509577 4

عمران سلمان/

يمكن القول إن الخاسر الأكبر مما وقع في عاصمة الجنوب العربي أو ما يعرف بجنوب اليمن، عدن (يوم السبت 10 أغسطس) ثم في أبين، ليس هو حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، فهذه الحكومة كانت في الأصل جثة هامدة منذ خروجه من صنعاء، وما جرى في الفترة الأخيرة هو ظهور بوادر تحللها وتفسخها فحسب، وإنما الخاسر الأكبر هو حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي تأسس في عام 1990 وضم إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين، زعامات قبلية واجتماعية وسلفية.

فهذا الحزب الذي تمكن من إقناع قوات التحالف العربي، وتحديدا السعودية، (رغم خلاف التحالف للإخوان المسلمين) بقدرته على مواجهة الحوثيين، صار في السنوات الماضية هو المهيمن على حكومة هادي، وكان يحاول أن يؤسس لنفسه وجودا تنظيميا وسياسيا وعسكريا في المشهد الجنوبي، رغم حالة العداء المستحكمة بينه وبين معظم الجنوبيين بسبب الحرب التي أعقبت الوحدة، كما سنأتي على ذكر ذلك.

تجربة الإخوان والزيدية

والواقع أن تجربة الإسلاميين، وخاصة في شقهم الإخواني والسلفي في اليمن غنية، ومتشعبة، وهي بحاجة إلى دراسة كاملة لا يتسع المجال هنا لعرضها، ولكن يمكن الإشارة إلى بعض التعقيدات التي تكتنفها، وخاصة العلاقات على المستوى الطائفي والسياسي. فاليمن من الناحية الطائفية ينقسم إلى قسمين رئيسيين. الزيدية (تنقسم بدورها إلى عدة فروع) هم في الأصل القبائل اليمنية القوية المتواجدة في المحافظات الشمالية المرتفعة مثل صعدة وعمران وصنعاء والمحويت وذمار وغيرها، ولهم وجود أقل في باقي المحافظات، والطائفة الثانية وهم السنة الشافعية ويتواجدون أساسا في السواحل والمناطق الحضرية مثل الحديدة وتعز، وإب والبيضاء وغيرها.

تحمل المجلس الانتقالي الجنوبي على مضض وجود حزب الإصلاح في حكومة هادي

​​والزيدية، وهي فرقة من فرق الشيعة كانت تعتبر حتى وقت قريب، الأقرب إلى السنة (قبل صعود جماعة الحوثي)، وكانت مهيمنة لعقود طويلة على الحكم في صنعاء. وبسبب التقارب الشديد بين الزيدية والسنة لم تعرف اليمن المشكلة الطائفية، فالأساس هناك في الغالب هو قبلي ومناطقي وليس طائفي.

فحكام صنعاء (وآخرهم علي عبد الله صالح)، كانوا طوال التاريخ الحديث من الزيدية، إلا أنهم لم يكونوا يمثلون طائفتهم في المنصب. بل في الكثير من الأحيان كانوا يتماهون مع الأغلبية السنية في محيطهم المحلي وفي المنطقة، بما في ذلك العلاقة الوطيدة مع السعودية.

وكان من اللافت السهولة التي تمت بها عملية تحول بعض الزيدية إلى المذهب السني وخاصة مع انتشار أفكار الإخوان المسلمين في اليمن خلال الستينيات والسبعينيات، ثم السلفية الوهابية خلال التسعينيات. فالكثير من مؤسسي وقيادات حزب التجمع اليمني للإصلاح (ذي الهوية السنية) هم من أصول زيدية، بما في ذلك أول رئيس للحزب الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ومرشده الروحي الشيخ عبد المجيد الزنداني.

وكانت العلاقات بين الأحزاب السياسية طوال الفترة التي سبقت عام 2011، هي علاقات تقوم على أساس المصالح السياسية والانتماءات القبلية ولم يكن للطائفية أي أثر فيها.

لذلك خاض نظام علي عبدالله صالح ستة حروب للقضاء على الحوثيين، وكلاهما من الزيدية، في حين تراوحت العلاقة بين تجمع الإصلاح والمؤتمر الشعبي بقيادة صالح ما بين التحالف والمعارضة، ثم الافتراق بعد أحداث عام 2011. أما الصراع ما بين تجمع الإصلاح والحوثيين، فرغم تمظهراته وتعرجاته السياسية الكثيرة، وازدياد حدته أخيرا، إلا أن له جانب متعلق أيضا بمحاولات الإخوان والسلفيين المبكرة لاختراق معاقل الزيدية التقليدية في الشمال، والعمل على إنشاء مراكز علمية ودينية فيها (بلدة دماج مثلا على ذلك)، الأمر الذي كان ينظر إليه على أنه محاولة لتحويل اليمنيين الزيود إلى المذهب السني، وبالتالي القضاء على الزيدية نفسها.

وقد ساهم ذلك، إضافة إلى التهميش الذي عانت منه تلك المناطق وغيرها من مناطق اليمن طوال سنوات على يد الحكومة المركزية في صنعاء، إلى السهولة النسبية لصعود الحوثيين الذين لم يجدوا مشقة كبيرة في حشد القبائل والعائلات الزيدية من حولهم.

وكان لافتا أن سيطرة الحوثيين على محافظات الشمال، رافقها تدمير ممنهج لمراكز تجمع الإصلاح والسلفيين ومدارسهم الدينية ومنشآتهم، بعد أن تم ضرب المكون العسكري والقبلي للإصلاح في المعارك التي سبقت استيلاء الحوثيين على صنعاء.

الجنوب وعقدة "الإصلاح"

في الجنوب العربي كان الأمر مختلفا. فسكانه غالبيتهم العظمى من السنة الشافعية، وذلك أغرى حزب الإصلاح بالعمل على تأسيس قواعد له في بعض المحافظات. والواقع أنه حقق بعض النجاح في ذلك، فنفوذه في تعز، وهي البوابة الشمالية للجنوب، مكنته من مد نفوذه وتأثيره إلى عدد من المحافظات، وخاصة أبين وشبوة وأجزاء من حضرموت.

غير أن مشكلة هذا الحزب أنه يواجه كراهية شديدة في الجنوب العربي، تعود إلى فترة الحرب بين الشمال والجنوب عام 1994 والتي تلت الوحدة. ففي ذلك الوقت لعب حزب الإصلاح رأس الحربة في إخضاع الجنوبيين لحكم صنعاء، حيث شارك عسكريا في اجتياح الجنوب مع علي عبد الله صالح، ضمن تحالف شارك فيه الأفغان العرب بقيادة طارق الفضلي، كما أصدر فتاواه الشهيرة بتكفير أهل الجنوب العربي واستحلال دمائهم وأملاكهم.

لذلك يصعب على أي حركة جنوبية (مهما كان توجهها) أن تقبل بوجود الإخوان المسلمين على أراضيها. وقد تحمل المجلس الانتقالي الجنوبي على مضض وجود حزب الإصلاح في حكومة هادي المنتهية صلاحيتها، لكن تغوله وسعيه لتعويض خسارته في اليمن بالسيطرة على الجنوب، دفع المجلس الانتقالي إلى التحرك العسكري واجتثاث وجوده في عدن وأبين.

السعودية والإخوان

الواقع أن حكومات دول الخليج ورغم احتضانها الطويل لجماعة الإخوان المسلمين وفروعها في المنطقة، إلا أن العلاقة بين الجانبين لم تخلُ من الشكوك والريبة، وأسباب ذلك تعود في جانب منها إلى الطبيعة التنظيمية للإخوان وولائهم المطلق للتنظيم الأم. فالمعروف أن دول الخليج كانت قد استقبلت أعدادا كبيرة من الإخوان ممن هربوا من القمع والملاحقة في مصر وسوريا، إلا أنها لم تتمكن من تحييدهم أو جذبهم ناحيتها، وكانت تجربة الغزو العراقي للكويت ووقوف الإخوان المسلمين مع صدام، أول جرس إنذار يقرع في العواصم الخليجية، أما الجرس الأقوى فكان علاقتهم بتيارات ما عرف بـ"الصحوة الإسلامية" في المنطقة، ثم لاحقا دورهم في مرحلة "الربيع العربي".

سيطرة الحوثيين على محافظات الشمال رافقها تدمير ممنهج لمراكز تجمع الإصلاح والسلفيين

​​وقد بلغ الضيق السعودي خلال تلك السنوات من الإخوان المسلمين حد أن ولي العهد السعودي الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز كان قد حذر منهم، قبل أكثر من عقد، في حديث مشهور لصحيفة السياسة الكويتية (نوفمبر، 2002)، حين قال إن "الإخوان يسعون لانتزاع الحكم والقيادة". وأضاف أنهم "سيسوا الإسلام لأهداف ذاتية والكثيرون منهم اعتمدوا نهجا يرتدي عباءة الدين لزعزعة الأمة وتفتيتها". مشيرا إلى أن بلاده تحملت منهم الكثير، فهم حسب قوله "سبب المشاكل في عالمنا العربي وربما في عالمنا الإسلامي".

ويروي الأمير نايف قصة حصلت مع غزو الكويت، قائلا: "عندما حصل غزو العراق للكويت جاءنا علماء كثيرون على رأسهم عبد الرحمن خليفة ومعهم الغنوشي ومعهم الترابي والزنداني ومعهم أربكان وآخرون أول ما وصلوا اجتمعوا بالملك وبولي العهد وقلنا لهم هل تقبلون بغزو دولة لدولة، هل الكويت تهدد العراق؟ قالوا: والله نحن أتينا فقط لنسمع ونأخذ الآراء، بعد ذلك وصلوا العراق ونفاجأ بهم يصدرون بيانا يؤيد الغزو العراقي للكويت. هل هذا ما يجب فعله، وهل هذا الموقف يرتضي به العقل؟ ما هو مبرر أن دولة تغزو دولة أخرى وتطرد شعبها من أرضه وبلده وتحاول قتل شرعيته؟".

اقرأ للكاتب أيضا: أردوغان وأطماعه في نفط سوريا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواجهة الإخوان المسلمين هدف معارك عدن B6F11177-93C4-447E-BA6F-7B58BA524706.jpg AFP مواجهة-الإخوان-المسلمين-هدف-معارك-عدن مقاتلون من المجلس الانتقالي الجنوبي في زنجبار 2019-08-23 13:50:18 1 2019-08-23 13:56:20 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".