سودانيون يحتفلون بالاتفاق بين المجلس العسكري والمعارضة المدنية في أغسطس
سودانيون يحتفلون بالاتفاق بين المجلس العسكري والمعارضة المدنية في أغسطس

511275 4

جويس كرم/

إعلان رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك الخميس عن تشكيل أول حكومة انتقالية مدنية للسودان منذ ثلاثة عقود فيه نافذة أمل وفرصة نادرة للخرطوم في حال اتخاذ الخطوات الاقتصادية والسياسية الصعبة بطوي صفحة التواطؤ السلطوي ـ العسكري ـ الإسلامي التي حملتها فترة حكم عمر البشير.

حكومة حمدوك التوافقية هي بحد ذاتها قفزة للسودان من حكومات البشير التي أبعدت "العناصر غير الموالية" واستحضرت قانون "الفصل للصالح العام". فرئيس الوزراء الخامس عشر للسودان يأتي من خلفية اقتصادية ومدنية مضطلعة على النظام العالمي وأسس الانفتاح الليبرالي. هذا ما انعكس في تعيين أربع وزيرات في الحكومة الجديدة.

أن يكون للسودان تمثيل نسوي أكبر في حكومته من الولايات المتحدة الأميركية وإدارة دونالد ترامب (حقيبتين وزاريتين)، فهذه محطة مفصلية وهامة خصوصا أن أحد الحقائب هي سيادية لوزيرة الخارجية الجديدة والديبلوماسية المخضرمة التي أقصاها البشير، أسماء محمد عبدالله. عبدالله هي أول وزيرة خارجية في السودان، وثالث وزيرة خارجية في دولة عربية.. والسودان هو ثاني دولة عربية، تشغل فيها سيدو منصب وزيرة الخارجية بعد موريتانيا.

سيكون على حمدوك إقناع البنك الدولي ومؤسسات أخرى بدعم السودان اقتصاديا

​​الوزيرات الثلاث في الحكومة إلى جانب عبدالله هن: انتصار الزين صغيرون، وزيرة التعليم العالي، ولينا الشيخ محجوب، وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية، وولاء عصام البوشي، وزيرة الشباب والرياضة.

قبل إقصاء أسماء محمد عبدالله وتوجهها إلى المغرب مع زوجها الشاعر حسن محمد عثمان، كانت تدرجت في عدة مناصب حتى وصلت إلى درجة "وزير مفوض". خبرتها كنائب مدير دائرة الأميركيتين في الخارجية السودانية ستساعدها في إعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة. أما انخراطها في البعثات الديبلوماسية السودانية في أوروبا، فسيساعد في استقطاب دعم ديبلوماسي واقتصادي للسودان هو بأمس الحاجة إليه.

أرقام البطالة تتخطى الـ 21 في المئة من السودانيين بحسب صندوق النقد الدولي في السودان، و40 في المئة من السودانيين يقبعون تحت خط الفقر. انفصال الجنوب كلف السودان 95 في المئة من صادرات النفط بحسب وكالة أسوشيتد برس، وأمام حمدوك اليوم تحدي تقليص الـ 60 مليار دولار من الديون.

حمدوك، وهو أيضا بروفسور في الاقتصاد، قال للإعلام المحلي إنه بحاجة إلى 8 مليار مساعدات خارجية في العامين المقبلين ومليارين كاحتياط لتقوية العملة. هذا يستدعي سياسة داخلية وخارجية منفتحة وبعيدة عن الأجندة السلطوية والمافيوية التي سادت في مرحلة البشير.

داخليا، لا يمكن استعادة الثقة من دون صون الحريات وحماية الانفتاح السياسي والتهيئة لحكم مدني وتنمية الأحزاب المدنية غير المرتهنة لفئات عسكرية أو إسلامية في البلاد. هذا المسار سيتطلب عقودا وحكومة حمدوك هي مؤشر إيجابي في هذا السياق، وجاءت بعد ضغوط من الشارع السوداني ومن المجتمع الدولي.

خارجيا سيكون على حمدوك إقناع البنك الدولي ومؤسسات أخرى بدعم السودان اقتصاديا، بعد القيام بإصلاحات جذرية. هكذا إصلاحات والحد من الإنفاق والاعتماد على الدين الخارجي قد يعني ارتفاعا في الأسعار وعودة التظاهرات، إنما لا مفر منها ولا سبيل لإنجاز تحول مدني واقتصادي في السودان.

لا يمكن استعادة الثقة من دون صون الحريات وحماية الانفتاح السياسي

​​هناك أيضا فرصة حقيقية أمام السودان لإعادة ترتيب علاقاته الخارجية وإنهاء ازدواجية البشير في التعاطي مع الخارج بإيواء القاعدة والرقص مع المتطرفين من جهة ومحاولة الانفتاح على الغرب من جهة أخرى.

واشنطن لمحت إلى إمكان رفع السودان عن لائحة الداعمين للإرهاب الموجود عليها منذ 1993 وحكومة حمدوك المدنية الطابع وذات الوجوه الإصلاحية ستساعد ذلك. وفي السنوات الأخيرة هناك رفع تدريجي للعقوبات الأميركية وفتح مكتب استخباراتي لوكالة الاستخبارات المركزية في البلاد وهو نهج قد يستمر اليوم في حال استمرت الخطوات الإصلاحية والحوار الاستراتيجي بين الجانبين. واشنطن التي تطلب تغييرا في نهج السودان داخليا ودوليا يبدأ بقطع العلاقة مع كوريا الشمالية، والابتعاد عن إيران وداخليا بفض النزاعات والمصالحة مع الجوار، إنما هي تدرك موازين القوى والتحديات التي ستواجهها الحكومة الجديدة.

في منطقة يشوبها التفتت والتسلط والحروب، اختار السودان التمايز والقفز بالاتجاه المعاكس نحو مسار مدني وتعددي وتقدمي، وسيؤسس في حال نجاحه إلى مستقبل يليق بأصوات الشارع السوداني ويدفن حقبة البشير إلى غير رجعة.

اقرأ للكاتبة أيضا: أميركا ومفاوضات الحوثيين: نافذة إقليمية من اليمن؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السودان إذ يقرع أبواب التاريخ 8D8D987F-9434-4225-8BA2-468EBF474788.jpg Reuters السودان-إذ-يقرع-أبواب-التاريخ سودانيون يحتفلون بالاتفاق بين المجلس العسكري والمعارضة المدنية في أغسطس 2019-09-06 13:49:33 1 2019-09-06 13:49:59 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

من المتوقع أن يكون إسقاط العقوبات الأميركية عن سوريا بداية عهد جديد للاقتصاد الذي دمرته الحرب على مدى 13 عاما، وأن يفسح الطريق أمام تدفقات الاستثمارات من السوريين في الخارج ومن تركيا ودول في الخليج تدعم الحكومة الجديدة.

وقال رجال أعمال ووزير المالية السوري ومحللون لرويترز إنهم يتوقعون تدفق رؤوس الأموال إلى الاقتصاد المتعطش لها بمجرد إسقاط العقوبات وفق إعلان الرئيس دونالد ترامب المفاجئ، على الرغم من تحديات كثيرة ما زالت تواجه الدولة المنقسمة بشدة.

وقال رجل الأعمال السوري الملياردير غسان عبود لرويترز إنه يضع خططا للاستثمار، ويتوقع أن هناك سوريين آخرين لهم علاقات تجارية دولية يفكرون في ذلك أيضا.

وأضاف الرجل الذي يعيش في الإمارات "كانوا خائفين من القدوم والعمل في سوريا بسبب مخاطر العقوبات... هذا سيختفي تماما الآن".

ومضى يقول "أُخطط بالطبع لدخول السوق لسببين: (أولا) أريد مساعدة البلاد على التعافي بأي طريقة ممكنة، وثانيا، هناك أرض خصبة: فأي بذرة توضع اليوم قد تدر هامش ربح جيدا". وعرض عبود خطة بمليارات الدولارات لدعم الفن والثقافة والتعليم في سوريا.

وقد يعيد رفع العقوبات تشكيل الاقتصاد جذريا في مسار جديد لحكام سوريا الجدد الذين اتبعوا سياسات السوق الحرة وابتعدوا عن نموذج تخطيط الدولة الذي اتبعته عائلة الأسد في خمسة عقود من حكمها.

وفرضت الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى عقوبات صارمة على سوريا في أثناء الحرب التي اندلعت بسبب الاحتجاجات ضد حكم بشار الأسد في 2011.

وأبقت واشنطن على هذه العقوبات بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق في ديسمبر، بينما كانت تصوغ سياستها تجاه سوريا وتراقب تصرفات الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وهو قيادي سابق في تنظيم القاعدة.

وحثت السعودية وتركيا اللتان تدعمان حكومة الشرع واشنطن على إسقاط العقوبات. وقال وزير الخارجية السعودي الأربعاء إن فرص الاستثمار ستكثر بمجرد حدوث ذلك.

وفي خطاب أُذيع على التلفزيون في وقت متأخر من مساء الأربعاء، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رفع العقوبات عن سوريا قرار تاريخي شجاع، مؤكدا التزام سوريا بتعزيز المناخ الاستثماري.

وأضاف "نرحب بجميع المستثمرين من أبناء الوطن في الداخل والخارج ومن الأشقاء العرب والأتراك والأصدقاء حول العالم وندعوهم للاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف القطاعات".

وترك الصراع مناطق حضرية كثيرة أنقاضا وقتل مئات الآلاف من الأشخاص. وتقول وكالات الأمم المتحدة إن أكثر من 90 بالمئة من السوريين البالغ عددهم 23 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

ويقول تيموثي آش، المحلل الاستراتيجي البارز للأصول السيادية في الأسواق الناشئة في شركة "آر.بي.سي بلوباي" لإدارة الأصول "هناك فرصة حقيقية لإحداث تغيير جذري في سوريا والمنطقة الأوسع".

وقال أونور جنش، الرئيس التنفيذي لمجموعة "بي.بي.في.إيه" المالية العالمية التي تضم مصرف غرانتي، ثاني أكبر بنك خاص في تركيا، إن الشركات والبنوك التركية من المتوقع أن تستفيد من إسقاط العقوبات.

وأضاف لرويترز "بالنسبة لتركيا، سيكون الأمر إيجابيا لأن هناك حاجة إلى عمليات إعادة إعمار كثيرة في سوريا. من يفعل هذا؟ الشركات التركية".

ومضى يقول "سيسمح إسقاط العقوبات للشركات التركية بالذهاب إلى هناك الآن بشكل أفضل بكثير، وستتمكن البنوك التركية من تمويلها، وهذا سيدعم الأمر".

ودعمت تركيا قوات المعارضة السورية في أثناء الحرب التي دمرت اقتصادا متنوعا ومنتجا.

وأظهرت بيانات سورية رسمية أوردها البنك الدولي في عام 2024 أن الاقتصاد السوري انخفض إلى أكثر من النصف بين عامي 2010 و2021. لكن البنك قال إن هذا على الأرجح أقل من الواقع.

فرص في كل المجالات

ارتفعت قيمة الليرة السورية منذ إعلان ترامب.

وقال متداولون إن العملة تراوحت بين 9000 و9500 مقابل الدولار يوم الأربعاء، مقارنة مع 12600 في وقت سابق من هذا الأسبوع. وقبل الحرب في عام 2011، كان الدولار يعادل 47 ليرة سورية.

وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية لرويترز إن مستثمرين من الإمارات والكويت والسعودية ودول أخرى، قدموا ستفسارات عن الاستثمار.

وأضاف برنية لرويترز "سوريا اليوم هي أرض الفرص، وهناك إمكانات كامنة هائلة في جميع القطاعات، من الزراعة إلى النفط والسياحة والبنية التحتية والنقل".

وقال "ندعو جميع المستثمرين إلى اغتنام هذه الفرصة".

ووصف كرم بشارة، المدير العام لبنك (شهبا بنك) وهو يشاهد في مكتبه بدمشق لقطات من اجتماع ترامب مع الشرع في الرياض يوم الأربعاء، الحماس الذي يسود مجتمع الأعمال قائلا "إنه رائع بشكل يفوق التصور".

وقال "نحن على المسار الصحيح الآن على الصعيد الدولي ما لم يحدث شيء في سوريا يعرقل العملية".

وما زالت الأوضاع في سوريا هشة. فبعض الجماعات المسلحة لم تسلم أسلحتها للحكومة بعد، ومطالب الحكم الذاتي من الأكراد نقطة خلاف، والعنف الطائفي جعل الأقليات تخشى من حكم الشرع رغم وعوده بتوفير الحماية والحكم بطريقة تشمل جميع الأطياف. 

وتعارض إسرائيل الشرع وتقول إنه ما زال من المتشددين. وقصفت إسرائيل سوريا مرات كثيرة.

وقال جهاد يازجي، وهو صحفي ومؤسس ورئيس تحرير "التقرير السوري" الإخباري الاقتصادي على الإنترنت، إن قرار الولايات المتحدة يمثل تحولا جذريا لأنه نقل "رسالة سياسية قوية جدا" وفتح الطريق أمام عودة التكامل مع الخليج والمنظمات المالية الدولية والعدد الكبير من السوريين في الغرب.

وقال المستثمر اللبناني عماد الخطيب إنه يعجل بخططه للاستثمار في سوريا بعد إعلان ترامب.

وتعاون الخطيب مع شركاء لبنانيين وسوريين في إجراء دراسة جدوى لإقامة مصنع لفرز النفايات في دمشق بقيمة 200 مليون دولار قبل شهرين. وأرسل في صباح الأربعاء فريقا من المتخصصين إلى سوريا لبدء التحضيرات".

وقال "هذه هي الخطوة الأولى... وستتبعها خطوات أكبر إن شاء الله. وسنعمل بالتأكيد على جذب مستثمرين جدد لأن سوريا أكبر بكثير من لبنان".