508777 4

منى فياض/

يسود الاعتقاد أن العنف الجسدي هو أسوأ أنواع العنف وأكثرها إدانة، لأنه مؤلم ومؤذ جسديا ونفسيا. بالمقابل يعتبر العنف المعنوي أخف وطأة وأكثر احتمالا. لكن يصعب إخفاء آثار العنف الجسدي لأنها ظاهرة للعيان، ما يسهّل فضحه وبالتالي محاربته وحماية الضحايا؛ بالمقابل يصعب التقاط أو فضح التعنيف المعنوي.

كتاب "التحرش المعنوي" لمؤلفته ماري فرانس هيريغوايان، أو ما تسميه العنف اليومي المنحرف (pervers)، يساعدنا على التوضيح وإظهار مدى الضرر الذي يسببه العنف المعنوي.

تشير المؤلفة إلى أن بعض اللقاءات قد تكون محفزة لنا على إعطاء أفضل ما عندنا وبعضها الآخر قد يؤدي إلى تدميرنا. ذلك أن فردا معينا قد ينجح في تدمير شخص ما عبر استخدامه للتنكيل المعنوي (harcelement moral). وربما انتهى الأمر أحيانا إلى اغتيال نفسي حقيقي.

يستخدم العنف السياسي عندما يعجز النظام القائم عن استيعاب القوى الجديدة

​​ويمكن لهذا النوع من التحرش المعنوي أن يطال العلاقات بين أي ثنائي والعلاقات في الأسرة وعلاقات العمل؛ كما يمكن أن يطال الحياة الاجتماعية والسياسية.

يمكن للتحرش الانحرافي هذا أن يمارس من قبل أي منا في أي لحظة. لكنه لا يصبح تدميريا إلا بسبب وتيرة استخدامه وتكراره في الزمن. هناك أشخاص منحرفون بشكل دائم بسبب بنيتهم النفسية يتميزون بأنهم لا يكنّون أي احترام أو تعاطف مع الآخرين.

فهؤلاء لا يتمكنون من الاستغناء عن "كسر الآخرين" والحطّ من تقديرهم لذاتهم من أجل الحصول على سلطة أو قوة. لأنهم متعطشون للحصول على إعجاب الآخرين وتقديرهم وقبولهم لهم.

تكتب هيريغوايان انطلاقا من كونها مختصة بعلم الضحية (victimologie) وهو فرع علمي جديد بدأ في الولايات المتحدة بعد أن كان جزءا من علم الجريمة (criminology)؛ إن الشخص الذي يتعرض لهذا النوع من التحرش هو حقيقة ضحية لأن نفسيته قد تتضرر بشكل دائم.

وإذا ما استشارت ضحية هذا العنف المستتر معالجا نفسيا فهي تشكو من صدّ ذهني ونقص في الثقة في النفس وحالة من الاكتئاب٫ بل قد تكون مقاومة لمضادات الاكتئاب. وقد تصل إلى حد الانتحار. وعندما تشكو الضحية أحيانا من الشريك أو المحيط، نادرا ما يتم وعي وجود حالة من العنف المتخفي. فحالة الاختلاط النفسي التي تركزت يمكن أن تجعل المعالج نفسه يغفل عن أن الموضوع يتعلق بعنف حقيقي وموضوعي. وما يجمع بين هذه الحالات أن الضحية نفسها، مع اعترافها بعذابها لا تجرؤ على إدراكه كعنف واعتداء صريحين.

هناك صعوبة عيادية لتسجيل ووصف الحالة في هذا النوع من العنف لأن كل كلمة وكل نبرة صوت وكل تلميح أو نظرة لها أهميتها عندما تؤخذ مجتمعة. ولكن عندما تؤخذ منفصلة تبدو الصورة حميدة وغير مؤذية. إن اجتماعها ودوامها هو الذي يتسبب بالدمار النفسي.

من هنا نجد أنه لا يمكننا الفصل بين العنف، حتى بأكثر أشكاله تخفيا، وبين الصحة الذهنية بمعنى أن نكون على ما يرام على جميع الصعد.

ينتج عن التعرض للعنف الإحساس بانعدام الأمن وبالخوف ويفسد الجو الاجتماعي. الأمر الذي يجعل الأشخاص متوترين وعدوانيين. في المحيط الضيق كالمدرسة مثلا، يتألّب التلاميذ ضد بعضهم البعض وتتدهور صورتهم. وفي المجتمع، تفسد الحياة ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إتلاف الممتلكات وإلى تدهور الجو العام بمجمله. من هنا تسود ممارسة "يا رب نفسي". وهذا ما يحصّن كل فرد ضد الآخرين وتصعب عملية الخروج من هذه الوضعية.

هدف هذه المقدمة القياس على أنواع العنف السياسي، وبالأخص العنف السياسي المعنوي، الذي يتعرض له اللبنانيون منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، للتأكيد على مخاطره ولكيلا نحصره في نطاق استخدام "القوة المادية"، كما درجت العلوم السياسية على فعله.

ثمة اتفاق بين أغلب الباحثين، على أن العنف يصبح سياسيا عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية. ويتفقون على تعريفه كالتالي: "استخدام القوة المادية، أو التهديد باستخدامها، لتحقيق أهداف سياسية". لكن هناك من يضيف أنه "الاستخدام غير الشرعي للقوة، أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين".

هذا ما ينطبق على سياسات حزب الله والمتحالفين معه تجاه اللبنانيين. كما نلاحظ أن التعريف التقليدي لا يهتم بالتعنيف السياسي المعنوي، الممارس بامتياز منذ التسوية المشهودة.

في لبنان تستعيد الصراعات بين الطوائف والمذاهب ألقها على وقع العنف السياسي الممارس من صهر العهد

​​في العام 2005 وما تلاه تعرض لبنان للعنف السياسي المادي العاري: اغتيالات وقتل وغزو مسلح لبيروت تبعها موجة تهديدات وتخويف. لكن العنف والتنكيل السياسيين ـ المعنويين تحولا مؤخرا إلى سياسة؛ بلغت أعلى مستوياتها على لسان وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في خطاب الكراهية المتفلت من الضوابط وممارساته التحريضية المثيرة للنعرات الطائفية والغرائزية، بتناغم وتشجيع من حلفائه السياسيين. ما هدد السلم الأهلي ولامس الانهيار الاجتماعي التام.

تتعدد أنواع العنف السياسي وأهدافه كما القوى التي تمارسه.

هناك العنف الموجه من النظام إلى المواطنين، أو إلى جماعات وعناصر معينة منهم، وذلك لضمان استمرار النظام، وتقليص دور القوى المعارضة أو المناوئة له. ويمارس النظام العنف من خلال أجهزته الرسمية كالجيش، والشرطة، والاستخبارات، والقوانين الاستثنائية. ويُعرف العنف في هذه الحالة باسم "العنف الرسمي أو الحكومي". في لبنان هناك محاولة جادة لإرساء هذا النوع.

هناك العنف الموجه من المواطنين، أو فئات اجتماعية معينة، كالعمال، والطلاب، والفلاحين، والأقليات، والأحزاب، والتنظيمات السياسية، إلى النظام أو بعض رموزه. ويتخذ العنف في هذه الحالة شكل التظاهرات، والإضرابات، والاغتيالات. ويُعرف العنف في هذه الحالة بالعنف الشعبي، أو العنف غير الرسمي. وهو خجول في لبنان.

العنف الموجه من بعض عناصر النخبة الحاكمة، إلى بعض عناصرها الأخرى. ويدخل هذا العنف في إطار الصراعات داخل النخبة، ويتخذ عدة أشكال: التصفيات الجسدية، والاعتقالات، وانقلابات القصر. وقد يصل الأمر إلى حد الصدامات المسلحة بين العناصر والقوى الموالية للأجنحة المتصارعة، داخل النخبة الحاكمة. وقد يوظف الجيش، أو الشرطة، وبعض القوى المدنية، في هذه الصراعات. وهذا ما يحصل طوال الوقت في لبنان وبلغ أوجه في قضية قبرشمون ووصل الأمر إلى حد توظيف القضاء.

العنف الموجه من بعض القوى أو الجماعات، ضد جماعات أخرى داخل المجتمع، نتيجة أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية، وهو "العنف السياسي المجتمعي". وفي لبنان تستعيد الصراعات بين الطوائف والمذاهب ألقها على وقع العنف السياسي الممارس من صهر العهد.

ثمة اتفاق بين أغلب الباحثين، على أن العنف يصبح سياسيا عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية

​​يستخدم العنف السياسي عندما يعجز النظام القائم عن استيعاب القوى الجديدة الراغبة في المشاركة في السلطة والحصول على نصيب أكبر من الثروة والنفوذ. فتلجأ إلى استخدام القوة لضرب القوى، التي تمثل تحديا لها وتريد تحجيمها. وهذا ما حققه حزب الله وما يسعى إليه التيار الوطني الحر عبر الانقلاب على اتفاق الطائف وتغيير الدستور.

لا شك أن العنف السياسي الممارس في لبنان هو عمل غير شرعي، يمثل اختراقا للحدود المقبولة؛ إنه استعمال القوة في العلاقات الاجتماعية. لذلك فهو ظاهرة خطيرة ذات أهداف غير شرعية، ولا يقرها الوعي الجماعي، وتهدد بانهيار المؤسسات على أنواعها؛ ونتج عنها تلوث البيئة الاجتماعية والطبيعية وفسادها. فهل نستغرب حينها تدهور الصحة الذهنية للمواطنين للبنانيين؟

وهل نستغرب بعد الحالة المرضية التي يغرق فيها الشعب اللبناني!

اقرأ للكاتبة أيضا: الهيجان الثأري وشيطنة الفن

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

التنكيل السياسي.. أسوأ أشكال العنف المعنوي 3BB5B18B-AC59-4502-A2F7-723426004363.jpg Reuters التنكيل-السياسي-أسوأ-أشكال-العنف-المعنوي نسخة عن تمثال "اللا عنف" في بيروت 2019-08-18 01:39:37 1 2019-08-16 17:19:37 0

العمالة السورية في لبنان

في بيروت والمدن اللبنانية عموما، من المعتاد رؤية عمال سوريين يتسلقون السقالات، أو يدفعون عربات خضار، أو يدخلون بوابة مصنع أو مطعم، أو يحرثون الحقول. هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين هاربين من ويلات الحرب، إذ أصبحوا خلال السنوات القليلة الماضية العمود الفقري لقطاعات لبنانية واسعة.

لكن الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، رفع العقوبات المفروضة على سوريا قد يتغير المشهد كليا. 

الحديث عن إعادة إعمار سوريا لم يعد حلما، بل ممكنا أقرب إلى التحقق، يفتح أبواب العودة أمام آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في لبنان لسنوات ملاذا، وعملا لتوفير لقمة العيش.

هذا التحول لا يخص السوريين وحدهم. لبنان، الذي يواجه واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، يقف على حافة تغير كبير في سوق العمل: كيف سيتعامل مع احتمال فقدان آلاف العمال؟

فراغ في الأفق؟

"رغم إعلان الرئيس الأميركي، سيستغرق تنفيذ القرار بعض الوقت"، يقول الدكتور بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان، في حديث إلى قناة "الحرة". "لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في وضع العمال السوريين في لبنان".

ويشير الأسمر إلى أن وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم قد تتسارع إذا تزامن رفع العقوبات مع بدء عملية إعادة الإعمار في سوريا لا سيما إذا شاركت دول الخليج والدول الغربية في العملية.

"العمال السوريون هم اليوم ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة، وإذا رحلوا، فإن الفجوة ستكون كبيرة".

وتكبد لبنان بسبب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل خسائر فادحة، إذ قُدرت كلفة الأضرار في قطاع السكن وحده بنحو 3 مليارات دولار، وفقا للبنك الدولي، بعد تدمير قرابة 100 ألف وحدة سكنية، معظمها في مناطق نفوذ حزب الله.

ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تصدر ملف إعادة الإعمار في لبنان الواجهة، لكن المجتمع الدولي وضع شرطا أساسيا: لا مساعدات من دون تنفيذ القرارات التي تنص على نزع سلاح حزب الله. وكانت الرسالة من الدول الغربية والعربية واحدة: المساعدات مرهونة بفرض الدولة سلطتها الكاملة على السلاح.

تداعيات في قطاع البناء.. وأكثر

يقول جميل طالب، رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، إن العمال السوريين يهيمنون على وظائف "البيتون، والقصارة، والتركيب"، وهي أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب قلة الأجور وظروف العمل القاسية. 

"إذا غادروا جميعا، سيكون لذلك تأثير كبير على القطاع،" يضيف في حديثه مع موقع "الحرة".

المفارقة، بحسب طالب، أن إعادة الإعمار في سوريا قد تدفع بعض العمال اللبنانيين أنفسهم إلى الهجرة نحو سوريا بحثا عن فرص أفضل، ما سيُفاقم أزمة العمالة محليا.

يقول الأسمر، من جهته، إنه التقى قبل يومين وفدا من الاتحاد العام للعمال السوريين، بحضور عدد من رجال الأعمال اللبنانيين الذين يعتمدون على اليد العاملة السورية، وتطرق النقاش إلى إمكانية التعاون بين الشركات اللبنانية والسورية خلال المرحلة المقبلة.

ولكن "لا شيء ملموسا بعد، وعلينا الانتظار لمعرفة الاتجاهات،" يقول الأسمر، "لكن لا شك أن إعادة الاعمار في سوريا تسرّع عودة السوريين غير المرتبطين بأعمال دائمة وورش مستمرة في لبنان".

ويرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، أن التحدي أكبر من قضية عمالة. "إذا انطلقت الاستثمارات في سوريا، لا سيما في قطاعات النفط والبنية التحتية والإسكان، فسوف تجذب رؤوس الأموال والعمال معا". 

ويضيف أن "تقديم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مساعدات للسوريين في بلادهم قد يشجع مزيدا منهم على العودة".

ويحذر عجاقة من أن لبنان، المعتمد بشكل كبير على العمالة السورية في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، قد يواجه نقصا حادا إذا ما غادر السوريون فجأة.

شمع أحمر

خلال  السنوات الماضية، شنت السلطات اللبنانية حملات صارمة على العمال السوريين غير النظاميين، بهدف الحد من وجودهم في سوق العمل، ودفعهم إلى العودة. وشملت هذه الحملات مداهمات، وتوقيفات، وحتى إقفال مؤسسات بالشمع الأحمر.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام حينها، فإن الإجراءات شملت "ملاحقة مخالفات الإقامة والعمل، من خلال الكشف على المحال التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من أوضاعهم القانونية، والتأكد من وجود كفيل لبناني." كما تم التحقق من تسجيلهم في المفوضية، التي تحظر عليهم العمل قانونيا.

وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا في لبنان. فبينما رأى فيها البعض خطوة ضرورية لحماية العمال اللبنانيين، اعتبرها آخرون قاسية ومجحفة بحق اللاجئين السوريين.

الأسمر أوضح أن تلك الإجراءات جاءت نتيجة الاحتكاك الكبير بين العمال اللبنانيين والسوريين. "في كثير من الحالات، حلّ السوريون محل اللبنانيين، وحتى أصبحوا يديرون بعض المؤسسات، ما خلق توترا واضحا".

ودعا طالب، من جانبه، إلى إنهاء ما سماه "منافسة اليد العاملة الأجنبية"، وطالب بإدراج عمال البناء في الضمان الاجتماعي وتطبيق قانون العمل عليهم.

هل يخسر لبنان دوره التاريخي؟

في العمق، هناك قلق يتجاوز العمالة: هل يفقد لبنان دوره الاستراتيجي كبوابة اقتصادية إلى الخليج؟ 

يجيب عجاقة بحذر: "رفع العقوبات عن سوريا قد يعود بفائدة على لبنان على المدى الطويل، لكن في المدى القريب، قد يتراجع دوره الاقتصادي والاستراتيجي إذا لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة منه".

وأعرب الأسمر عن أمله في أن تثمر زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى دول الخليج والدول الغربية في الحصول على دعم مالي للبنان، لكنه أشار إلى أن "التركيز يبدو حاليا على إعادة الإعمار في سوريا".

بين رحيل العمالة وغياب الإصلاحات، يقف لبنان عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. والسؤال هو: هل سيتكيّف مع المتغيرات أم يترك زمام الأمور للأقدار؟