508731 4

د. عماد بوظو/

ترفض المراكز الإسلامية إعادة قراءة التراث الديني بطريقة معاصرة تأخذ بعين الاعتبار ما طرأ على المجتمعات البشرية من تطور خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة. مازالت تصرّ هذه المراكز على التمسك بتفسيرات رجال دين العصور الوسطى، لأنها ترى أن باب الاجتهاد في فهم وتأويل النصوص الدينية قد أغلق بعد تلك العصور، وأن الاعتراض على آراء رجال الدين هؤلاء يعتبر خروجا على الإسلام.

دفع هذا الأمر بعض الحكومات العربية التي تتعرض لضغوط اجتماعية من الداخل ولانتقاد المجتمع الدولي من الخارج، إلى أخذ زمام المبادرة وتغيير بعض قوانينها على أمل أن يشكل ذلك حافزا للمراكز الإسلامية للبدء في عملية إصلاح ديني حقيقي. آخر الأمثلة على ذلك، الإجراءات والقوانين التي اعتمدتها الحكومة السعودية بهدف التقليل من الوصاية على المرأة، والتي تعتبرها المرجعيات الإسلامية من أساسيات الدين تحت مسمّى قوامة الرجل على المرأة.

يستند رجال الدين للترويج لقوامة الرجل على بعض الآيات القرآنية مثل: "وليس الذكر كالأنثى" آل عمران 36، و"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" النساء 34، و"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم" البقرة 228.

تبرير قوامة الرجل بحجّة إنفاقه على عائلته، لا تنسجم مع معطيات الواقع الحالي

​​جعل رجال الدين المدافعين عن قوامة الرجل هذه الآيات دليلا على تفوق الرجل، رغم أنها تحتمل تفضيل البعض على البعض الآخر من الرجال والنساء على السواء، بحيث تكون القوامة لمن يقوم بالإنفاق على الأسرة، وتجاهلوا بالمقابل آيات أخرى تتعارض مع رؤيتهم، مثل "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" التوبة 71، لأنها توضح بأن من الممكن أن يكون الرجل أو المرأة وليا للآخر حسب إمكانياته وعمله وحكمته.

وقد شرح ابن كثير من القرن الثامن الهجري الرابع عشر ميلادي قوامة الرجل على المرأة بهذه الطريقة: "الرجل هو المسؤول عن المرأة وهو حاكمها ورئيسها وعليها السمع والطاعة، ومن حقه تأديبها إذا اعوجت، فالرجل خير من المرأة ولهذا كانت النبوّة مقتصرة على الرجال وكذلك الملك الأعظم والقضاء، وله الفضل عليها بما أنفق من أمواله"، ويضيف "وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل في الشهادة لنقصان عقل المرأة".

وقال معاصره البيضاوي، الرجال قوامون على النساء، أي يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية لأنهم خصّوا بالنبوة والإمامة والولاية وإقامة الشعائر والشهادة في القضايا وزيادة السهم في الميراث وبأن الطلاق بيده.

وروّج بعض رجال الدين لتدعيم وجهة نظرهم في القوامة لأحاديث مثل: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها".

وقالوا إن الله أعطى الرجل القوامة لسببين الأول هبة من الله وهو تفضيل الله الرجال على النساء! والآخر يناله الرجل بكسبه وهو إنفاقه على نسائه، مع أن القوامة تبقى للرجل حتى ولو لم ينفق على المرأة، فبحسب موقع الإسلام سؤال وجواب: "القوامة من الأمور التي خصّ بها الله الرجل دون المرأة، وليس للمرأة قوامة على الرجل ولو كانت هي التي تنفق عليه"، وهي قوامة أي رجل على أي امرأة، ولا تقتصر على المرأة ضمن الأسرة الواحدة، بل تشمل تولية جميع المناصب الرسمية.

تبنت المراكز الإسلامية الحالية حرفيا آراء رجال دين العصور الوسطى حول قوامة الرجل على المرأة، ولتبرير انعدام العدل فيها لجأت إلى التلاعب بالمفردات، مثل اعتبار هذه النظرة الدونية للمرأة، "تكريما وتشريفا لها، لأن الله جعلها تحت قيّم يقوم على شؤونها وينظر في مصالحها، بعد أن استحلّ الاستمتاع بها بالعقد الشرعي"، واعتبرت أن سبب رفض بعض النساء لهذا التفضيل الرباني للرجل هو الحسد، وحذّرت المجتمعات الإسلامية بأن هذه القوامة إن اختلّت شاعت الفوضى ووقع الانحلال، نتيجة التمرد على تفوّق وعلوّ الذكورة على الأنوثة التي أثبتتها التجارب الطبية والأبحاث العلمية!، كما يزعمون.

لا يقبل العصر الذي نعيش فيه كلمة واحدة من كل الادعاءات السابقة، كما ترفض القوانين الحالية التمييز بين البشر بسبب تفاوت القوة العضلية أو الثروة، وتعتبر أن الجميع متساويين، الرجل والمرأة، الغني والفقير، القوي والضعيف، لجميعهم نفس الحقوق وعليهم الالتزامات ذاتها.

تبنت المراكز الإسلامية الحالية حرفيا آراء رجال دين العصور الوسطى حول قوامة الرجل على المرأة

​​هذا الأمر لا يقتصر على الثقافة الغربية بل هي اليوم مسلّمات عالمية تمت صياغتها في قوانين دولية، فقبل 40 عاما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، وتم وضع هذه الاتفاقية المؤلفة من 30 مادة في قالب قانوني ملزم يتضمن المبادئ والتدابير الكفيلة بتحقيق المساواة للمرأة في كل مكان من العالم، ووقّعت عليه 189 دولة. أوضحت الاتفاقية أن المساواة بين الجنسين من أولى مبادئ حقوق الإنسان.

ووصفت منظمة اليونيسيف المساواة بأنها تعني "أن النساء والرجال والفتيات والفتيان يتمتعون بنفس الحقوق والموارد والفرص والحماية". وتعاقب قوانين الكثير من دول العالم اليوم أي شكل من أشكال العنف الجسدي أو اللفظي أو النفسي أو القمع بحق المرأة، كما تمنع التهديد بمنعها من شيء أو إلزامها بالقيام بشيء رغم إرادتها.

توقيع الحكومات العربية على هذه الاتفاقيات الدولية لم ينجح في دفع المراكز الإسلامية لإعادة النظر في اجتهادات وفتاوى العصور الوسطى، وتراوح رد تلك المراكز على مطالب الإصلاح بين التجاهل حتى الرفض الصريح، وعبّر عنه شيخ الأزهر أحمد الطيب بقوله: "قوامة الرجل على المرأة حق أعطاه الله للرجل بحكم تفرغه للسعي على أسرته والدفاع عنها والإنفاق عليها بأن تكون له الكلمة الأخيرة".

الوقائع تشير إلى عكس ما يقوله الطيب، حيث تشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن 43 في المئة من الأسر على مستوى العالم تعيلها النساء، كما تقول التقديرات في مصر إن 30 في المئة من العائلات تتولى نساء الإنفاق عليها. وأعلن ماجد العصيمي، المشرف العام على البرنامج الذي أطلقته الحكومة السعودية عام 2017 تحت اسم "حساب المواطن"، أن 28 في المئة من النساء السعوديات يعلن أسرهن، بما يوضح أن تبرير قوامة الرجل بحجّة إنفاقه على عائلته، التي قدمها شيخ الأزهر والمراكز الإسلامية لا تنسجم مع معطيات الواقع الحالي.

يمكن للمراكز الإسلامية التعامل مع مفهوم القوامة كما تعاملت سابقا مع قضية العبودية

​​لكن إصدار قوانين وتشريعات باتجاه المساواة بين الرجل والمرأة سيبقى إجراء حكوميا فوقيا قاصرا ذا أثر محدود، إذا لم ترافقه وتدعمه تغييرات مماثلة في طريقة قراءة وفهم المراكز الدينية للنصوص والتراث الإسلامي، ولذلك لا بد من زيادة الضغط الحكومي على المراكز الدينية لمواكبة المبادرات الحكومية.

وعلى سبيل المثال، يمكن للمراكز الإسلامية التعامل مع مفهوم القوامة كما تعاملت سابقا مع قضية العبودية عندما جرّمتها القوانين الدولية، حيث سلّمت تلك المراكز بحقيقة أن العبودية لم تعد مقبولة، وقالت بأن الإسلام قد حضّ على التخفيف التدريجي منها باتجاه إلغائها، باستثناء بعض المتطرفين مثل القاعدة وداعش الذين مازالوا مصرين حتى اليوم على أن هناك ترخيصا ربانيا أبديا للعبودية.

كما يجب أن تترافق تلك القوانين مع تغيير حقيقي في كل ما تقوله وتدرّسه المراكز الإسلامية وبقية المدارس لطلابها بحيث يكون واضحا في كافة مناهج التعليم أن استعباد إنسان لآخر لا يقبله الإسلام، وأن لا قوامة للرجل على المرأة، وأن أتباع الديانات والطوائف الأخرى ليسوا كفارا، وأن تكون هناك مسؤولية قانونية على من يخالف ذلك، بحيث تدخل هذه المفاهيم في البنية الثقافية والفكرية والنفسية لكامل المجتمع، حتى تخطوا المجتمعات العربية نحو اللحاق ببقية العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: "الضعف الجنسي" لدى الرجال.. أزمة تتفاقم عربيا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

واقعية إلغاء قوامة الرجل عبر الحكومات 4B4558AF-25DF-4A21-9498-B9EE5BD1B474.jpg AFP واقعية-إلغاء-قوامة-الرجل-عبر-الحكومات يمنيون يحتلفون بعيد الأضحى 2019-08-16 12:31:03 1 2019-08-16 12:31:46 0

المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، مايكل ميتشل

قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الجانب الإيراني يتعامل مع المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة بشأن برنامج إيران النووي بـ"جدية". وقال المتحدث الإقليمي باسم الوزارة، مايكل ميتشل، لـ"الحرة" إن هناك زخما دبلوماسيا للمضي قدما في ملف النووي الإيراني.

ونفى ميتشل، من ناحية أخرى، وجود مطالب يتوجب على سوريا تنفيذها لرفع العقوبات، وقال إن قرار الرئيس دونالد ترامب "غير مشروط".  

في ما يلي نص الحوار الذي أجرته "الحرة" مع المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية:

ـ  ما هي أهم نتائج زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للدول الخليجية على مستوى الشرق الأوسط؟

ـ  هذا السؤال جوهري. حسب وجهة نظري، وبحسب أي حليف نتحدث عنه، في ما يتعلق بالمصالح المشتركة، أكيد، بيان الرئيس ترامب حول رفع العقوبات عن سوريا مهم للغاية لكافة الأطراف لأنه لا أحد يريد أن يرى دولة فاشلة
في منطقة الشرق الأوسط. الحكومه الأميركية تنظر إلى رفع هذه العقوبات الاقتصادية كخطوة ضرورية من أجل أن نوفر فرصة للشعب السوري للازدهار وأيضا من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية هناك.

ـ هل تحمل الاستثمارات الخليجية ملامح تحالف أميركي - خليجي جديد في مواجهة الصين؟

ـ بلا شك، التنافس مع الصين دائما يلعب دورا في العلاقات الأميركية الثنائية مع كافة الأطراف بغض النظر عن المنطقة التي نتحدث عنها. وهذا هو الحال في كل أنحاء العالم، أما في منطقة الشرق الأوسط فلدينا علاقات استثمارية متنامية مع كل من المملكة العربية السعودية، والإمارات ودولة قطر. وأكيد هذا سيلعب دورا مهما ونتمنى أن يكون جزءا من الاستراتيجية الأميركية من أجل مكافحة النفوذ الصيني لا سيما في سياق الموارد الخام والمعادن النادرة التي نحن بحاجة إليها من أجل صناعة الرقائق الدقيقة.

ـ كيف تعزز الاتفاقيات الاقتصادية والدفاعية المبرمة من النفوذ الأميركي في منطقة الخليج؟

ـ نحن نتطلع إلى مزيد من الاستثمارات، إنها شيء مفيد للجانبين. سياسه ترامب "أميركا أولا" لا تقتصر على المصالح الأميركية فحسب. المنطق وراء هذا التركيز هو أن العلاقات المتنامية ما بين الولايات المتحدة وشركائنا الخليجيين يساعد كافة الأطراف، وفي أمور عديدة ليس فقط الأمور الأمنية. العلاقات الأميركية - الخليجية تجاوزت مرحلة التركيز على التعاون الأمني فحسب، ولدينا تعاون في مجال الصحة والعلوم والسياحة ومجالات أخرى أيضا.

ـ هل تتوقعون أي تحديات أمام تنفيذ هذه الاتفاقيات على أرض الواقع؟

ـ بصراحة، لا. في ما يتعلق بالاتفاقيات بالذات، هناك رغبة سياسية ودبلوماسية من كلا الطرفينـ ولكن التحديات تأتي من إيران ومن الحوثيين ليس على الاتفاقيات فحسب، ولكن الحروب والنزاعات دائما تؤثر سلبا على المناخ الاستثماري والمناخ الاقتصادي. لهذا أيض من أولويات الرئيس ترامب القصوى أن نضع حدا للحروب والنزاعات في الشرق الأوسط من أجل نمو اقتصادي أكثر استدامة.

ـ هل هناك أي مؤشرات تدل على أن إيران راغبة فعلا في الانخراط في اتفاق بشأن برنامجها النووي؟

ـ حسب ما سمعنا من الرئيس مباشرة، هناك تقدم ملموس في هذا الملف. ولكي أحدد السياق إلى حد ما، أقول إننا حققنا إنجازات كبيرة لأنه قبل أشهر لم نكن على اتصال مباشر مع الطرف الإيراني في هذا الشأن، والآن لدينا تواصل مباشر. وحسب كل التقديرات الرسمية من البيت الأبيض، الطرف الإيراني يقوم بهذه المفاوضات بجدية، وهناك زخم دبلوماسي للمضي قدما في هذا الملف، وهذا شيء إيجابي جدا، لأن البديل... لا (نريد ذلك).

ـ تطرق الرئيس ترامب في كلمته خلال القمة الخليجية إلى اتفاقيات أبراهام، وهو الآن يزور البيت الإبراهيمي في أبوظبي. هل هناك أي مؤشرات على انضمام دول جديدة إلى اتفاقيات السلام مع إسرائيل؟

ـ حتى الآن ليس هناك أي إشارة رسمية أو غير رسمية إلى ذلك، مع الآسف، ولكن هذا سيبقى من أهم أولويات الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية ولكن بشروط. سمعنا مرارا وتكرارا بأن المملكة لن تقوم بأي خطوة نحو التسوية السياسية الكاملة مع إسرائيل في ظل استمرار الحرب المأساوية بين حركة حماس وإسرائيل، أو بدون الإعلان، على الأقل، عن خطوة نحو دولة فلسطينية .

ـ في القمة الخليجية - الأميركية التي أقيمت في الرياض، ذكر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مواصلة الجهود لإنهاء الأزمات والحروب في المنطقة، من حرب اليمن إلى حرب غزة وحرب السودان. هل هناك آليات محددة تتبناها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في السودان؟

ـ هذا السؤال جوهري ومهم جدا لأن ما يجري في السودان من أكبر الأزمات الإنسانية في كل أنحاء العالم، مع الأسف الشديد، كما رأينا. نهاية هذه الحرب سوف تتطلب رغبة سياسية من الطرفين المتحاربين وحتى الآن ليس هناك أي إشارة جدية من أي طرف من الأطراف لإنهاء هذه الحرب. وهذا دليل على أن هؤلاء الناس لا يقدمون مصالح وحماية شعب السودان كأولوية لهم، وهذا أمر مأساوي للغاية، لأن الشعب السوداني لا يزال بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة، ولكن حتى إدخال هذه المساعدات مستحيل تقريبا في ظل الأعمال العدائية المستمرة.

ـ سؤالنا الأخير، هل حصلتم على أي ضمانات من حكومة الشرع في سوريا لتحقيق متطلبات الإدارة الأميركية؟

ـ لا. وما طلبنا ذلك في حقيقة الأمر. قرار الرئيس ترامب أتى بشكل غير مشروط. من الواضح جدا أن الولايات المتحدة تتوقع تحسنا في كثير من الملفات المهمة، على سبيل المثال حقوق الإنسان بالنسبة للأقليات في سوريا، وعدم (حصول) انفلات سياسي، وحكومة سورية قادرة على محاسبة الذين يؤججون العنف أو الطائفية، على سبيل المثال. وربما الأكثر أهمية، تأمين عدم ظهور داعش بقوة، هذه هي الأولويات القصوى لدى إدارة ترامب ولكن رفع العقوبات ليس مرتبطا بتحسن على الرغم من أننا نريد أن نرى تحسنا على الفور بمساعدات إنسانية.