الرئيس المخلوع عمر البشير خلال جلسة محاكمة
الرئيس المخلوع عمر البشير خلال جلسة محاكمة

510931 4

بابكر فيصل/

ظلت المؤسسة الفقهية الرسمية تعمل طوال تاريخها على إضفاء الصبغة الشرعية على الأمر الواقع والدفاع عن الخلفاء والسلاطين في كل الأوقات عن طريق تطويع النصوص (القرآن والسنة) وإصدار الفتاوى التي تعطي المبررات الدينية للمواقف التي توافق هوى الحكام، وفي المقابل ظل الحكام يغدقون على تلك المؤسسة المنح والعطايا التي تضمن استمرارها في لعب ذلك الدور.

هذا الدور التاريخي للمؤسسة الفقهية ظل يلعبه في السودان كيان ديني يسمى "هيئة علماء السودان" وهي جهة تضم عددا من رجال الدين من مشارب فقهية مختلفة وتسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين التي حكمت السودان عبر الانقلاب العسكري لثلاثين عاما انتهت بسقوطها في أبريل الماضي بثورة شعبية عارمة في جميع أنحاء البلاد.

عملت هيئة التقديس على تأكيد الادعاءات الكاذبة التي روجت لها الأجهزة الأمنية للنظام

​​طوال فترة حكم نظام الإخوان المسلمين الذي ترأسه الطاغية المخلوع عمر البشير عملت تلك الهيئة على تقديم الإسناد والمبرر الديني للسياسات والقرارات الحكومية، ولم تتخذ أية مواقف واضحة تعلن انحيازها للموقف الجماهيري، خصوصا فيما يتعلق بقضايا كبت الحريات والفساد ونهب الثروات والارتفاع الجنوني لأسعار السلع الاستهلاكية وإزهاق الأرواح في الحروب الأهلية العبثية وغير ذلك من القضايا.

فعلى سبيل المثال، عندما خرجت التظاهرات في نوفمبر 2016 ضد القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة وأدت لارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات، عقدت هيئة علماء السودان مؤتمرا صحفيا أفتى فيه رئيس الهيئة، محمد عثمان صالح، "بعدم جواز الخروج على الحاكم" وأشار إلى حرمة ذلك الخروج ابتداء قائلا "بتحريم مدافعة الحاكم في بلاد المسلمين، ووجوب طاعة ولي الأمر، ومناصحته بالحسنى".

ليس هذا فحسب، بل إن صالح كان يرى صلاحية نظام الحكم الاستبدادي باعتبار أنه طبق شرع الله، ففي حواره مع صحيفة "المجهر السياسي" في يناير 2013 سئل السؤال التالي: هل تعتقد أن الحكومة نجحت في تطبيق الشريعة الإسلامية؟ فأجاب بالقول: "الحكومة وضعت الأساس من خلال سن القوانين والتشريعات، لكن (الكمال لله) وما تحتاجه الحكومة الآن في هذه المرحلة هو عقد اجتماعي إسلامي".

إذن، رئيس هيئة التقديس يعتبر أن النظام الحاكم وضع أساس الشريعة ويقترح ضرورة خلق "عقد اجتماعي إسلامي" لإكمال تطبيق الدين، وبغض النظر عن طبيعة العقد الذي يدعو له والذي يستند إلى الدين في بلد متعدد الأديان والذي يفترض أن يقوم فيه عقد اجتماعي مدني يشمل جميع المواطنين، إلا أن إجابة صالح توحي برضائه التام عما قام به النظام في إطار تطبيق الشريعة ويرجو إكماله عبر خطوات أخرى.

لم يكتف رئيس هيئة التقديس بهذه التصريحات، بل إنه ظهر في لقاء تلفزيوني بُعيد اندلاع الثورة وخروج التظاهرات في ديسمبر الماضي وأدلى بتصريحات أبدى خلالها موافقته على قمع من أسماهم "المخربين المسلحين" في وسط المتظاهرين.

بالطبع كان صالح يعلم أنه لا يوجد مخربون أو مسلحون وسط المتظاهرين، حيث التزمت الثورة السودانية بالسلمية واللاعنف وقدمت عشرات الشهداء ومئات الجرحى طوال فترة اندلاعها التي استمرت لحوالي ثمانية أشهر، ولكنه كان يهدف إلى إعطاء المبرر لأجهزة الأمن ومليشيات النظام لقمع المتظاهرين وقتلهم بحجة أنهم يستخدمون السلاح في وجه القوات النظامية.

فوق ذلك، عملت هيئة التقديس على تأكيد الادعاءات الكاذبة التي روجت لها الأجهزة الأمنية للنظام وزعمت فيها أن التظاهرات مدعومة من قبل أجهزة استخبارات خارجية وأنها ألقت القبض على مجموعة من أبناء دارفور اعترفوا بتلقيهم تدريبا في إسرائيل، حيث اتهم عضو الهيئة، عبد الجليل النذير الكاروري، المتظاهرين بالعمالة، وقال إن "دعاة التخريب وحرق ممتلكات الشعب عملاء للدوائر الأجنبية والموساد".

وعندما تنامى الضغط الجماهيري على نظام الطاغية المخلوع وبات واضحا أنه لا محالة ساقط، ذهب وفد من هيئة التقديس لمقابلة البشير في قصره المنيف وتناولوا معه أطايب الطعام والشراب بينما رصاص قناصة المليشيات الحكومية يحصد أرواح شباب البلد الأبرياء في الشوارع، ولم يصدر عن ذلك اللقاء أية بيان يدين القتل وسفك الدماء.

صمتت الهيئة طوال ثلاثين عاما عن مفاسد السلطة

​​تناولت وسائط التواصل الاجتماعي أمر ذلك الاجتماع متهمة هيئة التقديس بممالأة الحاكم الفاسد، مما اضطر عضو الهيئة عبد الحي يوسف لتناول الأمر في خطبة الجمعة قائلا إنهم قدموا "نصيحة مكتوبة للرئيس"، وأضاف أنه طالب البشير "بمحاسبة المسؤولين المقصرين الذين أفضوا بالناس إلى هذا المآل، وأفضوا بهم إلى ألا يجدوا قوتهم ووقودهم، وأن تضيق عليهم أرزاقهم"، كما دعاه إلى "كف اليد عن المال العام، وأن يرى الناس إجراءات حاسمة وحلولا سريعة لتطمئن قلوبهم بأن مالهم لا يُسرق وأن ثرواتهم لا تنهب وأن المال ليس دُولة بين فئة منهم".

لم يكن غائبا عن عبد الحي يوسف ووفد هيئة التقديس الذي اجتمع بالطاغية أن أس المشكلة هو الرجل الذي ذهبوا لمناصحته وتناول العشاء معه، وأنه هو من أطلق أيادي بطانته الفاسدة في سرقة المال العام ونهب الثروات وقتل الأبرياء وتكميم الأفواه، ومع ذلك لم يجرؤ أي شخص منهم على مطالبته بالتخلي عن كرسي السلطة بحكم مسؤوليته المباشرة عما آلت إليه أحوال البلاد من تردي شامل.

غير أن رأس هيئة التقديس فاجأ الجميع بتصريحات مختلفة الأسبوع الماضي قال فيها إن "النظام البائد كان سادرا في غيه بالرغم من أنه كان يرفع شعارات الحكم بالإسلام، لكنها لم تجد طريقها إلى التطبيق لذلك أزاله الله بحسب سننه الكونية".

هذا التحول في خطاب صالح يعكس حالة نموذجية من حالات النفاق، وهو في حقيقته يهدف لركوب موجة الثورة وتغيير جلد هيئة علماء السلطان، إذ رأينا كيف صمتت الهيئة طوال ثلاثين عاما عن مفاسد السلطة وقالت على لسان رئيسها إنه لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم الذي التزم جانب الدين وما انفك ينشد الكمال في تطبيق الشريعة.

علماء السلطان أطلوا برأسهم من جديد في محاولة يائسة لغسل أياديهم عن النظام البائد

​​ومن ناحية أخرى ما يزال رأس هيئة التقديس يصر على سلب حقوق الشعب السوداني الذي صنع الثورة وقدم عشرات الشهداء في سبيل التغيير، وذلك بقوله إن الله هو من أزال النظام البائد وليس الثوار، وهي إشارة مفادها أن إرادة الجماهير لم يكن لها أي دور في التغيير، وأن العَرَق والدماء والدموع التي روت أرض السودان الطاهرة لم تكن هي التي صنعت التغيير وأدت لزوال الطاغية ونظامه الفاسد.

حديث رأس هيئة التقديس أعلاه لا يخرج عن إطار العقل الفقهي الذي كرَّسته المدرسة الأشعرية التي أنكرت حرية إرادة الإنسان وفاعليته ودعت إلى الصبر على الحاكم ولو كان ظالما مما أدى لسيادة الاستبداد السياسي والظلم في المجتمعات الإسلامية.

من الجلي أن علماء السلطان أطلوا برأسهم من جديد في محاولة يائسة لتغيير جلودهم وغسل أياديهم عن النظام البائد، ولكن الوعي الثوري الذي اتسمت به الجماهير وخصوصا الأجيال الطالعة كفيل بأن يضع حدا لممارسات رجال الدين المرتبطين بالسلطة، وهي الممارسات التي لم تجن من ورائها البلاد سوى التمكين الشديد للكبت والفساد والاستبداد باسم الإسلام.

اقرأ للكاتب أيضا: السودان: هل حقا أضاعت الوثيقة الدستورية الدين؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السودان: علماء السلطان يبدلون جلودهم EEEF30C7-BCCE-4738-A6E5-1D73C1EB95F4.jpg AFP السودان-علماء-السلطان-يبدلون-جلودهم الرئيس المخلوع عمر البشير خلال جلسة محاكمة 2019-09-04 11:40:28 1 2019-09-03 19:17:56 0

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.