الرئيس الصيني مستقبلا الرئيس التركي في يوليو الماضي
الرئيس الصيني مستقبلا الرئيس التركي في يوليو الماضي

509034 4

سونر چاغاپتاي ودنيز يوكسل/

في يونيو المنصرم، أفادت بعض التقارير بأن البنك المركزي الصيني حوّل مليار دولار إلى تركيا كجزء من اتفاقية لتبادل العملات يعود تاريخها إلى عام 2012. وفي حين يشكّل هذا التدفق النقدي أكبر تحويل للأموال وفّرته بكين إلى أنقرة، إلا أن أقصى ما يمكن أن يسفر عنه هو إقراض مبلغ بسيط قصير الأجل لاحتياطيات النقد الأجنبي المتناقصة في تركيا. ولكي ترعى الصين بالكامل اقتصاد تركيا المتعثر، سيتعين على الحكومتيْن التغلب على الخلافات السياسية التاريخية الرئيسية بينهما، لا سيما فيما يتعلق بالأويغوريين الأتراك في منطقة شينجيانغ المضطربة في الصين.

العلاقات الاقتصادية تحت أردوغان

نظرا لقلة الموارد الطبيعية الخاصة بتركيا، تعتمد البلاد على عمليات ضخ رأس المال الأجنبي والعلاقات القوية مع الأسواق الدولية لتحقيق النمو. وكان النجاح الانتخابي الذي حققه الرئيس رجب طيب أردوغان منذ عام 2003 مدفوعا إلى حد كبير بالمبالغ القياسية للاستثمار الأجنبي المباشر الذي اجتذبته البلاد خلال فترة ولايته، ومعظمه من أوروبا. وقد أدى النمو الاقتصادي الناتج عن ذلك إلى تعزيز قاعدة ناخبيه ـ فالكثير من معجبيه المتعصبين ينجذبون إليه لأنه ساعد على انتشالهم من الفقر.

ومع ذلك، تقلص الاقتصاد التركي في الآونة الأخيرة وسط التقلبات المالية وعدم اليقين السياسي وارتفاع معدلات البطالة (15 في المئة حاليا) والتضخم المتفشي (17 في المئة). لذلك يحتاج أردوغان إلى المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر لتمويل النمو الذي يعتمد عليه من الناحية السياسية.

صادرات تركيا إلى الصين لا تشكل سوى جزءا صغيرا من صادراتها إلى أوروبا وأميركا

​​وبالنظر إلى حجم الاقتصاد التركي ـ أقل بقليل من تريليون دولار ـ فإن صندوق النقد الدولي الذي مقره في الولايات المتحدة، هو وحده الذي سيكون لديه الأموال اللازمة لإنقاذه في حال حدوث انهيار مالي، وهذا ما يدركه أردوغان جيدا. بالإضافة إلى ذلك يدرك الرئيس التركي أيضا أن روسيا لا تستطيع الاضطلاع بهذا الدور بمفردها. ومن الناحية النظرية، تستطيع الصين القيام بذلك، ولكن الأمر سيتطلب قيام كلا البلدين بتجاوز خلافاتهما بشأن قضية الأويغور.

وفي يونيو 2018، أرسل أردوغان وزير خارجيته ميفلوت جاويش أوغلو لطلب المساعدة الاقتصادية من بكين وسط حاجة ماسة إليها ـ فقد كانت الليرة في طور الانهيار ولاحت في الأفق أزمة مالية أوسع نطاقا، وكانت العلاقات مع واشنطن في أزمة بسبب قضية القس أندرو برونسون والعقوبات الأميركية ذات الصلة. ومع ذلك، عاد جاويش أوغلو إلى بلاده دون وعد من الصينيين بإنقاذ [الوضع الاقتصادي لتركيا].

وقد بدت هذه النتيجة مفاجئة بالنظر إلى أن بكين كانت تتودد إلى تركيا من خلال "مبادرة الحزام والطريق" المُغرية، التي تهدف إلى تطوير طرق تجارية واسعة النطاق إلى أوروبا وغيرها من المناطق. وفي حالة أنقرة، كان ذلك يعني تقديم قروض ميسّرة لبناء خطوط مترو جديدة وبنية تحتية أخرى. وتقع هذه الاستثمارات في صلب سياسة الصين تجاه تركيا، فقد أعربت أنقرة مرارا وتكرارا عن رغبتها في الاستفادة من "مبادرة الحزام والطريق". ووضعت جميع الوزارات التركية تقريبا خططا لتعزيز العلاقات مع الصين، وتم دمج "مبادرة الحزام والطريق" في أوراق السياسة الخاصة بالبيروقراطية التركية.

النظر في دور الأويغور

على الرغم من هذا الزخم، لا تزال بكين تشعر بقلق عميق حيال علاقات أنقرة التاريخية الوثيقة مع مجتمع الأويغور الأتراك في شينجيانغ. وهذه الأخيرة، التي كانت تُعرف سابقا باسم تركستان الشرقية، كانت جزءا رمزيا وأحيانا دولة تابعة لأسرة تشينغ الصينية في القرن التاسع عشر. ويعود تدخّل تركيا في شؤون الأويغور إلى الحقبة التي قام فيها السلاطين العثمانيون باستخدام الإسلام لتوسيع نفوذهم.

على سبيل المثال، في عام 1873، أرسل السلطان عبد العزيز شحنة أسلحة إلى الأويغوريين لاستخدامها ضد سلالة تشينغ مقابل الاعتراف بحكم سلطنته. وفي ذلك الوقت، كانت سلاسلة تشينغ تحاول مرة أخرى التوغل في عمق شينجيانغ، ووضع الأسس للهيمنة الصينية التي اكتسبت طابعا رسميا وترسخت بشدة في القرن التالي.

وبعد اندماج المنطقة التركية بصورة عميقة في الصين في أعقاب الثورة الشيوعية عام 1949، بدأ ماو تسي تونغ حملة قمع ضد القوميين الأويغور، مما أرغم الكثيرين على الفرار بحثا عن لجوء سياسي. ورحّبت تركيا بأقاربها العرقيين بصدر رحب، في الوقت الذي كانت فيه حليفة جديدة للولايات المتحدة وملتزمة لها في الحرب الباردة.

يحتاج أردوغان إلى المزيد من الاستثمار الأجنبي لتمويل النمو الذي يعتمد عليه من الناحية السياسية

​​وبذلك، عززت علاقاتها مع واشنطن وقوّضت [مكانة] بكين قبل الحرب الكورية. وطوال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أعادت أنقرة توطين آلاف الأويغوريين بدعم من الولايات المتحدة. وفي أواخر السبعينيات، وصلت موجة أخرى منهم في أعقاب إصلاحات ماو.

وفي عهد أردوغان، حافظت أنقرة على دعمها القوي للأويغور؛ ففي عام 2009 وصف السياسات الصينية في شينجيانغ بأنها "إبادة جماعية". وفي الوقت نفسه، برزت القضية كأخطر تحد سياسي للزعيم الصيني شي جين بينغ، مما دفعه للرد على الأويغور باتخاذه إجراءات صارمة ضدهم. فبالإضافة إلى إرساله مئات آلاف الأشخاص من هذه الأقلية إلى "معسكرات إعادة التعليم"، فقد بدأ أيضا بمراقبة جماعية لمجتمعاتهم عبر أنظمة كاميرات الدائرة المغلقة والتنصت العالي التقنية لهواتفهم الذكية ومتابعتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي الآونة الأخيرة، قلل أردوغان من أهمية القضية في وسائل الإعلام التركية التي تهيمن عليها الدولة، والتي أصبحت تنقل الآن قصصا قليلة جدا عن معاناة الأويغور. ويبدو أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى التملّق إلى بكين. ومع ذلك، لا يزال كبار نشطاء الأويغور يجتمعون بانتظام مع المسؤولين الأتراك، ويظل مجتمعهم في تركيا مركز الشتات الأويغوري العالمي. ولا تتوفر بيانات رسمية عن أعدادهم، لكن يُقدر أن عشرات آلاف الأويغوريين يعيشون في تركيا، وهم محبوبين من قبل النخبة السياسية التركية. وإدراكا منها لهذه العلاقات العميقة، ابتعدت بكين عن توفير مئات مليارات الدولارات اللازمة لدرء انهيار الاقتصاد التركي بصورة قاطعة.

القليل من التجارة أو الاستثمار

هناك عقبة أخرى أمام قيام بكين بتوفير شريان حياة اقتصادي لأنقرة يتمثّل بعلاقاتهما التجارية والمالية الحالية المحدودة نسبيا. فعلى الرغم من قيام أردوغان بتنويع شركاء تركيا التجاريين، إلا أنه لم يظهر أحد منهم، بما في ذلك الصين، كبديل قوي لأسواق البلاد التقليدية في الغرب. فصادرات تركيا إلى الصين لا تشكل سوى جزءا صغيرا من صادراتها إلى أوروبا وأميركا، كما أن عجزها التجاري كبير ـ في عام 2018، بلغت وارداتها من الصين 19.4 مليار دولار، بينما بلغت صادراتها إليها 2.7 مليار دولار فقط. وعلى الرغم من ارتفاع الحصة التجارية التركية مع الدول غير الغربية إلى حوالي 30 في المائة، إلا أن الاتحاد الأوروبي وحده ظل يمثل 42 في المئة من تجارة البلاد في العام الماضي، مقارنة بـ 6 في المئة فقط مع الصين.

قلل أردوغان من أهمية قضية الأويغور في وسائل الإعلام التركية التي تهيمن عليها الدولة

​​وبالمثل، بينما تَنوّع شركاء الاستثمار مع تركيا في ظل [رئاسة] أردوغان، إلا أن الحصة الأميركية والأوروبية من التدفقات الداخلة للاستثمار الأجنبي المباشر زادت هي الأخرى أيضا. ففي عام 2005، كان الاتحاد الأوروبي أكبر مستثمر في تركيا، حيث مثلت حصته 58 في المئة من صافي التدفقات الداخلة للاستثمار الأجنبي المباشر؛ وبحلول عام 2018، ارتفعت النسبة إلى 61 في المئة. وفي المقابل، ظلت تدفقات الاستثمار الصيني أقل من 1 في المئة.

وتحمل بعض التطورات الحديثة وعدا بالنمو في المستقبل ـ على سبيل المثال، تمتلك شركة صينية مملوكة للدولة حصة أغلبية في أرصفة حاويات كومبورت (Kumport)في إسطنبول؛ وأفادت بعض التقارير أن شركات صينية عرضت توليها إدارة جسر البوسفور "الثالث" في إسطنبول. ومع ذلك، لا يزال الحيز المالي الشامل لبكين في تركيا صغير جدا مقارنة بنظيره الغربي.

الخاتمة

بما أن تركيا هي دولة شحيحة الموارد مع فاتورة استيراد طاقة سنوية تبلغ حوالي 30 مليار دولار، لذلك تحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات من الاستثمار الأجنبي المباشر أو التدفقات النقدية السنوية الضخمة للحفاظ على نموها الاقتصادي وعلى رضى قاعدة أردوغان. إن اجتذاب مثل هذه المكاسب غير المرتقبة من الصين قد يتطلب قيام أنقرة بتغيير سياستها تجاه الأويغور بشكل جوهري، وهذه مهمة صعبة في ضوء الأنماط التاريخية. ومع ذلك، واجهت الشركات التركية مؤخرا صعوبات في الحصول على ائتمانات من مستثمرين أوروبيين وأميركيين، مما خلق فراغا قد يقرر المستثمرون الصينيون ملأه من خلال توفيرهم مبالغ ائتمان أكبر من تلك التي يوفرها المستثمرون الغربيون. وإذا تحقق هذا السيناريو، فقد يزداد التأثير السياسي لبكين على أنقرة بدرجة كبيرة، مما يُقرّب تركيا من المحور الصيني ـ الروسي الناشئ في السياسة العالمية.

سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" في معهد واشنطن ومؤلف الكتاب المرتقب "إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط". دنيز يوكسل هي مساعدة باحثة في المعهد.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
هل ستصبح تركيا والصين صديقتيْن؟ 415D37E7-F872-406B-A375-79456FE9FC8E.jpg AFP هل-ستصبح-تركيا-والصين-صديقتيْن الرئيس الصيني مستقبلا الرئيس التركي في يوليو الماضي 2019-08-19 14:58:52 1 2019-08-19 15:05:52 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".