509057 4

إياد العنبر/

"هل هُناك أفق؟ هل هناك نور؟ هل هناك سقف زمني؟ حتى تُحل مشاكلنا أو لا؟! لماذا دائما نحن متعبون؟ لماذا دائما نحن نعاني؟ يعني أما آن الأوان لنا كشعب أن نرتاح وأن تُلبّى أبسط الحقوق الطبيعية لحياتنا اليومية؟ إلى متى سنستمر بالركض؟ إلى متى، نحن نأمل اليوم وغدا، حتى شاب فينا الناس وماتت، والرضيع بدأ يشيب ولا زالت مشاكلنا لا تُحل! أين المشكلة؟! حقيقة هذا سؤال نقف عاجزين عن الإجابة عليه! لكن لا بد أن نتكلم".. هذه الكلمات جاءت على لسان السيد أحمد الصافي ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف، ذكرها في خطبة الجمعة في التاسع من أغسطس.

طبيعة هذه التساؤلات ومضمونها ليست بجديدة، ولا حتى نقد المرجعية الدينية لتردي الواقع السياسي والاقتصادي. ولكن المفارقة تكمن في، ما يمكن اعتباره تحول خطاب المرجعية من التوجيه والنصح والإرشاد، إلى التشكي والتذمر. وبذلك نكون أمام خطاب يتماهى مع حالة التذمر والسخط الشعبي على سوء الأداء السياسي وعجز النظام السياسي عن توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة للمواطن.

رسم خارطة طريق للإصلاح، ليس بالمهمة المستحيلة في تجارب الأمم الناجحة 

​​بطيعة الحال هذه الأسئلة وحالات التذمر، باتت تواجه مشكلة التكرار بطريقة مملة جدا! بيد أن السؤال الذي يطرح الآن هو لماذا بهذا التوقيت؟ إذ تزامن مع إعلان التقرير الحكومي نصف السنوي عن إنجاز 79% من برنامج حكومة عادل عبد المهدي. والذي قابله تشيكك بمصداقية نسبة الإنجاز تلك، من قبل لجنة التخطيط ومراقبة البرنامج الحكومي البرلمانية، وما أعلنته كتلة الحكمة المعارضة.

إذا، الموضوع الأكثر أهمية هو البحث في فرضيات توقيت التساؤلات التي طرحها ممثل المرجعية. فالكثير من المتابعين يعرفون جيدا بأن اختيار عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء لم يكن نتيجة لتوافق سياسي بين الكتلتين الكبيرتين داخل البرلمان (سائرون والفتح) فحسب، وإنما كان هناك دعم لترشيحه من داخل أوساط مقربة من مرجعية السيد السيستاني، فضلا عن تأييد خارجي، لا سيما من إيران.

وعليه، فالفرضية الأولى تذهب إلى القول بأن المرجعية تستشعر حالة التذمر الشعبي من انعدام المنجز الحكومي على المستوى الخدمي، والذي قيمه تقرير اللجنة البرلماني بصفر في المئة (0%)، ورسائل المرجعية دائما تقرأ بأنها مع المطالب الشعبية وليس مع تبرير سوء أداء الحكومة.

والفرضية الثانية، ترى أن الرسالة موجهة إلى جميع الطبقة السياسية من دون استثناء، وليس حكومة لم يتجاوز عمرها السنة الواحدة. فهذه الطبقة لا تزال تفكر بتوسيع دائرة مصالحها، على حساب تقديم مصلحة المواطن، على الرغم من أنها عدت حكومة السيد عبد المهدي الفرصة الأخيرة لتصحيح الأخطاء. لكن لم يتغير شيء على أرض الواقع، الفساد لا يزال مستشريا في جميع مفاصل الدولة من دون معالجة حقيقة، والمشكلة الأكثر تعقيدا انعدام الثقة بهذه الطبقة السياسية لجهة قدرتها على توفير الحلول الناجعة لأزمات البلاد.

أما الفرضية الثالثة، فيمكن قراءتها في التساؤل الذي طرح في خطبة الجمعة بقولها: "البلاد تتجاذبها رياح يمين وشمال ونحن نتفرج إلى أين ومتى يأتي الفرج، لماذا هذه الحالة عندنا في العراق؟!"

مرجعية السيد السيستاني تتدخل فقط للحفاظ على النظام العام ومنعِ الفوضى

​​فالحكومة الحالية، وبدلا من الانشغال بمصلحة الوطن والمواطن وأن تكون أولوياتها مصلحة العراق، باتت محل شد وجذب بين أميركا وإيران. وفي الوقت الذي كانت رغبة المرجعية وبعض القيادات السياسية في إخراج رئاسة الوزراء من الأسماء والأحزاب التي هيمنت عليها طوال السنوات الماضية، عبر ترشيح شخصية "مستقلة" على أمل إبعاد مصادر التأثير الخارجية على القرار السياسي العراقي. بيد أن تطورات الأحداث تؤشر إلى زيادة نفوذ إيران، في وقت كانت المخاوف من هيمنة أميركية في حال بقاء حيدر العبادي رئيسا لولاية ثانية.

موقف المرجعية وتساؤلها الناقد لسوء الإدارة والفساد، كان فرصة لعودة المطالبات بتدخلها لإحداث تغييرات بالمشهد السياسي! وعلى الرغم من أنها باتت القوة الوحيدة التي تمتلك القدرة على إحداث تغيير جوهري في العملية السياسية، لا سيما بعد انحسار حركات الاحتجاج والتظاهرات وعجرها عن إحداث أي تغيير، إلا أن الكثير من العوامل الموضوعية تستبعد سيناريو تدخل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بطريق مشابه لمواقف سابقة في فتوى الانتخابات وكتابة الدستور، وفتوى الجهاد الكفائي.

فمرجعية السيد السيستاني تؤمنُ بـ"الولاية في الأمور العامة" التي يعتقد السيد السيستاني أنها تتدخل فقط للحفاظ على النظام العام ومنعِ الفوضى. ومن ثم فهي تختلف عن "الولاية العامة المطلقة"، ونموذجها القائم في إيران والتي تتدخل في جميعِ تفصيلات إدارة الشأن العام. فضلا عن ذلك، لا يمكن للمرجعية المراهنة على تغيير سياسي شامل لا يكون عبر الآلية الانتخابات، والمفارقة المعقدة هنا هي أن الطبقة السياسية أصبحت أكثر احترافية في التحايل على قوانين الانتخابات، من خلال تشريع قوانين انتخابية وظيفتها الرئيسية ضمان ترسيخ بقاء هذه الطبقة في الحكم، وليس تنظيم المشاركة السياسية، ناهيك عن هيمنها المؤسسات التي تدير العملية الانتخابية.

الفرضية الأولى تذهب إلى القول بأن المرجعية تستشعر حالة التذمر الشعبي من انعدام المنجز الحكومي على المستوى الخدمي

​​إذا، المراهنة على تغيير الشخوص في تولي منصب رئيس الوزراء، الذي راهن عليه كثيرون ـ ومن ضمنهم كاتب المقال ـ هو رهان خاسر. فمنظومة العمل السياسي التي رسختها الشخصيات والأحزاب والقوى السياسية ساهمت بالانقضاض على العمل المؤسساتي للدولة، ورسخت بدلها بيروقراطيات حزبية وشخصية مهيمنة على النظام السياسي منذ خمس عشر عاما. بيد أن خطاب التشاؤم والنكوص والتشكي والتذمر لا يمكنه أن يصحح الأخطاء، والإجابة على التساؤلات التي تبحث عن نهاية لمعاناة العراقيين، تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء التي تشترك فيها الطبقة السياسية بأجمعها ويتقاسم معها المسؤولية من منحهم الشرعية.

ورسم خارطة طريق للإصلاح، ليس بالمهمة المستحيلة في تجارب الأمم الناجحة في تجاوز الأزمات وإعادة بناء الدولة. لكونها اعتمدت أولا على ضرورة توفر الإرادة السياسية الجادة للإصلاح وليس رفعه كشعار. وثانيا، على القيادة السياسية التي تملك مشروع حقيقي لإدارة الدولة، وليس هدفها الرئيسي تحقيق رغبة شخصية في الحصول على المنصب السياسي وتتحول إلى أداة لتنفيذ إرادات خارجية وداخلية. وأخيرا القدرة على تغيير المنظومة التشريعية بمنطق تقييم مخرجاتها السابقة التي لم تنتج غير النظام السياسي عاجز عن القيام بوظائفه الرئيسة، وزيادة الفجوة بين المجتمع ونظام الحكم.

لكن يبقى ما تقدم مجموعة من التنظيرات لا يمكنها أن تنهي معاناة العراقيين ما دامت النخب السياسية الحاكمة لا تملك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ولا تريد كسب ثقة المواطن.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: أزمة السياسة لا يصلحها شعار المعارضة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

العراق: الكل يتساءل، ولا أحد يجيب! F8FA9C12-7F32-4CF8-A7DD-4C7AA21A8DDE.jpg AFP العراق-الكل-يتساءل-ولا-أحد-يجيب عراقي يمر أمام قوات الأمن المولجة حماية مقر الحكومة المحلية في البصرة 2019-08-20 10:07:43 1 2019-08-19 17:16:45 0

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.