الرئيس الليناني ميشال عون
الرئيس الليناني ميشال عون

510410 4

فارس خشّان/

النص

"نحن مستعدون أن نجوع لكن أن نبقى أعزّاء".

القائل

الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله.

المناسبة

خطاب ألقاه، بعيد قتل غارة إسرائيلية، لمقاتلين في "الحزب" في سوريا، واقتحام "درونز" للضاحية الجنوبية في عملية منسوبة إلى إسرائيل.

الجوع

ينشط لبنان، على كل المستويات، في مواجهة خطر داهم يتربص به: الانهيار المالي.

ويروّج كبار المسؤولين يتقدمهم رئيس الجمهورية ميشال عون لـ "إجراءات مؤلمة" تهدف للإنقاذ، لأنه من دونها فإن الانهيار حاصل لا محالة، وفق الأدبيات اللبنانية الرسمية.

ودعا عون إلى اجتماع سياسي كبير يعقد، الاثنين المقبل في القصر الجمهوري في بعبدا، يضم رؤساء كتل نيابية ورؤساء أحزاب وفاعليات اقتصادية، من أجل توفير "حصانة سياسية" لـ "الإجراءات المؤلمة".

"حزب الله" ابتدع معادلة خطرة للغاية، بحيث يهدف إلى حماية مقاتليه في سوريا انطلاقا من لبنان

​​إلا أنه في خضم التحضير لمواصلة الخطوات الموصوفة بالعاجلة والإنقاذية ـ وهي كانت بدأت بالإجراءات التي تضمنتها موازنة العام 2019 ـ عاد الصراع بين "حزب الله" من جهة أولى وإسرائيل من جهة ثانية، إلى الحماوة على خلفية ما تعتبره تل أبيب، الأدوار التي يقوم بها الحزب لمصلحة "الحرس الثوري الإيراني" في كل من لبنان وسوريا والعراق، وعلى خلفية ما يعتبره الحزب الحق في الدفاع عن النفس والرد على الاعتداءات التي يتعرض لها في كل من لبنان وسوريا، لإعادة الاعتبار إلى "قواعد الاشتباك" القائمة بين الطرفين منذ انتهاء حرب يوليو 2006.

وكان واضحا أن نصرالله في خطاب "رأس العين" (بلدة في البقاع اللبناني) قدّم المواجهة مع إسرائيل على المواجهة مع الانهيار المالي وعلى الكارثة الاقتصادية المحققة، معلنا فيما يعتبر إدراكا لتداعيات تحمية المواجهة في ظل هذا الواقع اللبناني المأزوم، القبول بالجوع.

من سوف يجوع؟

ليس نصرالله، بطبيعة الحال، وليس جمهور "حزب الله" فقط، بل جميع اللبنانيين الذين أقحموا في هذه المواجهة الجديدة.

واستعداد نصرالله لتجويع اللبنانيين، في مقابل "أن نبقى أعزاء"، ليس خطأ بالمطلق ولا فضيلة بالمطلق، بل إن الفصل في مدى الحاجة إلى هذه التضحية العظيمة المفروضة على الشعب اللبناني، أي الجوع، يقتضي النقاش في ضروريتها.

وفي هذا السياق، من الواضح أن اللبنانيين، بالاستناد إلى "الإجراءات الموجعة" التي يقترحها المسؤولون ليسوا مستعدين للجوع الذي لا يأبه نصرالله به، بل هم يتطلعون إلى عكس ذلك تماما.

والحكمة تقتضي ممّن يستدعي شعبه إلى "إجراءات موجعة" أن يستدعي، بادئ ذي بدء، جميع شركائه في السلطة، و"حزب الله" أبرز هؤلاء الشركاء ـ حتى لا نقول، تهذيبا، بأنه مهندس السلطة الحالية وصانعها ـ إلى القبول بمثل هذه الإجراءات، بحيث يمتنع، بالحد الأدنى، عن إطلاق مواقف "انتحارية" لها تداعيات كارثية على العملية الإنقاذية، كالحديث عن الجوع مقابل العزة. فهذا النوع من الكلام، بغض النظر عن الإجراءات التي سترافقه، سيفاقم النظرة السلبية للأسواق إلى لبنان، على اعتبار أن فيه فريقا يتمتع بقوة داخلية حاسمة يعتمد نهجا انتحاريا، أي أنه في اللحظة التي تناسبه، هو مستعد لتفجير البلد، وإقحامه في النيران الإقليمية.

في واقع الحال، إن نصرالله، في خطاب "الاستعداد للجوع"، لم يصعّد موقف المواجهة مع إسرائيل، على قاعدة "اختراق الدرونز" للضاحية الجنوبية، بل على قاعدة مقتل مقاتلين للحزب في سوريا، في غارة إسرائيلية على مواقع في بلدة عقربا.

ففي خصوص الـ "درونز" قال بالتصدي لها، وفي هذا حاز على إجماع رسمي لبناني، على اعتبار أن هذا خرق إسرائيلي للسيادة اللبنانية، ولا يستطيع أي مسؤول، لأي اعتبار، إلا أن يقف متصديا له.

وقد بدأ الجيش اللبناني في تولّي مهمة التصدي هذه، بالحد الممكن، وسط حركة اتصالات دولية وإقليمية، قادها رئيس الحكومة سعد الحريري من أجل وضع حد لهذه الخروق السيادية، فيما تعمل الأجهزة الأمنية من أجل معرفة تفاصيل عن تشغيل وتوجيه "درونز الضاحية" من داخل لبنان.

لبنان في النيران السورية

وهذا يعني أن الشق السيادي اللبناني من مسألة تصعيد نصرالله "محلول"، ليبقى الجزء المعقد لبنانيا، وهو استيراد النيران السورية إلى لبنان، ذلك أن "حزب الله" ابتدع معادلة خطرة للغاية، بحيث يهدف إلى حماية مقاتليه في سوريا انطلاقا من لبنان.

وبالنسبة لغالبية اللبنانيين، فإن "حزب الله" يقاتل في سوريا كجزء من الأذرع الإيرانية، وتاليا فأهدافه فيها تتناقض مع التعهدات الرسمية بالنأي بالنفس، مما يعني أن اللبنانيين مدعوون إلى الجوع من أجل الأجندة الإيرانية، وليس من أجل الدفاع عن سيادتهم الوطنية.

ومن يدقق بخطاب رأس العين الأخير يمكن أن يربطه فورا بخطاب سابق لنصرالله حيث كان قد أعلن أن الرد على العمليات الإسرائيلية في سوريا ليس من صلاحيته لأن قائد المعركة فيها هو بشار الأسد، ولكن في حال تعرض مقاتليه لهجوم إسرائيلي في سوريا فهو سوف يرد من لبنان، أي أنه نصّب نفسه قائدا للبنان معلنا بذلك قيام جبهة فيه موصولة بالجبهة السورية.

اللبنانيون ليسوا مستعدين للجوع الذي لا يأبه نصرالله به

​​إذن، هنا كلمة الفصل في موضوع جر اللبنانيين إلى الجوع...

وهذا ما يطرح التحدي الكبير على المسؤولين اللبنانيين يتقدمهم رئيس الجمهورية، إذ كيف يمكن أن يسمحوا لـ "حزب الله" أن يربط مصير لبنان بالأزمة السورية، وهم يزعمون السعي إلى إنقاذ لبنان، ماليا واقتصاديا؟

يمكن لهؤلاء أن يدققوا بما حصل فعلا في الأيام الأولى التي أعقبت "خطاب الجوع" ليدركوا، من خلال "شلل القلق" الذي سيطر على البلاد والعباد، أن الكلفة الأخطر على مالية لبنان واقتصاده هي في السماح بإبقاء القرار الحقيقي على خط الضاحية ـ طهران.

في التعاطي الوطني مع أي حدث جلل له تداعيات خطرة على الشعب والكيان، لا حكمة في دفعك إلى الاختيار بين الأسود والأبيض، بين الشر والخير وبين العدو والصديق، بل هناك مروحة خيارات لا بد من اعتمادها، بحيث لا يتحول المرء إلى عدو نفسه، فيجد أنه في ظل شعارات جميلة تستر أجندات خارجية قبيحة، يجلب الدمار والانهيار والإفلاس واللوائح السوداء و...الجوع.

اقرأ للكاتب أيضا: 14 آذار والعودة إلى الحياة اللبنانية!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"خيار" الجوع في لبنان: السيادة و... سوريا! 45A3D361-76C8-4373-B6BA-5D772F220B46.jpg Reuters خيار-الجوع-في-لبنان-السيادة-سوريا الرئيس الليناني ميشال عون 2019-08-30 13:36:22 1 2019-08-30 13:50:53 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟