سودانيون وسودانيات يحتفلون بتوقيع الاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي
سودانيون وسودانيات يحتفلون بتوقيع الاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي

509320 4

بابكر فيصل/

بالتوقيع النهائي على الاتفاقين السياسي والدستوري بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي وتعيين المجلس السيادي ورئيس مجلس الوزراء، تكون الثورة السودانية قد انتقلت إلى مرحلة الدولة وهي المرحلة التي ستكتمل بتشكيل الحكومة (مجلس الوزراء) التي ستستلم مهامها رسميا في الأول من سبتمبر.

ووفقا لما جاء في نصوص الاتفاقين، السياسي والدستوري، فإن قوى الحرية والتغيير التي ستحكم البلاد لثلاث سنوات ستضطلع بالعديد من المهام خلال فترة الانتقال، تأتي في مقدمتها أربعة مهام: ترسيخ الحريات، وقف الحرب وإحلال السلام، معالجة المشكلة الاقتصادية، وتفكيك دولة التمكين الحزبي التي شيدها النظام البائد.

في إطار ترسيخ الحريات العامة، تعهدت حكومة الثورة بإلغاء جميع القوانين المقيدة للحريات مثل قانوني الأمن الوطني والنظام العام وغيرها، كذلك ستعمل على استعادة حياد الأجهزة الإعلامية الرسمية (التلفزيون القومي، الإذاعة، وكالة الأنباء إلخ) وتغيير رسالتها الشمولية التي ترسخت عبر ثلاثة عقود من الاستبداد.

يسيطر الموالون للنظام على مفاصل الدولة ومؤسسات الحكم ويتحكمون في اقتصاد البلاد

​​كذلك ستعمل حكومة الثورة على إطلاق حرية العمل السياسي والحزبي دون قيود، وضمان قيام وتكوين النقابات والاتحادات المهنية عبر الانتخاب، فضلا عن السماح بحرية التعبير والتنظيم بصورة كاملة.

تنتظر الحكومة مهمة عسيرة وشاقة تتمثل في وقف الحرب الأهلية المستمرة في دارفور منذ عام 2003، وكذلك في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق منذ عام 2011، حيث أشار الاتفاقان السياسي والدستوري إلى أن الحكومة ستخصص الستة أشهر الأولى من عمرها لعملية إحلال السلام في البلاد.

وكان النظام البائد قد فشل في وقف الحرب بسبب سياساته الفاشلة القائمة على عقد اتفاقيات مع الحركات المسلحة بطريقة التجزئة مما فاقم الأوضاع، إضافة لعدم توفر الإرادة الكافية لدى قادة النظام للتوصل لسلام دائم بدفع استحقاقات وقف الحرب، وهو الأمر الذي حدا بقوى الحرية والتغيير لتبني الدعوة لمفاوضات شاملة مع جميع الحركات المسلحة عبر مؤتمر السلام المزمع عقده خلال مدة أقصاها شهر من بدء أعمال الحكومة.

من ناحية أخرى، تواجه الحكومة الانتقالية التحدي الاقتصادي الذي انعكس في ندرة السلع والارتفاع الجنوني لأسعارها والتدهور الكبير في مستوى المعيشة لقطاعات عريضة من الشعب السوداني والتراجع المريع في الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، فضلا عن توقف الاستثمارات الأجنبية وارتفاع الدين الخارجي لأكثر من 53 مليار دولار.

أية انشقاقات داخل قوى الحرية ستؤثر سلبا على أداء الحكومة

​​في هذا الإطار طرحت قوى الحرية والتغيير برنامج الـ 100 يوم الإسعافي لمعالجة مشكلة الأسعار وتوفير السلع الأساسية (الخبز، البترول، الدواء) في الثلاثة أشهر الأولى، وهو البرنامج المؤمل منه تخفيف أعباء المعيشة التي أثقلت كاهل الطيف الأوسع من المواطنين، وكانت أحد الأسباب الرئيسية في اندلاع الثورة.

أما على المدى المتوسط فإن الحكومة تعوَّل كثيرا على رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وهي الخطوة التي ستمهد الطريق أمام شطب الديون الخارجية، واستئناف المنح والقروض من المؤسسات الدولية المانحة، إضافة لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

من المعلوم أن النظام البائد كان قد طبَّق برنامجا للتمكين الحزبي عمل بواسطته على السيطرة على الخدمة المدنية وأجهزة الدولة والاقتصاد الوطني، وذلك عن طريق فصل آلاف الموظفين تعسفيا وإحلالهم بالموالين للحركة الإسلامية (الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين)، إضافة لمنح التسهيلات المصرفية ورؤوس الأموال والامتيازات الحكومية لأتباع النظام مما خلق طبقة كبيرة من الأثرياء والرأسماليين الموالين له.

مازال هؤلاء الموالون للنظام يسيطرون على مفاصل الدولة ومؤسسات الحكم ويتحكمون في اقتصاد البلاد، وسيعملون على عرقلة كل البرامج التي ستقترحها الحكومة، كما أنهم سيبذلون كل مساعيهم لخلق المشاكل والأزمات حتى يثيرون غضب الجماهير، وهو الأمر الذي يتطلب وعيا كبيرا من الحكومة في التعامل معهم بكل حزم، وإفشال خططهم الهادفة لإجهاض الثورة والتغيير الذي مهرته الجماهير بالدماء والدموع.

قد رسم الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية الخطوط الرئيسية لكيفية تفكيك مؤسسات النظام البائد، وذلك عبر إنشاء مفوضيات متخصصة للإصلاح الإداري ومحاربة الفساد، فضلا عن تأكيد حياد الهيئة القضائية والنيابة العامة وهو الأمر الذي سيضمن تقديم جميع المتهمين بنهب المال العام وتبديد ثروات البلاد إلى المحاكمات العادلة.

تواجه الحكومة الانتقالية التحدي الاقتصادي الذي انعكس في ندرة السلع والارتفاع الجنوني لأسعارها

​​من ناحية أخرى، فإن تحديا كبيرا ومحتملا سيواجه الحكومة القادمة ويتمثل في وحدة تحالف "قوى الحرية والتغيير"، وهو الجسم الذي قاد الثورة طيلة الثمانية أشهر الماضية، وسيقوم بتشكيل الحكومة بوصفه التحالف الأعرض في تاريخ السودان الحديث بما يمثله من عشرات الكيانات السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني.

وبما أن قوى الحرية ستكون المرجعية السياسية للحكومة القادمة فإن أية انشقاقات داخلها ستؤثر سلبا على أداء الحكومة، وهو الأمر الذي بدأت بوادره تظهر للعيان من خلال الخلافات التي تبدت أثناء تقديم أسماء المرشحين لعضوية مجلس السيادة، والتي ربما تتكرر بخصوص التشكيل الحكومي، وهذا الأمر يتطلب وعيا كبيرا وحكمة من القائمين على أمر التحالف المنوط به إنجاز مرحلة الانتقال بصورة ناجحة تؤسس لديمقراطية مستدامة في البلاد وتحقق شعارات الثورة المنادية بالحرية والسلام والعدالة.

لا شك أن النظام البائد قد خلَّف تركة مثقلة عناوينها الأبرز: الحروب وكبت الحريات والانهيار الاقتصادي والفساد المستشري وسوء الإدارة، وهي الأمور التي دفعت بالثوار للخروج للشارع وإسقاط رأس النظام، وبما أن الجماهير كانت متقدمة على القوى السياسية في تحركها، فهي مطالبة بأن تستمر في حالتها الثورية المتسمة باليقظة، لتراقب الأداء الحكومي، ولتقوم مسار قوى الحرية والتغيير حال انحرافه عن أهداف الثورة، ولتشكل السند الحقيقي لإنجاح برامج الحكومة الهادفة لإنزال شعارات الثورات لأرض التطبيق.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تخلى الإخوان المسلمون عن المنافسة على السلطة؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

السودان: من الثورة إلى الدولة 3743785C-3931-4E40-8C2B-8A9D2B52E08F.jpg AFP السودان-من-الثورة-إلى-الدولة سودانيون وسودانيات يحتفلون بتوقيع الاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي 2019-08-21 13:15:24 1 2019-08-21 13:16:10 0

مطار بيروت

لأعوام طويلة، حول حزب الله مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت إلى معبر تهريب لحقائب العملة الصعبة والذهب والسلاح، في تجاوز صارخ لسلطة الدولة اللبنانية. 

اليوم، ومع تصاعد الضغوط الداخلية والدولية، تعمل السلطات اللبنانية على إعادة فرض هيبتها على هذا المرفق الحيوي، في مسعى لضبط الوضع الأمني وفرض السيادة على أحد أبرز منافذ البلاد.

وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة اللبنانية سلسلة إجراءات أمنية وإدارية، شملت منع هبوط شركات الطيران الإيرانية، وإجراء تغييرات أمنية داخل المطار، إضافة إلى فصل عشرات الموظفين للاشتباه بانتمائهم إلى حزب الله، وفقا لتقارير. 

وكثّفت السلطات عمليات التفتيش ووسّعت دائرة المراقبة على الشحنات الواردة والصادرة، سعيا لكبح أي نشاطات مشبوهة.

وترافق ذلك مع حملة دبلوماسية قادها لبنان لطمأنة المجتمع الدولي بالتزامه بمكافحة التهريب وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، في مسعى لاستعادة الثقة الدولية بلبنان.

إجراءات صارمة؟

وأسفرت سلسلة عمليات أمنية في المطار عن إحباط تهريب أموال وذهب في الآونة الأخيرة، يشتبه في ارتباطها بحزب الله، وكان أحدثها قبل أيام عندما ضبطت السلطات شحنة ذهب، نفى النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله حسن فضل الله، أن تكون مرتبطة بالحزب.

وفي فبراير الماضي، أعلنت وزارة المالية اللبنانية عن ضبط مليونين ونصف مليون دولار مع أحد المسافرين القادمين من تركيا.

وفي هذا السياق، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام في 13 مايو جولة تفقدية في المطار برفقة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، واجتمع مع قائد جهاز أمن المطار العميد فادي كفوري وعدد من المسؤولين. 

واطلع سلام على سبل تعزيز الأمن وتسهيل حركة المسافرين.

"الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مطار بيروت الدولي ماثلة للعيان ويلاحظها جميع رواده من لبنانيين وأجانب، مغادرين أو واصلين"، يقول المحلل السياسي الياس الزغبي.

ويضيف أن تلك الإجراءات "أمنيّة وإدارية وتنظيمية وسياحية مشددة، ولكنها خاضعة لمزيد من الاختبار والمتابعة لئلّا تكون ظرفية أو طارئة تعود بعدها الفوضى ويستشري الفلتان كما كانت عليه الأمور سابقا".

ولاقت الإجراءات المتخذة في المطار "ارتياحا خارجيا وداخليا"، وفق ما يقوله الزغبي لموقع "الحرة"، "وهذا ما شجع بعض الدول الخليجية على السماح لمواطنيها بالمجيء إلى لبنان بعد احتجاب سنوات، ما يؤدي إلى صيف سياحي واعد في حال استمرار الهدوء في الربوع اللبنانية".

ويرجح الزغبي انزعاج حزب من هذه التدابير "لأنها أقفلت في وجهه باباً أساسياً من أبواب تهريب الأموال والمخدرات وحتى الأسلحة، خصوصاً بسبب منع الطائرات الإيرانية من الهبوط".

ورغم الضغوط التي يمارسها حزب الله على الدولة وأجهزتها لوقف هذه الإجراءات "تتابع السلطات السياسية والأمنية مهمتها لأن المسألة بالغة الجدية للعرب والعالم ولا تستطيع هذه السلطات التهاون فيها".

تحديات قائمة

تواجه مطار بيروت ثلاث مشكلات رئيسية، وفقا للخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب، وهي تتراوح بين التحديات الأمنية والثغرات اللوجستية والإدارية، قد تنعكس على الأمن العمليات وسيرها.

يشير ملاعب في حديث لموقع "الحرة" إلى أن الموقع الجغرافي للمطار يشكل تهديداً أمنياً بالغ الأهمية.

"يقع المطار في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي منطقة ذات نفوذ شيعي، مما يجعل السيطرة الأمنية خاضعة لتأثير مباشر من قوى الثنائي الشيعي".

ويضيف "رغم إزالة الإعلانات التابعة لحزب الله على الطرق المؤدية إلى المطار، فإن ذلك لا يعني خروج المنطقة من نطاق السيطرة الفعلية".

ويشير ملاعب إلى أن "الجيش اللبناني اضطر في فترة معينة إلى فتح مسار بديل عبر منطقة الشويفات لتسهيل دخول الموظفين، بعد تعذّر استخدام الطريق الرئيسي نتيجة إغلاقها على أيدي مسلحين، وتم تمرير الموظفين بمحاذاة المدرج تحت حماية عسكرية لضمان وصولهم".

وأشار ملاعب إلى أن "الإرث الذي خلفه التعاون بين الرئيس السابق ميشال عون وحزب الله أتاح للأخير نفوذا في المطار، تجلى في التعيينات وآلية سير العمل".

في ما يتعلق بالثغرات اللوجستية، انتقد ملاعب ضعف تقنيات المراقبة في المطار، مشيرا إلى أن "تطوير الأنظمة الأمنية يمكن أن يحد بشكل كبير من عمليات التهريب".

واتهم "بعض الموظفين الذين يعطلون الأجهزة بالتواطؤ لتسهيل مرور البضائع المهربة".

وعن التحديات الإدارية،يشدد على أن جهاز الجمارك يمثل "نقطة ضعف خطيرة"لأن "أي خلل في إدارة الجمارك يفتح الباب أمام عمليات التهريب، خاصة في ظل ضعف الإجراءات التقنية واللوجستية".

ويرى ملاعب أن هناك فجوة مالية صادمة في إيرادات المطار  إذ أن "قيمة الواردات اللبنانية في عام 2024 بلغت نحو 17 مليار دولار، بينما لم تتجاوز إيرادات الضرائب والجمارك 500 مليون دولار، رغم أنه كان من المفترض أن تصل إلى ملياري دولار".

يعتقد ملاعب أن "هذه الفجوة تكشف عن مافيات منظمة تستفيد من التهرب الضريبي بشكل ممنهج".

وفي سياق آخر، يشير ملاعب إلى أن إضرابات مراقبي الملاحة الجوية باتت تشكل تهديدا مباشرا لحركة الطيران وسلامة العمليات.

تحذير من التخريب

في تصريحات أدلى بها لقناة "الحرة" في مارس الماضي، شدد وزير الأشغال العامة والنقل في الحكومة اللبنانية، فايز رسامني، على أن حماية مطار رفيق الحريري الدولي تتصدر أولويات الحكومة، خاصة في ظل التحديات الأمنية الراهنة.

وأكد رسامني أن الحكومة اتخذت "كل الإجراءات الصارمة لضمان أمن المطار وسلامة المسافرين"، وأشار إلى أن الجهود الحالية تركز على تعزيز البنية التحتية الأمنية "بكل الإمكانيات المطلوبة".

وكشف الوزير عن خطة لاستبدال المعدات اليدوية في المطار بتقنيات حديثة لتعزيز الأمن، وقال إن المرافئ اللبنانية، بما فيها مرفأ بيروت، ستُزود قريباً بأجهزة ماسح ضوئي متقدمة. ولفت إلى أن هذه الأجهزة "لن تقتصر مهمتها على مكافحة التهريب، بل ستسهم أيضاً في زيادة إيرادات الدولة".

ومن المتوقع، وفقا للزغبي، "أن ينسحب النجاح في ضبط المطار على سائر المرافق البحرية والبرية ولاسيما مرفأ بيروت. كما أن الحدود مع سوريا هي موضع عناية مشتركة بين بيروت ودمشق تحت الرعاية الدولية، لكنها تحتاج إلى إجراءات أكثر صعوبة بسبب اتساعها والخروق المتعددة والمنتشرة عليها شرقاً وشمالاً. وتنتظر استكمال الاتفاقات المشتركة برعاية مباشرة من المملكة العربية السعودية التي جمعت الطرفين اللبناني والسوري في لقاءات تنسيقية مباشرة".

ويحذر الزغبي من أن حزب الله "قد يلجأ إلى محاولة تخريب هذه الإجراءات الجوية والبحرية والبرية كي يعيد إحياء مسالك التهريب التي كانت تدرّ عليه أموالاً هائلة، لكنه في الحقيقة بات مكشوفاً أمام الداخل والخارج وتراجعت قدرته كثيراً عسكرياً ولوجستياً، مع أنه لا يزال يسعى إلى تأمين سكك للتهريب عبر البر والبحر". 

ومع استمرار الرقابة المتشددة سيتكبد حزب الله مزيدا من الضعف والانكشاف. لكن العلاج التام للتهريب يتطلب كثيرا من الجهود الإضافية، لأن هذا التهريب قديم ومتجذر ولا يتم استئصاله بين ليلة وضحاها، يقول الزغبي.