شركة هونغ كونغ تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين
شركة هونغ كونغ تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين

509066 4

حسين عبدالحسين/

سادت القرنين الماضيين ثورات شعبية على الملكيات والإمبراطوريات، تلاها سباق بين الرأسمالية والاشتراكية. لكن في ذروة صراعات المعمورة، أجمع العالم على ضرورة الديمقراطية في الحكم، حتى تسمت بها دول استبدادية، مثل جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، أي كوريا الشمالية، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أي اليمن الجنوبي الشيوعي المندثر.

كانت كل الحكومات تسعى لكسب ود شعوبها، واحترام العالم، بالتظاهر أنها ديمقراطية، لكنه تظاهر أفضى إلى سخرية، فخلعت دول الاستبداد قناعها، وأوعزت لأجهزة دعايتها، وللموالين لها في الغرب وحول العالم، بمهاجمة الديمقراطية، وتسخيفها، وتصويرها على أنها أداة تستخدمها الرأسمالية للسيطرة على ثروات الناس البسطاء. وربطت دعاية الاستبداد العالمي الديمقراطية بالكولونيالية "البغيضة"، وبالرجل الأبيض، "الشرير حكما".

ويتظاهر أنصار الأنظمة الاستبدادية ـ الروسية والصينية والإيرانية وغيرها ـ أن الديمقراطية هي خدعة للتعمية على مبدأ أكثر أهمية، وهو العدالة في توزيع الثروات، ويتساءلون حول فائدة حرية الرأي للمواطنين من المعوزين، ممن يبحثون عن قوتهم اليومي أو السكن أو الطبابة. ويعتبر أنصار الاستبداد أن الأجدى بحكومات الدول، والنخب المساندة لها، أن ترفع العدالة الاجتماعية إلى صدارة أولوياتها، على حساب الديمقراطية والحريات على أنواعها.

يبدو الاستبداد هادئا، منتظما، متجانسا، لكنه نار تحت الرماد

​​وفي النصف الثاني من العقد الماضي، صادفت دول الاستبداد سنوات سمان أفادت خلالها من فورة اقتصادية عالمية، وارتفاع أسعار المواد الأولية، وخصوصا الطاقة، ما أنعش اقتصادات ميتة واقعيا، مثل في روسيا وإيران اللتين تعتمدان على وارادات مبيعات الطاقة، فبنت أنظمة الاستبداد شرعيتها في الحكم حول التحسن الاقتصادي الملموس لمواطنيها.

لكن الاقتصادات ـ كل الاقتصادات عبر التاريخ ـ تنمو وتضمر، وتتأرجح بين بحبوحة وعوز، وهو ما يدفع حكومات الاستبداد، في السنوات العجاف، إلى تشديد قبضتها الحديدية والتشدد أكثر ضد حرية تعبير الناس عن معاناتهم وفقرهم. كذلك يخوض الاستبداد في مغامرات عسكرية خارجية لتشتيت الانتباه عن مشاكل الداخل، ولنسج ملاحم وطنية خيالية عن الكرامة الوطنية، وتحقيق انتصارات وهمية على الكولونياليين الأشرار وديمقراطيتهم.

والانتصارات العسكرية المزعومة تؤكد صحة الاستبداد وزيف الديمقراطية، حسب دعاية الاستبداد. على أن رفع الكرامة الوطنية إلى مراتب أسمى من العيش الكريم يعيدنا إلى نفس سؤال الاستبداد وأنصاره عن فائدة الكرامة لمواطنين لا يجدون قوتهم، ولكنها مفارقة تفوت أعداء الديمقراطية من أنصار الاستبداد، بشقيه القومي والإسلامي.

ويوم تفشل كل محاولات الاستبداد في تشتيت الانتباه عن فساده، ويوم تندلع التظاهرات المحلية المطالبة بالحرية، والديمقراطية، وتداول السلطة لانتخاب حكومات يمكن محاسبة سياساتها الاقتصادية إن فشلت، يبلغ الاستبداد ذروته، من سوريا إلى إيران ومن روسيا إلى الصين، وتمضي دعاية الاستبداد في اتهام المتظاهرين بالعمالة للكولونيالة والغرب والديمقراطية، ما يتطلب تكميم أفواههم ورميهم في السجون، واتهامهم بالإرهاب، الذي يتطلب حكما استخدام العنف الجماعي ضدهم، أو على حد قول أحد بلطجية الرئيس السوري بشار الأسد، أثناء ضربه متظاهرا سوريا في أولى سني الثورة السورية: "بدكن (تريدون) حرية يا ولاه؟".

لا تتقدم العدالة الاجتماعية على الحرية، ولا صلاح في استبدال أي حكومة ديمقراطية ـ وإن فاشلة في توزيع الثروات بشكل عادل ـ بمستبد، مهما كان عادلا، فالديمقراطية تسمح للمواطنين بتحديد مصيرهم بأنفسهم، وتلقي عليهم مسؤولية اختيار الحكام والسياسات، أما الاستبداد، فإما يصيب أو يخطئ، وهو إن أخطأ، لا بديل عن استمراره في الحكم، مع أخطائه وفساده وإمعانه في القمع والاستبداد.

ليست الديمقراطية ترفا فكريا، ولا هي تناسب شعوبا دون أخرى، ولا هي ترتبط بخصوصيات ثقافية. أما الحرية، فليست منّة الحاكم على المحكوم، بل إن الحكم هو منّة المحكوم على الحاكم، وإن خسر الحاكم ثقة المحكوم، يخرج من الحكم، ويتم استبداله بخادم آخر للشعب، فالشعب سيد نفسه ومصيره، والحاكم موظف عند الشعب، لا وصي عليه.

يمكن لبوتين أن يقطف كل الزهور في روسيا، لكن ذلك لن يوقف زحف الربيع

​​عن الحرية ينجم اختلافات وضوضاء، وعن الديمقراطية تنجم نقاشات واختلافات في السياسات وطرائق الحكم. أما الاستبداد، فيبدو هادئا، منتظما، متجانسا، لكنه نار تحت الرماد. لهذا تتأرجح الديمقراطية بين حكومات ناجحة وأخرى فاشلة، فيما تتراوح أنظمة الاستبداد بين القمع والحروب الأهلية، وعلى قول المثل الغربي "من استبدل حريته بقوته، خسر الاثنين معا".

يمكن لرئيس روسيا فلاديمير بوتين اتهام وزيرة خارجية أميركا السابقة هيلاري كلينتون بتحريض الروس ضد استبداده، ويمكنه اتهام سفير أميركا السابق في روسيا روبرت ماكفول بإدارة عملية تخريبية ضد حكمه. وبعد خروج الاثنين من الحكومة، يمكن لبوتين اتهام "يوتيوب" بتظاهر عشرات الآلاف في موسكو ضد الديكتاتورية الروسية. كما يمكن لبوتين تهديد الروس بـ "ربيع عربي". يمكن لبوتين أن يقطف كل الزهور في روسيا، لكن ذلك لن يوقف زحف الربيع، الذي سيأتي يوما على موسكو، كما على طهران، وهونغ كونغ، ودمشق، والقاهرة، وغيرها.

اقرأ للكاتب أيضا: التاريخ حسب الكولونيالية الإيرانية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
تريدون حرية؟! EC42A54A-4DB6-4A53-AD8A-F20CFD818A6B.jpg AFP بدك-حرية شركة هونغ كونغ تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين 2019-08-20 11:32:52 1 2019-08-19 18:28:22 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟