.

الأديان ليست بحاجة لمساعدتكم القاصرة لحمايتها

​​يتغلغل الاستبداد إذن في حياتنا اليومية ونعيشه على المستوى الفردي والحياتي. لا شك أن غياب القسر عن حياتنا هو شرط حريتنا، لكن الحرية ليست هذا فقط، بل هي القدرة على التحكم أيضا بما نريده، وما لا نريده، والقدرة على رسم مستقبلنا والمساهمة بتقرير قدرنا بطريقة ما. وفي لبنان يضيق أفقنا ومجال حرياتنا الفردية بشكل مطرد وينحصر في أماكن ومناطق معينة؛ مساحات الحرية تنحو نحو الانكماش.

فالحرية في الحياة اليومية تعبر عن نفسها كنظام حياة، كسلوك وممارسة لبرنامج يومي يقرره الفرد بالطريقة التي يريد. كأن يقرر الذهاب إلى المقهى أو تناول الغداء في أي مكان يختاره ويحتسي فيه كوب شاي أو كأس نبيذ، ويرتدي ما يريد ويشاهد فيلما أو حفلا لفرقة فنية كمشروع ليلى أو غيرها، ويشاهد المحطات التلفزيونية التي يختار دون رقابة ومنع، ويشتري الكتب والمجلات والموسيقى والأفلام التي يريدها، دون رقيب يقرر له ما هو الإباحي وما هو الأخلاقي.

أي أن يعيش حياته دون أن يقرر عنه أحد أو أن يصنفه أو يطعن في وطنيته أو يجعل منه كافرا. سبق للوزير السابق طارق متري أن سمح بمجلة "جسد" عندما منعت لأنه يرفض المس بحرية الإعلام أو النشر طالما أن المجلة المذكورة مغلفة، ولا يشتريها إلا من يريد من البالغين. فلماذا يريد من يعترض عليها التعدي على حرية الآخرين ومنعهم من اقتنائها؟

يتغلغل الاستبداد في حياتنا اليومية ونعيشه على المستوى الفردي والحياتي

​​المنطق ذاته ينطبق على فرقة "مشروع ليلى"، التي ما كانت لتثير اهتمامي لولا المنع والقمع اللذين تعرضت لهما؛ فهي تشارك في حفل خاص مشاهدته تتم مقابل بدل مادي يبذله الراغب بذلك، فلماذا يجب أن تتحكم أقلية بأذواق الآخرين لتقرر المحتوى المناسب لهم وما يجب أن يشاهدوه؟

كان لدى البعض وهم هو أن القمع والرقابة هي من اختصاص رجال الدين المسلمين وجمهورهم، لكن يبدو أن العدوى انتقلت إلى الطرف المسيحي في لبنان الذي يتبع مثال المسيح ويتبع نظريا كنيسة روما وتعاليم البابا فرنسيس المتسامحة، فتبين أن المرجعيات الرقابية في لبنان تتبارى كي تقدم لنا صورة بائدة تنتمي إلى العصور الوسطى التي كانت تمنع الكتب وتحرقها وتعدم الكتاب والعلماء الذين باتوا من ركائز الحضارة العالمية.

رجاء أمنوا لنا كرامة العيش في بلد آمن ونظيف ومحتشم قبل أن تلعبوا دور الآلهة وكفوا عن حمل لواء الأديان التي لا تساهمون سوى بتشويهها. الأديان ليست بحاجة لمساعدتكم القاصرة لحمايتها.

اقرأ للكاتب أيضا: فؤاد شهاب.. الرئيس الذي بنى لبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الهيجان الثأري وشيطنة الفن 14F88340-26FF-43A8-9C66-290E5BE9F86C.jpg AFP الهيجان-الثأري-وشيطنة-الفن لبنانيون يحضرون حفلة فنية دعما لحرية التعبير 2019-08-11 01:38:51 1 2019-08-09 21:42:51 0

إيلي كوهين

في عام 2019، عرضت شبكة نتفليكس مسلسلا مثيرا من 6 حلقات بعنوان "الجاسوس ... قصة حياة إيلي كوهين". لاقى المسلسل رواجا كبيرا، خصوصا وأن الممثل البريطاني الذي قام بدور إيلي هو ساشا بارون كوهين، وكانا يشتركان، إضافة إلى اسم العائلة، بشبه كبير. 

وإيلي كوهين هو أشهر جاسوس إسرائيلي على مر التاريخ من دون منازع، وكانت قصته مثيرة للاهتمام بشكل كبير في الأوساط العربية والدولية.

فقط تخيل أن رجلا يأتي إلى مدينة غريبة، وينجح في التقرب من جميع الشخصيات السياسية والعسكرية المرموقة فيها، وينقل منها معلومات استخبارية دقيقة إلى تل أبيب عبر جهاز تسجيل صغير كان يحتفظ به في شقته. هذا الرجل هو إيلي كوهين.

كان يُعرف باسم كامل أمين ثابت، وقد دخل إلى سوريا مطلع السيتينات كرجل أعمال سوري عائد من الأرجنتين، وهناك انخرط في المجتمع السوري والعربي واستطاع إقامة علاقات وصداقات. وبعد أربع سنوات على وجوده في دمشق كُشف أمره وألقي القبض عليه "بالجرم المشهود" وهو يرسل معلومات في شقته، ونُفذ فيه حكم الإعدام في 18 مايو 1965.

في الذكرى الستين لإعدامه، برز ملف كوهين إلى الواجهة مرة أخرى، بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الرياض رفع العقوبات عن سوريا.

في 18 مايو، قالت إسرائيل إنها تمكنت بـ"عملية سرية معقدة"، وفق تعبير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من إحضار الأرشيف السوري الرسمي الخاص بإيلي كوهين إلى إسرائيل. 

لكن ثلاثة مصادر، قالت لرويترز في 19 مايو، إن "القيادة السورية وافقت على تسليم وثائق ومتعلقات الجاسوس إيلي كوهين لإسرائيل في محاولة لتخفيف حدة التوتر وإظهار حسن النوايا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد إعلانه رفع  العقوبات عن سوريا.

ونقلت الوكالة عن مصدر أمني سوري، ومستشار للرئيس السوري أحمد الشرع، وشخص مطلع على المحادثات السرية بين البلدين، إن أرشيف المواد عرض على إسرائيل في مبادرة غير مباشرة من الشرع في إطار سعيه لتهدئة التوتر وبناء الثقة لدى ترامب.

وتضمن الإرشيف السوري الخاص بكوهين نحو 2500 وثيقة وصورة ومقتنيات شخصية، وفقا لمكتب نتانياهو.

وشملت المواد التي قالت إسرائيل إنها استعادتها من سوريا، وصية أصلية كتبها كوهين بخط يده قبل ساعات من إعدامه وسط دمشق، وتسجيلات صوتية وملفات من استجوابه واستجواب من كانوا على اتصال به، ورسائل كتبها لعائلته في إسرائيل وصورا من مهمته في سوريا.

وتتضمن أيضا مقتنيات شخصية نُقلت من منزله بعد اعتقاله، منها جوازات سفر مزورة وصور له مع مسؤولين عسكريين وحكوميين سوريين رفيعي المستوى، إضافة إلى دفاتر لتدوين الملاحظات ويوميات تسرد مهام الموساد.

وقد وزعت الوكالات نسخة عن وصية كوهين، جاء فيها: 

"إلى زوجتي نادية وعائلتي الحبيبة، أكتب إليكم هذه الكلمات الأخيرة وأطلب منكم أن تكونوا على صلة دائمة مع بعضكم، وأرجوكي أن تسامحيني يا ناديا، وأن تهتمي بنفسك وبالأولاد وتحافظى عليهم، وتثقفيهم تثقيفا كاملا، وألا تحرمي نفسك أو تحرميهم من شي، وكوني على صلة دائمة مع أهلي.. ويمكنك الزواج من غيري حتى لا يكبر الأولاد بدون أب، ولكي كامل الحرية في ذلك، وأرجوكي ألا تضيعوا وقتكم بالبكاء على الماضي، انظروا دائما إلى المستقبل...".

وسلم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومدير الموساد ديفيد برنياع المواد إلى أرملة كوهين، نادية كوهين، خلال حفل أقيم في المناسبة.

وطالبت زوجة كوهين باستعادة "جثمانه،" وجاء رد نتانياهو أن الحكومة الإسرائيلية تعمل على ذلك خصوصاً أن "إيلي أسطورة إسرائيلية، إنه أعظم عميل في تاريخ المخابرات الإسرائيلية".

ونقلت رويترز عن مصدر أمني أن مقاتلي المعارضة السورية بقيادة الشرع عثروا على ملف كوهين في مبنى تابع لأمن الدولة في ديسمبر غداة سيطرتهم على دمشق. 

وذكر المصدر الأمني أن الشرع أدرك أن وثائق كوهين ومقتنياته مهمة للإسرائيليين وأن إعادتها قد تمثل بادرة دبلوماسية بارزة.

ومع التزام إسرائيل الصمت، حتى الآن، بشأن الرواية السورية، يقول الباحث السياسي سمير التقي في تصريح لـ"الحرة" إن المسألة في العلاقات الإسرائيلية السورية أوسع وأعمق من تزويد إسرائيل بوثائق كوهين، ويضع ما حدث ضمن إطار مبادرة حسن نية من سلطة أحمد الشرع.

ويضيف التقي أن هناك اجتماعات مباشرة تجري بين القيادتين الإسرائيلية والسورية بمشاركة تركية، وما سيحدث في المرحلة المقبلة سيكون أشمل من مجرد إعطاء وثائق أرشيفية، وسيكون حتما ضمن مناقشة الشروط من أجل وضع حد للقصف الإسرائيلي على سوريا مقابل تفاهمات حول الفصائل الراديكالية المحيطة بهيئة تحرير الشام والفصائل الفلسطينية والأخوان المسلمين.

ولد إيلي كوهين في الإسكندرية بمصر عام 1924، وعندما بلغ العشرين من العمر، انضم إلى "منظمة الشباب اليهودي الصهيوني" في مصر. وبعد حرب 1948، أخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين، ثم خرج من مصر‏ في عام 1956‏.

عمل إيلي كوهين مترجما ومحللا لدى الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وحاول الالتحاق بجهاز "الموساد" ثم فشل، ما دفعه للاستقالة من المخابرات العسكرية والعمل محاسبا لدى بعض الشركات الخاصة في تل أبيب.

مصدر مطلع ذكر لرويترز أن سوريا وافقت في المحادثات على إجراءات من بينها إعادة رفات كوهين وثلاثة جنود إسرائيليين لقوا حتفهم خلال قتال مع القوات السورية في لبنان في أوائل الثمانينيات. وذكرت إسرائيل الأسبوع الماضي أنها استعادت رفات أحد هؤلاء الجنود، وهو تسفي فيلدمان.

وعلى هذا الصعيد يشير التقي في حديثه مع "الحرة" إلى استبعاد قدرة السلطة السورية الجديدة على الوصول إلى معلومات حول رفات كوهين. ويؤكد أن المعلومات اللازمة لمعرفة مكان دفنه مرتبطة برفعت الأسد والفرق العسكرية التي كانت تابعة له.

 ويستبعد التقي فكرة وجود تقارير تبين هذا المكان إلا في حالة اعتقال بعض العسكريين التابعين لرفعت الأسد على أيدي السلطة الشرعية السورية الجديدة.