الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

509612 4

مصطفى فحص/

قبل انتهاء ولايته الدستورية بخمس سنوات، تصاعدت حدة الجدل العلني وسط النخب السياسية والثقافية في موسكو عمن، أو كيف، ستُحكم روسيا بعد انتهاء ولاية فلاديمير بوتين الرئاسية الرابعة سنة 2024.

ومع انتهاء هذه الولاية يكون القيصر الجديد قد قضى قرابة 25 سنة في السلطة ـ منذ قرار الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن تعيين رجل الاستخبارات المغمور القادم من بطرسبورغ رئيسا للوزراء سنة 1999.

منذ ذلك الوقت، أسس بوتين لحكم الرجل الواحد، القائد للأمة والدولة، وتمكن من خلال فرضه لنظام الحكم العمودي احتواء جميع مراكز القوة وتطويعها وترسيخ حكمه المطلق بعد أن أعاد ترتيب موازين القوة وحولها إلى أدوات مكملة لسلطته وهي ما يعرف اليوم بثنائية "الأوليغارشية والسيلفيكي".

أعادت هذه الثنائية تعويم نظام الاستبداد الفردي الذي حكم روسيا قبل الثورة الشيوعية

​​أعادت هذه الثنائية تعويم نظام الاستبداد الفردي الذي حكم روسيا قبل الثورة الشيوعية والذي استمد شرعيته من مسوغات عقائدية جمعت ما بين أرثوذوكسية الهوية والحق الإلهي للقيصر في الحكم، وهي المعادلة التي دفع ثمن التمسك بها آخر القياصرة الروس نيكولاي الثاني بعد رفضه مراعاة التحولات الاجتماعية والثقافية في روسيا وتأثرها بالثورة الصناعية الكبرى وما شهدته أوروبا المجاورة من تحولات جوهرية في بنيتها الثقافية والدينية والسياسية.

ففي خطاب توليه السلطة سنة 1894 أكد القيصر الأخير أنه سيختار البقاء على نهج الملكية المطلقة، واعتبر أن الشعب انجرف وراء أحلام لا معنى لها في طلب المشاركة في شؤون الحكم وأعلن تمسكه، وفقا لنصائح الجناح الراديكالي اليميني في عائلة رومانوف المالكة، بحكم الفرد الذي يجمع كافة السلطات.

وبالرغم من صعوبة المقارنة ما بين الحالة الروسية ما قبل الشيوعية وما بعدها، إلا أن نظام الحكم الحالي يعتمد على أدوات الإنكار ذاتها ورفض قراءة التحولات الاجتماعية حتى البطيئة داخل روسيا؛ كذلك يفتقر إلى مسوغات عقائدية تحصن سلطته بالرغم من مشهد الدولة القوية والنزعة الإمبراطورية التي يمارسها الكرملين في الداخل والخارج، لكنها باتت غطاء لسلطة غير قادرة على إعادة إنتاج نفسها، وتواجه تهديدا حقيقيا في كيفية استمرارها بعد 2024 خصوصا مع تراجع ملحوظ في شعبية رأس الهرم الذي يقوم عليه الحاكم الحالي في روسيا فلاديمير بوتين.

فبحسب مركز ليفادا الروسي للدراسات فإن معدل الرفض لنظام بوتين ارتفع من 20% إلى 32% كنتيجة مباشرة على رفع سن التقاعد فقط.

أما فشل عملية الإصلاح الاقتصادي وخطط التنمية التي وضعها بوتين لتسريع الإصلاحات في عام 2008، والتي أطلق عليها تسمية "مفهوم التنمية الاجتماعية والاقتصادية الطويلة الأجل للاتحاد الروسي حتى عام 2020"، فوضع الكرملين، بوصفه صانع السياسية الوحيد في روسيا بموقع الاتهام والعجز في إدارة السلطة التي أصبح استقرارها السياسي مرتبطا بشخص واحد، بعد فشل الكرملين في إنتاج سلطة الحزب الواحد الحاكم على غرار التجربة السوفياتية، وتحول حزب روسيا الموحدة الذي يتزعمه بوتين إلى هيكلية بيروقراطية تفتقد إلى أيديولوجية جامعة تنحصر مهمتها في إدارة مفاصل الدولة والتحكم بالثروة.

سلطة الفرد المطلقة حالت دون ولادة وريث شرعي لها

​​يرفض الكرملين، بجناحيه العسكري والمالي قراءة المتغيرات، ويراهن على قراءة تقليدية للمجتمع الروسي ترى أن المجتمع يصعب عليه تبني أفكار وقيم غربية وليبرالية لم تكن يوما مكونا أساسيا في المجتمع الروسي، وانحصر تأثيرها على بعض الشرائح الثقافية المعزولة، في مجتمع يبحث دائما عن القائد المستند إلى أيديولوجية تحقق وحدة الأمة والجغرافيا.

وبات من الواضح أن سلطة الفرد المطلقة حالت دون ولادة وريث شرعي لها، يحفظ توازناتها ويؤمن استمرارها، لذلك من غير المستبعد أن يلجأ الكرملين إلى إبقاء بوتين في السلطة ما بعد 2024 تجنبا لتغيير مؤسساتي قد يتسبب بفوضى كارثية في مرحلة ما بعد البوتينية المصابة بالعقم السياسي.

اقرأ للقراء للكاتب: روسيا بين رهاب الخارج وتعقيدات الداخل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

روسيا في قبضة البوتينية 4E188546-696C-42E6-B396-B30770F805CF.jpg AFP روسيا-في-قبضة-البوتينية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين 2019-08-24 01:33:18 1 2019-08-23 18:25:20 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.