510428 4

كوليت بهنا/

إلى زمن قريب، كانت أخبار ألمانيا الشرقية وما يحدث فيها من قمع وكم للأفواه، أو كيف يلتقط الهاربون منها عبر جدار برلين، أو ماذا يكتب مبدعوها عن أحوالهم والرسائل التي يضمونها داخل أفلاهم أو موسيقاهم أو لوحاتهم، تصل إلى العالم بشكل متواصل وأكثر من أخبار جارتها وشقيقتها ألمانيا الغربية الهادئة والمستقرة التي يعيش أفرادها بحرية وديمقراطية.

تتشابه الكوريتان اليوم بحال الألمانيتين سابقا، إذ تحتل أخبار كوريا الشمالية وشطحات زعيمها صدارة الأخبار العالمية يوميا، بحيث بدت دولة ذات شهرة واسعة أكثر من جارتها وشقيقتها الجنوبية، اللطيفة والذكية والتي تتمتع باستقرار سياسي وديمقراطية واقتصاد حر يعتبر رابع أكبر قوة في آسيا جنبا إلى جنب مع نمور آسيا (سنغافورة وتايوان وهونغ كونغ).

عند هذا التقاطع الطبقي المباشر، تتكشف الحقائق التي ترافق الشخصيات كمصائر لا فكاك منها

​​هذه الصورة المثالية التي نعرفها عن كوريا الجنوبية وعن منتجاتها ذات الثقة العالمية الكبيرة، والتي جعلت العالم يثق بدوره إلى اطمئنان ورخاء شعبها، ستبدو مختلفة قليلا مع الفيلم "الطفيلي" (PARASITE 2019) لمخرجه بونغ جون هو (BONG JOON HO) الفائز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان الدولي في دورته 72 الأخيرة، والمقرر عرضه في صالات السينما الأميركية في الحادي عشر من نوفمبر القادم.

في "الطفيلي"، يهبط المخرج إلى عمق قاع مدينته ذات الطبيعة الجبلية والماطرة، كاشفا عن الأحياء المكتظة غير المرئية للسائحين التي تتشاركها شرائح مختلفة من الفقراء والعاطلين عن العمل، من خلال قصة أسرة مؤلفة من أم وأب وابن وابنة شابين، يتطفلون على إنترنيت الجيران ويتشاركون الحياة في قبو غير صالح للاستخدام البشري مع الحشرات الطفيلية، وتكشف نافذته الأفقية التي تشبه شاشة سينمائية أو منصة مسرحية عوالم بؤس الحي الفقير الخارجية، وما تأتي به هذه النافذة ـ الشاشة من كوارث تقع فوق رأس قاطني القبو (مخلفات السكارى البيولوجية ودخان إبادة الحشرات والسيول الجارفة).

حياة مربكة ونقود قليلة بالكاد تكفي قوت العائلة اليومي، رغم ذلك، يبدون أفراد أسرة مفعمين بحب الحياة والذكاء والطموح، تجمعهم لحمة عائلية قوية، ستكون واحدة من أجمل رسائل الفيلم النبيلة التي سيركز المخرج على أهمية تعزيزها في الحياة العسيرة المعاصرة، التي تتفكك بها الأسر في بلاده وباقي بلدان العالم لأسباب عدة أبرزها الفقر.

تبدأ القصة بهدية يحملها صديق الابن، وهي قطعة حجرية يخبره أن جده أرسلها له لأنها تجلب الحظ، هذه القطعة الحجرية التي تبدو مثل مجسم صغير لجبل شاهق، والمسحوبة من قاع نهر كوري، ستجلب الحظ للابن حقا، وستجثم فوق صدره وتلتصق به بشدة قبل أن تعاد لاحقا إلى مكانها الطبيعي، وهي رسالة الأرض ـ الأم التي اختارها المخرج كوسيلة لتعزيز معنى الأصول الوحيدة التي تجلب الرزق والخيرات لأبنائها إن أدركوا معناها وقيمتها وكيف يقفون فوقها وكيف يدارونها.

ضربة الحظ التي يأتي بها الحجر، ستتمثل بفرصة عمل حقيقية وذهبية يحصل عليها الابن كمدرّس خاص للغة الإنكليزية لابنة أحد كبار أثرياء البلاد، الذي يعيش مع زوجته وابنته وابنه الصغير، في منزل خيالي صممه نامقونغ، أهم مهندس عمارة كوري ليبدو مثل تحفة معمارية، يمنح مفهوم الفراغ فيه دلالاته النفسية في الفيلم، ويعتمد بدوره على هيمنة النوافذ الكبيرة ذات البعد الأفقي ـ السينمائي والمسرحي الذي يكشف عوالم البيئة الخارجية الطبيعية والأصيلة للبلاد.

بدخول الابن إلى مملكة الأثرياء الخيالية، ومن ثم استخدامه للحيلة لاستجرار باقي أفراد عائلته للعمل داخل المنزل (الأب سائق والأخت معالجة نفسية للطفل والأم مدبرة منزل)، سيتحول هذا الدخول إلى نقلة مصيرية تغير قدريّ العائلتين معا، العائلة المالكة للمنزل التي حققت ثراءها الفاحش عن طريق العمل المشروع في مجال الإلكترونيات، والتي يعاني أفرادها من فراغ نفسي وعاطفي وهواجس مختلفة، والعائلة الطفيلية الفقيرة لكن السعيدة التي ستمنح المنزل بعض الحيوية والمرح المفتقدين فيه.

عند هذا التقاطع الطبقي المباشر، تتكشف الحقائق التي ترافق الشخصيات كمصائر لا فكاك منها، مثل رائحة الأسرة العاملة الفقيرة الملتصقة بأجساد أصحابها وتشبه رائحة (الفجل المعفن)، وتتكشف خديعة الاطمئنان الواهي عن الأمان الذي يظن أصحاب المنزل الثري والمحصن مثل قلعة أنهم يعيشون في كنفه إلى الأبد، مع اكتشاف وجود طفيلي آخر يعيش مع زوجته في قبو سري للمنزل، صممه معماري المنزل دون أن يفصح عن وجوده عند البيع، كملاذ آمن أو كملجأ مجهز بكل ما يلزم للحياة، ويستخدم في حالة هجوم صاروخي محتمل من قبل كوريا الشمالية، الشقيقة، والعدو، والهاجس المنغص الدائم لاستقرار كوريا الجنوبية وأمان مواطنيها.

حرب الشمال لن تشن على الجنوب في الفيلم، بل ستتخذ الحرب شكلا عنيفا من أجل البقاء بين الطفيليين أنفسهم، الأسرة الوافدة الجديدة التي تذوقت طعم الرفاهية لن تتخلى عن مواقعها بهذه السهولة، شأنها شأن الأسرة القديمة التي عاشت في القبو منذ زمن طويل وباتت مثل شبح المنزل، وسيلتهم الطفيليون بعضهم بعضا، ومن ثم يلتهمون استقرار المنزل وأفراده معا في نهاية دموية حزينة ومفتوحة، ستبدو مثل صفعة مدوية تقطع بشكل صادم أجواء الكوميديا السوداء التي هيمنت على روح الفيلم لفترة طويلة.

"الطفيلي" مرشح لنيل جائزة أفضل فيلم أجنبي في حفل الأوسكار القادم، هل سينتزعها؟

​​يقدم المخرج جميع شخصياته ومصائرها كما هي، دون إدانات أو تبريرات، أشبه بنوافذه الأفقية السينمائية العريضة المكشوفة بوضوح، تاركا للمشاهد متعة الاكتشاف والتحليل بنفسه، ويمكن إضافة متعة التماهي مع شخصيات الفيلم وقصصهم، والتي لن تبدو غريبة على العدد الأكبر من فقراء العالم وطفيلييه وأثريائه، وهو ما منح الفيلم بعده العالمي الآسر وشديد التأثير.

وحدها "الجوارب" ستنجو في هذا الفيلم، والتي ستظهر بداية الفيلم معلقة ومتدلية مثل ثريا من سقف البيت الفقير، وتنجو خلال السيل الذي يجتاح المنزل، وستظل تتأرجح فوق رأس الابن مع نهاية الفيلم. "الجوارب" بدلالتها كواحدة من أهم صناعات وصادرات كوريا الجنوبية، وواحدة من أهم رموز ثقافتها الاجتماعية، حيث يقتضي العرف الاجتماعي المتوارث والمتحدر من ثقافتي البوذية والكونفوشوسية الآسيويتين، خلع الأحذية خارج فناء المنزل والدخول بالجوارب من أجل الحفاظ على طهارتها وعدم تدنيسها بطفيليات الخارج.

"الطفيلي" مرشح لنيل جائزة أفضل فيلم أجنبي في حفل الأوسكار القادم، هل سينتزعها؟ سننتظر بشوق مع كل الأمنيات الطيبة.

اقرأ للكاتبة أيضا: "قصتي".. يا أرض الأحلام

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"حرب الطفيليات" على طريقة كوريا الجنوبية 40BB125F-528E-40C5-A322-402AA62ABA85.jpg AFP حرب-الطفيليات-على-طريقة-كوريا-الجنوبية مخرج فيلم "الطفيلي" بعد فوزه بالسعفة الذهبية 2019-08-31 00:23:38 1 2019-08-30 16:38:41 0

Moroccan volunteers of local organisation National Institute for Solidarity with Women in Distress prepare food donations to be…

في فترات الأزمات، تظهر معادن الناس الحقيقية.

شعار نكرره جميعا... لكن، اليوم، ونحن نعيش أزمة صحية عالمية، تظهر فعلا أمامنا عينات مختلفة من الناس.

هناك عينات تسعى لمساعدة من حولها بإمدادهم بالأخبار الصحيحة، أو عبر مساعدات مادية أو عينية لهؤلاء الذين فقدوا مصدر دخلهم بسبب المرض، وعبر مختلف أشكال التضامن المادي والمعنوي والنفسي.

ثم هناك عينات تسعى لاستغلال الأزمة لصالحها، كقطاع التعليم الخصوصي والمصحات الخاصة في المغرب أو ممثلي بعض المهن الحرة (كالمهندسين)، الذين طلبوا بدورهم الاستفادة من الدعم المادي الذي تقدمه الدولة لقطاعات اقتصادية وفئات اجتماعية مهددة.

هناك عينة من الناس تعتبر أن الوباء أصابنا بسبب الفساد والانحلال

هناك أيضا عينة من الناس ترى في كل شيء عقابا من الله: رجال دين مسلمون رأوا في كورونا عقابا من الله، قبل أن يصاب أحدهم، هو نفسه، بكورونا. وزير إسرائيلي متدين اعتبر أن كورونا لا يصيب إلا المثليين، قبل أن يصاب به هو نفسه! رجال دين مسيحيون اعتبروا أن المجيء للقداس يحمي المتدينين من الإصابة بالعدوى، قبل أن تتحول بعض التجمعات الكنسية إلى أحد أهم أسباب انتشار العدوى... وغيرها من أشكال التأويل الديني للمصائب: الله يعاقبنا بالفيروسات والأمراض والفياضانات. الفيروسات جند من جنود الله (وماذا حين تصيب المتدينين؟). الوضوء يحمي من الإصابة (وماذا عن التيمم؟). الرسول أمر بالحجر الصحي (وكأن الرسول طبيب... علما أن عددا من الثقافات قبل وبعد الإسلام كانت قد تطورت معرفتها تدريجيا ببعض الأمراض وكانت تقوم بالعزل في حالة انتشار الأمراض المعدية). زيارة الكنيسة وممارسة كل طقوس التعبد تحمي من الإصابة بكورونا (علما أن الشرب من نفس الإناء من طرف عشرات المتدينين في نفس القداس هو أسرع وسيلة لنقل العدوى)... وغيرها من أشكال خلط الدين بالصحة والأوبئة.

هناك عينة أخرى (تقترب من العينة أعلاه) تعتبر أن الوباء أصابنا بسبب الفساد والانحلال، وأننا نحتاج للقرآن أكثر من حاجتنا للفن. لماذا لا تقرأ القرآن وتترك غيرك يسمع لفيروز أو بتهوفن أو ناس الغيوان، حسب هواه؟ ثم، لو كانت قراءة القرآن تحمي المؤمنين من المصائب، كيف مات عدد من الصحابة والتابعين بسبب الأمراض أو بسبب التقتيل بين المسلمين في معارك متعددة، وهم "السلف الصالح"؟ لماذا لم يحمِهم القرآن؟

هناك عينة أخرى من الناس، تحديدا في المغرب، يبدو لك أنها ترفض أن تعترف بأن هناك، على العموم، تدبيرا جيدا للأزمة الصحية التي يعيشها العالم. وكأنها تتمنى أن يتم تدبير الأزمة الصحية بشكل سيء حتى تتمكن من التشفي ونشر هاشتاغات "لك الله يا وطني".

عموما، دبر المغرب بشكل جيد أزمة كورونا، إذ كان من أوائل البلدان التي أقفلت الحدود وقامت بعدد من الإجراءات الوقائية والصحية والاقتصادية (فرض العزل المنزلي وإجراءات التباعد الاجتماعي مع ظهور الحالات الأولى، إغلاق جميع الفضاءات العامة من مقاهي وحمامات ومساجد وغيرها، توفير صندوق مالي مهم خاص بتدبير الجائحة، فرض الكمامات مع إنتاجها بشكل واسع ودعمها اقتصاديا لتكون في متناول الجميع بسعر 70 سنتيم يورو، دعم الأسر الفقيرة ماديا، تقديم تسهيلات للمقاولات التي تضررت بسبب الأزمة، نشر حملات واسعة للتوعية، تطوير البنيات الصحية ودعمها بمختلف الوسائل، وغيرها من الإجراءات).

اليوم، يفترض أننا جميعا أمام هدف واحد: الخروج من هذه الأزمة الصحية بأقل الأضرار الإنسانية

إلى غاية اليوم، الوضع تحت السيطرة إلى حد كبير وإن كان لا أحد (في المغرب وفي العالم) يعرف كيف ستتطور الأمور. لكن هناك عينة من مواطنينا يبدو أنها تبحث عن أشكال الخلل مهما كانت صغيرة (أو وهمية) لكي تثبت أن الدولة لا تقوم بواجبها. بل حتى وكأن البعض يتمنى بشكل أو بآخر انفجار عدد الإصابات والموتى لكي تصح نظريته.

أي نعم، الوضع صعب وهناك بعض أشكال الخلل. لكن بشكل عام، ومع كل ما يمكن قوله حول ضعف بنيات الصحة في المغرب (وهذه قضية إشكالية أساسية علينا أن نعود لها بعد انتهاء هذه الأزمة)؛ إلا أن التدبير العام إلى غاية هذه اللحظة يتم بشكل استباقي جيد، خصوصا مقارنة مع دول متقدمة كفرنسا أو إسبانيا أو الولايات المتحدة الأميركية.

في العموم وخارج أزمة كورونا، هناك الكثير مما يمكن انتقاده في بلداننا على مستوى التدبير... لكن، اليوم، يفترض أننا جميعا أمام هدف واحد: الخروج من هذه الأزمة الصحية بأقل الأضرار الإنسانية. هناك أشخاص مصابون وآخرون فقدوا أو سيفقدون حياتهم. هناك الآلاف ممن سيتضررون اقتصاديا من هذه الأزمة. نحتاج لتظافر الجهود لتجاوز الكارثة... لا لتقريع بعضنا البعض بسبب أمور ليس هذا وقتها بتاتا.

فلنكن بخير... جميعنا!