509135 4

د. ابتهال الخطيب/

الحرية هي القيمة الأغلى في حياة كل إنسان. كلنا يريد أن يتحرر من شيء ما، أن يعبر عن شيء ما، أن يعيش بطريقة ما. الفقير يريد أن يتحرر من فقره، والحزين من حزنه، والمكمم فاهه من كمامته، والأرستقراطي من قيود طبقته، والغني من خوفه وقلقه وحتى جشعه للمزيد من المال؛ كل في قلبه هدف تحرري يسعى إليه.

الحرية هي ـ في رأيي ـ الهدف الأعمق الراقد في قلب كل أهدافنا ورغباتنا الأخرى. وعلى حين أن ماركسيتي الدفينة "النص كم" تصر عليّ بأن هدف كل البشر هو تحقيق الربح المادي وأن "الدولار" هو الذي يحدد كل شيء في حياتنا بما فيها طبائعنا وعاداتنا وتوجهاتنا وحتى طبيعة أدياننا، إلا أن الليبرالية الاجتماعية التي تغلف روحي تقول لي بأن الحرية أغلى من المال وأن القدرة على الفعل والبوح تفوق الدولار قوة بل وتأثيرا على الأسواق العالمية.

تريد علاقة واضحة وصريحة، تريد قيمة أخلاقية تحكم العلاقة، عليك بالمشاركة في إحقاق الحق

​​الحرية هي ما يتعارك عليه الأبناء مع والديهم، هي ما يضحي من أجله الثوار دافعين فيه الغالي والنفيس من حيواتهم، في غيابها تنهدم العلاقات وتميل التوازنات وتترنح السعادات ما بين تحمل وتعاسة. القيود، ولربما من بعدها الفقر، هما أكثر ما يمكن أن يصنع الثورات ويدفع بالناس للعنف، حتى هؤلاء الأكثر مسالمة وخمولا.

حين تغيب الحرية عن أي علاقة، تفقد هذه العلاقة وبشكل مباشر توازنها، حيث يصبح فيها طرف أقوى وطرف أضعف، طرف صوته مرتفع وطرف خفيض الصوت، لتتدحرج بعد ذلك المشاكل مباشرة على سطح العلاقة في صورة صراع مستمر للقوى وباستخدام كل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، في محاولة لإعادة التوازن (الذي تنشده الطبيعة مهما قاومناها) للعلاقة بكل أطرافها.

حين تدور الحوارات بيننا كنساء حول علاقاتنا وشركائنا، دائما ما يختفي في طيات الحديث مضمون صراع قوى شديد، صراع مستمر خفي كأنه رمال متحركة في صحراء علاقات قاحلة، ونعم هي قاحلة طالما اختفى خضار الحرية الحقيقية الكاملة من على سطحها تاركا إياه أصفر ترابي جاف. في حديثنا عن هذه العلاقات، دوما ما نلوح كنساء، مهما بلغت المحبة للشركاء، بالأساليب الخفية الملتوية التي تضطرنا الظروف والقوى المجتمعية والقانونية لها والتي بها وحدها نحقق العدالة ونعيد الاتزان للمعادلة المنكفئ كفها دوما باتجاه الرجل.

حين تغيب الحرية عن أي علاقة، تفقد هذه العلاقة توازنها

​​ولقد كتبت العديد من النسويات ومنذ ما قبل عصور النهضة عن هذه المشكلة العميقة والتي تفرغ المرأة إجبارا من تصرفها الأخلاقي. ماري وولستونكرافت كتبت على سبيل المثال في القرن الثامن عشر مشيرة إلى أن تفرد الرجال بالسلطة الديكتاتورية يدفع بالنساء دفعا للخبث والتآمر. في حين حذرت أخريات مثل سارة ستيكني آليس من تداعيات الغياب الأخلاقي القسري والدفع بالنساء تجاه المناورة على المنظومة الأسرية بأكملها كون المرأة هي المشكّل الأول لأخلاقيات الأسرة من حيث تفردها، في ذلك الزمن، بتربية أبنائها. لم تتغير الظروف كثيرا اليوم، مازالت المرأة المعني الأول بتربية الأبناء وبالرعاية البيتية، ومازالت مدفوعة دفعا، من خلال القواعد المجتمعية والقوانين الأسرية، للمناورة من أجل نيل حقوقها.

أعلم تماما أن هذا الموضوع هو غاية في الحساسية لارتباطه الملحّ بالتشريع الديني، وهو المسيطر الأول على كل قوانين الأحوال الشخصية والأسرية في معظم أطراف العالم العربي، تونس آخذة في أن تكون استثناء قويا رائعا، إلا أن المواجهة لا بد وأنها قادمة.

لن تعتدل كفة المجتمع ولن يخلو من المشاكل إلا إذا استتب العدل في أصغر مكوناته، أي في قلب الأسرة المركزية. وإلى حين يصبح للمرأة ذات القوة المجتمعية والقانونية، وإلى حين أن تصبح هي بذات السلطة في أسرتها وعلى حياتها وحريتها دخولا أو خروجا من علاقتها مع الرجل، وإلى حين أن تصبح لها ذات الحقوق المدنية كاملة متكاملة دون فرق بينها وبين شريكها، لن يستتب للعلاقات الإنسانية أمنا ولا هدوء ولا اتزانا.

ستبقى النساء تكذب على الرجال لتحقيق رغباتها الممنوعة في الأسرة بحكم قوامة الرجل الاجتماعية، وستبقى النساء تناور مضطرة للشائك من الخدع وأساليب المقاومة للتحصّل على شيء من حريتها الضائعة في حال أرادت الفكاك من علاقة زوجية يرفض الرجل تحريرها منها بحكم قوامته القانونية في كافة مواضيع الأحوال الشخصية.

لن تعتدل كفة المجتمع ولن يخلو من المشاكل إلا إذا استتب العدل في أصغر مكوناته، أي في قلب الأسرة المركزية

​​وإلى أن تشعر المرأة بأنها حرة تماما في الدخول والخروج من العلاقة الزوجية، وإلى أن تتأكد من استكمال حقوقها الاجتماعية الأسرية الباقية، إلى أن تُرفع عنها الوصاية الذكورية وتصبح هي وليّ حقيقي وكامل على نفسها وأبنائها، إلى أن تكون لها ذات حقوق الرعاية الأسرية المقدمة من الدولة، إلى أن ينظر لها على أنها إنسان متكامل له إرادة واجبة التنفيذ في العلاقة الزوجية فلا يمكن لأحد أن يجبرها على الاستمرار أو حتى على الانفصال، إلى أن يتم كل ذلك وبمساواة تامة لا تقل إنشا أو تزيد، ستبقى المرأة مضطرة للكذب عليك أيها الرجل ولمناورتك، وستبقى محتاجة للدوران في دوائر لا تنتهي لتحقيق أبسط الرغبات ولتفعيل أبسط الحقوق دون أن تتمكن من السعي في خط مستقيم كما يجب أن يكون لتصل لمبتغاها، ستبقى تخدعك وتناورك وتكذب عليك كذبا صريحا لا لوم عليه ولا عتب بسببه في محاولة لتعديل كفة الميزان الصارخ الانكفاء.

تريد علاقة واضحة وصريحة، تريد قيمة أخلاقية تحكم العلاقة، عليك بالمشاركة في إحقاق الحق، دون مَنّ أو شعور باستحقاق شكر، عليك أن تساعد في إعادة المعادلة لاتزانها الطبيعي، عليك أن تحترم الحرية الكاملة التامة الخالصة المساوية تماما والتي لا تنقص أونصة عن حريتك للمرأة الإنسان. دون ذلك، ستبقى مضحوكا عليك، وستبقى المرأة مناورة حزينة ومخادعة تحفر الحياة بمخالب خداع مفروض مهين. الحرية، وفقط الحرية الكاملة، والمساواة التامة في الحقوق، تلك هي التي ستعيد للعلاقة ولكل علاقة أخلاقيتها التامة.

اقرأ للكاتب أيضا: "حابي"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

حياة نص كم 1B3DE362-264C-4233-88A3-5CE6BD38BA61.jpg Reuters حياة-نص-كم تظاهرة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في أوكرانيا 2019-08-20 12:50:48 1 2019-08-20 13:01:48 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟