الملك عبدالله والملك سلمان خلال افتتاح مؤتمر القمة الإسلامي في مكة في يونيو 2019
الملك عبدالله والملك سلمان خلال افتتاح مؤتمر القمة الإسلامي في مكة في يونيو 2019

511589 4

عريب الرنتاوي/

منذ تأسيسه قبل أربعة عقود، لم يجد الأردن عنتا في إدارة علاقاته مع دول مجلس التعاون الخليجي، إذ حافظت دوله الست على مستوى "معقول" من وحدة الموقف، برغم الخلافات البينية التي طالما أطلت برأسها بين دوله الأعضاء... هي المرة الأولى التي تختبر فيها الدبلوماسية الأردنية، إدارة علاقات شائكة، مع دول شقيقة ومجاورة في حالة اشتباك واستقطاب حادة للغاية، يصعب معها التوفيق بين متطلبات إدامة هذه العلاقات مع العواصم الست.

مناسبة هذا الحديث، أن الأردن نجح مؤخرا في استعادة علاقاته مع قطر، بعد عامين تقريبا من تخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، وسحب السفيرين. تلك الخطوة التي أثارت تكهنات واسعة، حول ردود الفعل المحتملة لكل من الرياض وأبوظبي اللتين تناصبان الدوحة أشد العداء، وتفرضان عليها حصارا بريا وجويا وبحريا، وتتبادلان معها، أشد الحروب الإعلامية، وأحيانا تنخرط هذه الدول في "حروب وكالة" كما في اليمن وليبيا وغيرها من ساحات الأزمات العربية المفتوحة.

الأردن لم ير أسبابا وجيهة لمقاطعة قطر، مع أنه من بين الدول التي تضررت من الإعلام القطري

​​ولقد تناقل الأردنيون عبر وسائط التواصل الاجتماعي مؤخرا، عبارة منسوبة إلى السفير السعودي في عمان، يقول فيها إنه سيغادر الأردن في اليوم الذي يصل فيه السفير القطري إلى عمان... العبارة المنسوبة للسفير قيلت في مناسبة اجتماعية، ولم تصدر على شكل تصريح رسمي، وهي وإن عكست "المزاج السياسي الشخصي" للسفير، إلا أنها ليست بالضرورة تعبيرا عن موقف الرياض النهائي حيال هذه المسألة، لا سيما وأن المملكة تحتفظ بسفراء لها، في عشرات الدول التي يتواجد فيها سفراء لقطر، فلماذا يتعين على عمان وحدها، أن تختار بين السفيرين؟!

أقوى من "شعرة معاوية"

ليست العلاقة الأردنية ـ الخليجية، وتحديدا مع السعودية، في أحسن حالاتها. لقد شهدت هذه العلاقات التاريخية مراحل مد وجزر طوال السنوات والعقود الفائتة. ويسود اعتقاد في الأردن، أن الرياض في ظل قيادتها الشابة الجديدة، لم تعد تولي علاقاتها مع عمان الاهتمام ذاته الذي طالما أولته لها، ويستشهدون على ذلك بالقول إن الرياض تراقب عن كثب "غرق" الأردن في ضائقته الاقتصادية والمالية الخانقة، والتي باتت تتصدر قائمة "مهددات الأمن والاستقرار" في البلاد، من دون أن تتقدم بمد يد العون والمساعدة لشقيقتها الصغرى، كما كان يجري الحال من قبل.

ويعزو مراقبون ومحللون أسباب تراجع الاهتمام السعودي بالأردن، إلى جملة عوامل، من بينها: (1) تباين أولويات السياسة الخارجية للبلدين، إذ في الوقت الذي تنظر فيه السعودي إلى "التهديد الإيراني" بوصفه تهديدا وجوديا، فإن عمان ما زالت تولي القضية الفلسطينية وضرورة حلها على قاعدة "حل الدولتين" مكانة الأولوية الأولى على جدول أعمالها... (2) في السياق ذاته، فإن الرياض كانت تأمل على ما يبدو، أن ينخرط الأردن على نحو أكبر وأوسع في حربها ضد الحوثي في اليمن، في حين جاءت المشاركة الأردنية في التحالف العربية، معنوية ورمزية، لا أكثر ولا أقل، على اعتبار أن عمّان رأت في تلك الحرب، حربا فائضة عن الحاجة، لا ضرورة لها ولا "نهايات سعيدة" تُرتجى منها...(3) مقابل تمسك الأردن بـ"حل الدولتين" وبالرعاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية في القدس، بدا أن ولي العهد السعودي الشاب، أكثر ميلا لتسهيل مهمة الفريق الأميركي المكلف بوضع خطة جديدة للسلام عُرفت على نطاق واسع باسم "صفقة القرن"، وجرى تداول الكثير من "التسريبات" التي تشي بوجود رغبة سعودية على مزاحمة الأردن في رعاية المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية في القدس، ولقد ترافق ذلك، مع تنامي الاستعداد السعودي للانخراط في عملية السلام و"التطبيع" مع إسرائيل، بما يضعف الدور التقليدي الذي ظل منوطا بالأردن طوال سنوات وعقود، وبما يؤثر على مكانته كدولة محورية في مسارات عملية صنع السلام بين العرب والإسرائيليين.

والحقيقة أن السعودية باتت تنظر باهتمام أقل للدور الأردني، كما تشير إلى ذلك كثير من التحليلات والتقارير، بالنظر ما يمكن وصفه بالمكانة المتراجعة لمكانة الأردن الاستراتيجية في المنطقة... فالأردن، بالنسبة لدول الخليج، والسعودية بخاصة، لم يعد ذاك الشريك الأمني ـ الاستراتيجي الذي لا غنى عنه كما في ستينيات القرن الفائت وسبعينياته، إذ حلت محله مختلف الدول العظمى، وباتت دول الخليج تتوفر على قواعد عسكرية واتفاقات أمنية واستراتيجية، تغنيها عن الدور الأردني... ومكانة الأردن كدولة "عازلة" بين إسرائيل والنفط، تآكلت كذلك، في ظل تنامي الاهتمام المتبادل بين إسرائيل وعدد من الدول الخليجية، لإقامة علاقات وبناء جسور تعاون مباشرة، من دون الحاجة للمرور بـ"المحطة الأردنية"، بل وغالبا من فوق رأس القيادة الأردنية أو من خلف ظهرها.

يفسر ذلك جزئيا أو كليا، سبب الإحجام السعودي (الخليجي) عن توفير الدعم السخي المعتاد للأردن، وتحويله إلى دول وحكومات أخرى، تبدو المنظومة الخليجية بحاجة لها أكثر في هذه المرحلة، مع أن الدبلوماسية الأردنية عملت بأقصى طاقتها من أجل احتواء الخلافات والتباينات، وإبقاء حبال الود ممدودة مع الرياض وأبوظبي، بما يتخطى "شعرة معاوية"، لكن أن النتيجة جاءت أقل بكثير مما كانت تأمله عمان وتراهن عليه.

الانقسام الخليجي

جاءت "أزمة قطر" لتضيف مزيدا من التعقيد على علاقات الأردن مع كل من السعودية والإمارات، فهاتان الدولتان، إضافة لمصر والبحرين، فرضتا حصارا مشددا على قطر، وقطعتا العلاقات الدبلوماسية معها، وكانتا تتوقعان من عمّان أن تفعل شيئا مماثلا... لكن الأردن، وإن حاول استرضاء دول الحصار الأربعة بخفض مستوى التمثيل المتبادل مع الدولة، إلا إنه ولأسباب عديدة، لم يكن قادرا على مجاراة هذه الدول في مواقفها ومتطلباتها.

فالأردن، ابتداء، لم ير أسبابا وجيهة لمقاطعة قطر، مع أنه من بين الدول التي تضررت من الإعلام القطري، ومن بين الدول التي لا يروقها تبني الدوحة لجماعة الإخوان المسلمين، والعلاقة الأردنية القطرية مرت بمراحل تأزم منذ منتصف تسعينيات القرن الفائت، عديدة ومتعاقبة... ثم، أن للأردن جالية في قطر، تزيد عن ثلاثين ألف عامل، يخشى على مصائرها في حال انضم بنشاط وفاعليه إلى صفوف "دول الحصار الأربعة".

لقد أدركت الدوحة أن الدبلوماسية الأردنية تتعرض لضغوط هائلة من "الرباعي العربي"، وأنها تسعى في مقاومة هذه الضغوط، وتفادي الانجرار إلى مواقف تصعيدية أعلى وأشد مع قطر... لذلك، لم تتوان الدوحة على تقديم مبلغ نصف مليار دولار للأردن في العام 2018 لمساعدته على تجاوز ضائقته الاقتصادية، وتخصيص عشرة آلاف وظيفة للأردنيين لمساعدة عمّان على معالجة مشكلة البطالة المتفاقمة في أوساط الشباب الأردنيين... هذا الموقف القطري، فضلا عن استمرار الإحجام السعودية عن تقديم المساعدة المجزية، دفع عمان للتفكير بتنويع علاقاتها وخياراتها، إلى أن وصلت إلى القرار باستئناف العلاقة مع الدوحة على مستوى السفراء، وتبادل زيارات رفيعة المستوى بين الجانبين، وصولا إلى دعوة الأمير تميم بن حمد لزيارة عمان، وقبوله الدعوة.

خطوة محسوبة

لا شك أن أنباء عودة العلاقات الأردنية ـ القطرية إلى مجراها الطبيعي، لم يسقط بردا وسلاما على كل من الرياض وأبوظبي والمنامة، وربما القاهرة كذلك، لكن التدرج في استعادة هذه العلاقات، قلل من وقع المفاجأة، ومكّن الدبلوماسية الأردنية من توضيح موقفها لعواصم الرباعي العربي، باعتباره استجابة لحاجة أردنية ملحة، اقتصادية ومالية بالأساس، وليس تعبيرا عن انقلاب في المواقف والسياسات والتحالفات.

العلاقة الأردنية ـ الخليجية، وتحديدا مع السعودية، ليست في أحسن حالاتها

​​ثم إن عمّان باتت تدرك بلا شك، أن السعودية والإمارات بخاصة، لم تعودا في موقع يمكنهما من "فتح" أزمة جديدة مع بلد مثل الأردن في موقعه وتحالفاته، لا سيما بعد تجربة الفشل في اليمن، واحتدام حدة الخلاف السعودي ـ الإماراتي، والتقرّب الإماراتي من إيران وسوريا (المشاركة في معرض دمشق الدولي)، وانطلاق قطار الحوار الأميركي ـ "الحوثي" من محطته الأولى في مسقط، وتنامي التكهنات بإمكانية بدء حوار أميركي ـ إيراني، سيشكل إن حدث، صدمة كبيرة لدول التحالف العربي.

لا شك أن عمان، وهي تجري حسابات علاقاتها الثنائية مع قطر، كانت تدرك أن الدور المهيمن الذي لعبته العاصمتان الخليجيتان (الرياض وأبوظبي) يواجه تحديات كبيرة، تجعل من الصعب عليهما، إطلاق ردود أفعال "خشنة" ضد عمان، أو التفكير بافتعال أزمة جديدة، مع الأردن هذه المرة... الأمر الذي جعل كثير من المراقبين في عمان، لا يأخذون على محمل الجد التسريبات المنسوبة للسفير السعودي في عمان، وينظرون للقرار الأردني باستعادة العلاقات كاملة مع قطر، بوصفه خطوة محسوبة بدقة.

اقرأ للكاتب أيضا: "الفترة الأصعب والأخطر في تاريخ تركيا"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الدبلوماسية الأردنية والحبال الخليجية المشدودة FE8DB812-A668-44E0-9874-9FDD3365C4C5.jpg AFP الدبلوماسية-الأردنية-والحبال-الخليجية-المشدودة الملك عبدالله والملك سلمان خلال افتتاح مؤتمر القمة الإسلامي في مكة في يونيو 2019 2019-09-09 13:28:54 1 2019-09-09 13:36:00 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.