يزور قبور أقرابه في إدلب في أول أيام عيد الفطر في يونيو 2019
يزور قبور أقرابه في إدلب في أول أيام عيد الفطر في يونيو 2019

510438 4

منى فياض/

تعرفون كيف يكون الحلم. تكون في مكان، يتحول إلى آخر، تصبح أسيرا فيه دون أن تفهم لماذا وكيف لا تفتح الأبواب أو لماذا تختفي الأبواب وتصبح نفقا متعرجا لا يحمل على الطمأنينة أو هوّة تظل تسقط فيها. يطغى فجأة شعور بالذعر كما لو أن الأمر حقيقيا، كما لو أنك تخضع لإرادات سحر غامض، سادي وشرير.

لكن هذا الرعب لا يدوم في الحلم سوى ثوان معدودة. فحتى أكثر الأحلام "واقعية" تحمل في طياتها مسحة خفيفة من التفاوت والتنافر. أو أن شيئا ما، يشبه غلالة غرائبية، ينبهك إلى أن هذا ليس سوى فبركات خيالك.

المشكلة هي عندما تعطيك حياتك الواقعية هذا الإحساس؛ مع صعوبة في توقع أية مخارج أو انفراجات. هذا ما يترك لك طعما مرا بنكهة النهايات، نهاية حقبة تحوم حول عالمنا، إذا لم نقل نهاية العالم نفسه. تحفر الأحداث الجارية مقبرة للمستقبل، المجمع من بعض البقايا العائمة على سطح بسيطتنا المشبعة بالمواد البلاستيكية.

يؤكد أمين معلوف أن انطفاء أنوار المشرق عممّت عتمته على سائر الكرة الأرضية

​​في قبضة عقود من الهروب إلى الأمام، نواجه المحتوم الممسك بتلابيبنا والذي لا مفر منه. رئة العالم تحترق أو تحرق. بؤس مليارات البشر الذين استغلتهم الدول الغنية عاد ليصفعها على شكل هجرة ولجوء وإرهاب. ناهيك عن المجاعات المنتظرة جراء التغيرات المناخية.

اقتصاد السوق المعولم والسيبراني يحفر عميقا في بئر اللامساواة وفي التباعد سواء بين الأفراد أو بين الدول. يتحول الاقتصاد العالمي إلى شأن يخص حفنة من المتمولين وإلى صناديق استثمار، تدوسنا تحت أقدامها.

مع ذلك، نقبل الوضع ونسكت عنه. بانتفاضات أو من دونها، بسترات صفراء أو دون لون.. من دون أن نضع موضع تساؤل "السيستم" الذي أوصلنا إلى هذه الفوضى التي تعم الطبيعة والمجتمعات والعالم. يقبل ملايين ومليارات البشر مصائرهم وهم إما غافلون أو متفرجون.

والأشد غفلة بين سكان كرتنا الزرقاء المغلفة بغمامة مثقوبة هم العرب. أي جردة حساب سوف نجدهم في قعر المؤشرات الجيدة وفي طليعة المؤشرات السيئة. في عالم رقمي سيبراني لا نزال ننتج ملايين الأميين والمعوقين عن المعرفة جراء العنف والعجز عن التطور والتنمية.

ينعى أمين معلوف في كتابه "غرق الحضارات"، الصادر حديثا، منذ أول صفحة الحضارة المحتضرة التي ولد فيها. مودعا الزمن الذي كان يشعر فيه البشر أنهم زائلون في عالم أزلي، يعيشون ببديهية على أرض أجدادهم ويزاولون أعمالهم وعلومهم وطقوسهم ذاتها. الآن تتغير حياتنا في قفزات نعجز عن التوقف لمراجعتها وتتحول الإنسانية تحت أبصارنا ونعيش مغامرة لا نعرف إلى أي مصائر ستقودنا.

المشرق، الذي ازدهرت حواضره من الإسكندرية حتى بيروت ومن طرابلس وحلب وبغداد إلى القسطنطينية؛ مجموعة الأمكنة التي تلاقت فيها الحضارات الشرقية القديمة مع الحضارات الغربية حديثة العهد؛ والذي كان يمكن أن ينتج عنه مستقبل مختلف وأكثر إشراقا للبشرية. حصل فيه العكس للأسف.

انتهى التعايش الذي استمر بين مختلف الأديان والثقافات والشعوب التي استمرت تتقاسم الحياة بانسجام ووئام لأزمنة عرفت فيها الرفاه والتطور.

لم يعد أحد ينتظر أن يتمرد "محكومو الأرض". وهو أمر مرعب فيما لو حصل

​​يؤكد أمين معلوف أن انطفاء أنوار المشرق عممّت عتمته على سائر الكرة الأرضية. كان جمال عبد الناصر آخر مردة العالم العربي ويمكن القول حظه الأخير للنهوض. لكنه أخطأ تماما فيما يتعلق بالأسئلة الجوهرية، فلم يترك خلفه سوى المرارة واللوم والخيبة. قضى على التعدد من أجل أن يرسي قواعد الحزب الواحد وكمم الصحافة التي كانت مزدهرة في النظام القديم واعتمد على الأجهزة السرية لإسكات المعارضين؛ أما إدارته البيروقراطية للاقتصاد المصري، فكانت غير مجدية ومفلسة. أما ديماغوجيته الوطنية فقادته إلى الهاوية وجرّت خلفه العالم العربي بأكمله.

ورث لبنان دور قاهرة ما قبل عبد الناصر، فغدا صحيفة العرب وملجأ المضطهدين وجنة الحريات ومركز أهم الجامعات وبلد الانفتاح على الغرب والعالم؛ الأمر الذي كان يمكن أن يؤهله لينتشل المشرق والعالم العربي من الهوة التي يغرق بها. لكنه عجز عن استكمال ما بدأه فؤاد شهاب وانحدر إلى هاوية العنف والتعصب واليأس والتقهقر، فاقدا الثقة بنفسه ولأي رؤيا مستقبلية.

سبق أن تنبأ البعض أن صراع الحضارات سيختتم نهاية القرن العشرين وخصوصا صراع الأديان. صح الافتراض للأسف، لكن ما تبين خطأه افتراض أن اصطدام الثقافات هذا سيدعم تماسكها الداخلي. يحصل العكس تماما. إذ تعاني الإنسانية حاليا من الميل إلى الانقسام والتجزئة والتفتيت. وأفضل مثال وأوضحه العالم العربي الذي يبدو أنه أخذ على عاتقه تضخيم مساوئ الحقبة الحالية إلى أقصى حدود العبث.

وإذا كانت الكراهية لا تتوقف عن التعاظم بينه وبين سائر قاطني الكوكب، نجد أن أسوأ التمزقات والنزاعات الدموية تنخر داخله وتغطي معظم أنحائه من المحيط إلى الخليج...

لا شك أن التحلل والتفكك في هذه المنطقة بلغا حد التطرف، لكن سائر أنحاء الكرة يتجه أيضا للانخراط في الميول التجزيئية والقبلية نفسها. بدءا من الولايات المتحدة، التي بات يميل البعض إلى تسميتها بالولايات غير المتحدة مرورا بالاتحاد الاوروبي الذي زعزعه البريكسيت البريطاني.. وتطال بلدانا موحدة منذ قرون كإسبانيا والاتحاد الروسي وبلدان أوروبا الشرقية التي كانت قبل سقوط حائط برلين 9 دول وأصبحت الآن 29.

لا شك أن هذه التجزئة ليس لها تفسير وحيد وبسيط؛ مع ذلك وبغض النظر عن الخصوصيات المحلية يمكن أن يكون ذلك تعبيرا عما يسميه إدغار موران "روح العصر". ففي كل مجتمع على حدة، وعلى مستوى البشرية، تتغلب عوامل التفرقة على عوامل لمّ الشمل. وكأن العالم طفح بالإسمنت المغشوش فخسر دوره اللاصق. وما يزيد الوضع سوءا أن الانتماء الديني، الذي من المفترض أنه عامل جمع، أصبح هو أيضا عامل تفرقة.

إنه عالم فاقد بوصلة القيم الأخلاقية. عالم يعيش تفسخ النسيج الاجتماعي في بلدانه بمجملها

​​كأن الذهنية التي تدير العالم تعود إلى إنكلترا القرن الثامن عشر والتي تفترض أن على كل شخص أن يعمل حسب مصالحه الخاصة، وحاصل مجموع هذه الأنانيات سيكون لصالح المجتمع ككل؛ بافتراض وجود "يد خفية" إلهية تتدخل كي تضفي الانسجام على مجمل الأفعال!

هناك حذر ونقص في الثقة في كل من يتنبأ بالكوارث الشاملة ويطالب بمواجهتها. تشكيك بالتحذيرات من التغير المناخي وما سينتج عنه، غير مبالين بدخان حرائق سيبيريا والأمازون، كما طلائع مشكلة اللجوء الكونية التي تنتج، باضطراد، عن الكوارث الطبيعية المتفاقمة. ناهيك عن تشريع التفاوتات مهما تعاظمت والقبول بالتسريح العشوائي والبطالة الناتجة، دون رفة جفن.

هذا ما تغير ويطبع العالم اليوم. نراقب من الآن وصاعدا تراكم الثروات والغنى الفاحش واستعراضهما بإعجاب بدل الإدانة. لم يعد أحد ينتظر أن يتمرد "محكومو الأرض". وهو أمر مرعب فيما لو حصل وقد يمسح كل شيء.

إنه عالم فاقد بوصلة القيم الأخلاقية. عالم يعيش تفسخ النسيج الاجتماعي في بلدانه بمجملها.

اقرأ للكاتبة أيضا: جرائم "الشرف" والجرائم الجماعية: قراءة غربية مختلفة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مانيفستو التأملات في أوضاع الكوكب الكابوسية 37760F49-3DA1-48B4-81AE-829D5542CCD6.jpg AFP مانيفستو-التأملات-في-أوضاع-الكوكب-الكابوسية يزور قبور أقرابه في إدلب في أول أيام عيد الفطر في يونيو 2019 2019-09-01 01:39:56 1 2019-08-30 17:58:39 0

عقيل عباس

كان العراق يأمل في اغتنام قمة بغداد العربية لإعلان عودته كلاعب مؤثر على المسرح الإقليمي، لكن الحدث انتهى بنكسة دبلوماسية، على ما يبدو، كشفت عن انقسامات داخلية عميقة.

في هذه المقابلة، يوضح الخبير السياسي، الكاتب، الدكتور عقيل عباس، أن فشل القمة لا يرتبط بغياب القادة العرب بل هو نتيجة تخريب داخلي، وسلوك سياسي غير مقبول.

ـ هناك شبه إجماع على فشل القمة العربية في بغداد. هل تتفق مع هذا التوصيف؟

ـ القمم العربية عموما فاشلة لأسباب بنيوية ليست مرتبطة بالضرورة باستضافة العراق لهذه القمة. لكن في قمة بغداد كان هناك فشل مضاعف بسبب الصراع السياسي العراقي-العراقي حول تنظيمها. هناك أطراف أرادت ألا تحصل حكومة (رئيس الوزراء العراقي محمد شياع) السوداني على ما يمكن أن نسميه منجز تنظيم قمة سلسة أو قمة بمستوى القمم الأخرى حتى وإن كانت من دون نتائج عامة عربية، لكن بمشاركة عالية من الزعماء، وحصول اجتماعات جانبية، هي في العادة أهم من الاجتماع العام.

ـ لكن غياب معظم القادة العرب لم يكن بقرار عراقي داخلي.

ـ صحيح، لكن كان هناك سلوك سياسي عراقي أدى إلى تضامن القادة العرب في قرارهم عدم المجيء إلى بغداد. كان هناك خطاب عدائي نحو الكويت، وإثارة لموضوع خور عبدالله. فاستنجدت الكويت بمجلس التعاون الخليجي ومارست ما تستطيع من تأثير على الزعماء الآخرين كي لا يحضروا. إضافة إلى ذلك، الحديث عن وجود مذكرة إلقاء قبض على الرئيس السوري أحمد الشرع، هذا الحديث غير مناسب وغير مقبول، فضلا عن تهديد بعض قادة الكتل السياسية في العراق بأنهم لا يضمنون سلامته إذا حضر القمة. 

هذا الكلام يتجاوز أبسط القواعد البروتوكولية، فالعراق ملزم وفق نظام الجامعة العربية بأن يستضيف كل الزعماء العرب. حديث بعض أطراف الإطار التنسيقي، وهو الائتلاف الحاكم في العراق، بهذا الشكل يبعث رسائل بأن هناك فوضى سياسية في العراق وليس هناك وحدة في القرار السياسي.

ـ ماذا كشفت هذه القمة عن علاقة العراق بما يُسمى "الحاضنة العربية، في رأيك؟

ـ أعتقد أن العالم العربي شبه يائس من العراق، من أن يلعب دورا فاعلا ومؤثرا للأسباب التي ذكرتها مجتمعة. إذا لم يستعِد العراق وحدة قراره السياسي، وإذا لم يظهر أنه قادر على فرض إرادته داخل إقليمه الجغرافي، باعتقادي، لن يأخذه أحد على محمل الجد.

ـ هناك من يعتقد أن فشل قمة بغداد هو انعكاس للوضع العربي العام، خصوصا مع بروز مؤشرات كبيرة على أن المنطقة تتغير، وأن هناك خريطة جيوسياسية في طور التشكل. زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج الأسبوع الماضي، ربما وضعت النقاط على الحروف في هذا السياق. ما رأيك؟

ـ اتفق مع هذا الطرح. زيارة ترامب كانت تاريخية، بصرف النظر عن رأينا بترامب. أبرزت الزيارة، التي كانت اقتصادية بامتياز، أن هناك نهجا تنمويا رائدا سينتج من دول الخليج، وتحديدا السعودية، خصوصا مع دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع ولقائه بترامب، والوعد الأميركي برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا.

ـ ماذا يعني رفع العقوبات عن سوريا بالنسبة لمستقبل المنطقة؟

ـ إلى جانب رفع العقوبات، هناك حديث الآن عن مفاوضات سورية إسرائيلية من وراء الكواليس بشأن اتفاقية تطبيع، وهذه قد تضمن لسوريا دعما اقتصاديا غربيا، وبالتالي فإن اتباع سوريا نهجا اقتصاديا، يعني أننا سنشهد بروز التنمية الاقتصادية كقضية أساسية ومركزية عربيا، ابتداء من السعودية ودول الخليج الأخرى، ثم سوريا. 

ـ أين سيكون العراق في سيناريو كهذا؟

ـ أنا أعتقد أن هذا سيؤثر على العراق كثيرا. بدلا من الحديث عن الماضي والصراعات، سيكون الحديث عن المستقبل. وسيكون "الإطار التنسيقي" تحت ضغط هائل حينها، إذ لابد من أن يُنتج شيئا للمجتمع بخصوص المستقبل، كما تفعل دول الجوار التي تجاوزت العراق بأشواط طويلة.

ـ بالعودة إلى قمة بغداد، كيف يؤثر "فشل القمة" على صورة العراق عربيا ودوليا؟

ـ أنا لا أعتقد أن موضوع الضرر الخارجي مهم. تأثيرها داخلي، إذ أبرزت النزاع الحاد داخل الإطار التنسيقي، بين الحكومة وبعض أطراف الإطار، وهذا ستكون عواقبه أكثر تأثيرا. السيد السوداني، أكيد، يشعر بغضب  شديد، وهذا سينعكس على طريقة تعامله مع الإطار. 

ـ كيف؟ 

ـ لا أعرف. ربما من خلال تأكيده على دور عربي للعراق، لأن رئاسة القمة تستمر لمدة سنة كاملة. وهناك ملفات كثيرة يمكن أن يشتغل عليها العراق. التبرع بـ20 مليون دولار لغزة، و20 مليون للبنان، يبدو لي، أنه تهيئة لدخول العراق على ملفات هذه البلدان. وهذا يُحسب لحكومة السوداني.

ـ بأي طريقة سيتدخل العراق في ملفات غزة ولبنان، باعتقادك؟ 

ـ ربما بالتوسط بين حزب الله والحكومة اللبنانية، وكذلك بين حماس والسلطة الفلسطينية. لا يبدو لي أن التبرع بالأموال يأتي من دون غاية.

ـ بالإشارة إلى حديثك عن صراع بين السوداني والإطار، هل هذا يعني تضاؤل حظوظ السوداني بولاية ثانية؟

ـ ما حصل في القمة هو فقط مرحلة من مراحل الصراع. أعتقد أن الخلاف سيتصاعد. من الفوائد المؤسفة للقمة أنها أظهر هذا الصراع بين الحكومة ومعظم أطراف الإطار التنسيقي إلى العلن. هم لا يريدون أن يحقق السيد السوداني أي منجز.