ملعب مدرسة ملاصق لإحدى العشوائيات شمالي العاصمة المصرية
ملعب مدرسة ملاصق لإحدى العشوائيات شمالي العاصمة المصرية

512465 4

رستم محمود/

في مجمل بلدان وحواضر الدفة الشرقية للبحر المتوسط، من دمشق إلى القاهرة، ومن طهران إلى عمان، مرورا ببيروت وأربيل وأنقرة وباقي العواصم والحواضر التي نمت بشكل استثنائي طوال ربع القرن الأخير، ثمة نمو مضطرد لظاهرتين مترادفتين: تضخمت عشوائيات المدن بشكل مريع، حتى أنها صارت تلف قرابة نصف مجموع سكان المدن الكبرى في كافة هذه الدول. في نفس الوقت، توسعت فجوة القوة الاقتصادية وطاقة الحضور والتأثير بين أغنياء هذه الدول، في وقت تتخلى فيه بحماس جميع أنظمة حكم هذه البلدان عن منظومات الحماية الاجتماعية الأولية والبسيطة للطبقات الأكثر هشاشة، مثل التعليم والنقل العام والتأمينات الصحية وشبكات الطاقة الرئيسية، الكهربائية بالذات.

يحدث ذلك، في وقت تشهد فيه نفس المنطقة موتا تاما لأي إطار سياسي أو ثقافي أو فكري، واعٍ لذلك التدهور المريع للعلاقات البينية في مجتمعاتنا، والذي يهدد الاستقرار والسلام الاجتماعي في ربوع هذه البلدان جذريا، أي إطار ساعٍ لإحداث تغيير ما في توازنات هذه العلاقات الطبقية المتدهورة.

الاستقطاب الإقليمي المستدام، تعامد على الدوام مع تعاظم صراعات الهويات الطائفية والقومية والمناطقية

​​يطال ذلك الغياب جميع مستويات الشأن العام، إذ ليس من تنظيمات سياسية تتبنى مثل هذه القضية، أو حتى جمعيات أو تيارات ثقافية أو معرفية أو بحثية مشغولة البال بها، وليس حتى خطاب ذو مضمون وعمق، واعٍ ومشغول بتلك القضية، التي تبدو غير مرئية في المتن والنقاش العام، بما في ذلك غابات وسائل التواصل الاجتماعي.

المريع، أن مجموع القوى والحركات والتيارات السياسية في هذه المنطقة، وبالرغم من تناقضاتها وصراعتها الشديدة، متطابقة فيما بينها على عدم المبالاة والانشغال بالقضية الاقتصادية الاجتماعي. فـ"حزب الله" اللبناني مثلا، وبالرغم من شدة تناقضاته مع الكثير من القوى السياسية اللبنانية، التي تعيش شبه حرب أهلية باردة معه، إلا أنها جميعا متطابقة في رؤيتها واستراتيجياتها في ذلك المنحى، مُجمعة على أن قضية الفقراء الاقتصاديين والضعفاء الاجتماعيين ليست ذات معنى في رؤيتها. كذلك هو الأمر في باقي الدول، حتى بين أكثر الأنظمة الحاكمة شمولية، ومعارضاتها الأكثر جذرية.

بعض الشعارات التي تنطق بها بين وقت وآخر الأجهزة الحزبية للتيارات الشيوعية في دول هذه المنطقة، تكاد أن تتطابق مع مواويل البطولة الفلكلورية، التي تصدح بها ساحات القرى في ليالي الأعراس. مجرد طرب مريح لآذان المستمعين، دون أي مضمون. فنفس هذه الأحزاب الشيوعية، متحالفة، ومن موقع التبعية، مع أكثر أنظمة الحكم إيغالا في صناعة هذا التدهور في المسألة الاقتصادية الاجتماعية في بلدان منطقتنا.

قبل قرن من الآن، ومع أفول عصرها الإمبراطوري بنهاية الدولة العثمانية، كانت هذه المنطقة زاخرة بالاتجاهات والتيارات المنشغلة بمثل المسألة الاقتصادية الاجتماعية. فالمئات من الأحزاب والجمعيات والقوى الثقافية والنخبوية، كانت ترى بوضوح وتناضل بزخم في سبيل قضية مركزية واضحة وبسيطة، تتعلق بتحسين موقع وأدوات وفاعلية الطبقات الأضعف في مجتمعاتنا، لصالح التركيبات الاجتماعية القوية والمتحالفة، من برجوازيين وإقطاعيين ورجال دين وسياسة. مدافعين في عين الوقت عن المساواة المفترضة بين البشر في القيمة الآدمية والحق في الحصول على قوة الدولة، التي يجب أن تؤمن لهم جميعا الحقوق الأولية، مثل التعليم والصحة والخدمات العامة، ودون أي مقابل.

كانت هذه التنظيمات والتيارات والعُصب اليسارية والاجتماعية الديناميكية الأكثر حيوية في مجتمعاتنا لأكثر من نصف قرن، وخاضت في الكثير من الدول حروبا داخلية صاخبة، وكادت أن تسقط في كثير منها أنظمة من الحكم كانت تبدو قوية وراسخة.

راهنا، ليس ثمة شيء من ذلك، لا على مستوى الحركات والأحزاب الوارثة لتلك الأيديولوجيات والتطلعات السياسية والاجتماعية، ولا حتى على مستوى تراثها الفكري والروحي والسياسي. إذ، وبغض النظر عن السلوكيات والاستراتيجيات التي اتخذتها الأحزاب الشيوعية الرسمية في هذه الدول، إلا أن القضية الاقتصادية الاجتماعية كانت روحا وديناميكية تفكير وفعل حاضرة بزخم وفي كل تفصيل وبقعة من ثنايا الحياة العامة لمنطقتنا، وبالنسبة لأوسع الطبقات الاجتماعية. وبشيء من الثقة، يمكن القول بأنها كانت بوابة الحداثة العالمية الأولى، ورُبما الوحيدة، التي طلت منها منطقتنا على شرفة العالم بعيد نهاية عالم الإمبراطوريات الكبرى.

مات كل شيء. صارت صفحات الكتب وتعليقات وسائل التواصل وبرامج الأحزاب وهموم النخب خالية من هوس، ولو سحطي، بالمسألة الاجتماعية الاقتصادية.

من جهة، يظهر ما يجري في بلدان هذه المنطقة وكأنه انعكاس لتراجع نفس هذه القضية على المستوى العالمي، بالضبط مثلما كان اندلاعها وتناميها، قبل قرن من الآن، انعكاسا لما كان يعيشه العالم وقتها، عالم القطبية السوفياتية مع نظيرتها الرأسمالية الغربية، والتي حل محلها عالم الهويات القومية المناطقية.

لكن متن الذات العالمية، بالذات في الدول الديمقراطية، وإن كانت قد تراجعت فيها خطابات وصراعات المسائل الاقتصادية والاجتماعية لصالح نظيرتها الشعبوية، إلا أن مؤسسات الدولة ظلت محافظة على الحد الأدنى من مسؤوليتها في الحفاظ على أدوار الدولة الأساسية في هذه المسألة.

عشوائيات وفقراء لا يحصون، دولة متخلية عن قوتها لصالح سلطات استبدادية مريعة

​​على نفس المستوى، فإن الاستقطاب الإقليمي، خصوصا بين إيران وخصومها الإقليميين، سحب من التباينات السياسية والأيديولوجية والثقافية في المنطقة أية قيمة ذات مضمون ومعنى. فالقوى المتصارعة، ومنذ أوائل ثمانينيات القرن المنصرم، متصارعة على القوة والنفوذ والهيمنة، لكنها متطابقة على المستوى القيمي، بالذات في المسألة الاجتماعية الاقتصادية، القائمة على تقاطع الفساد مع الاحتكار للطبقات الحاكمة، وعدم مبالاة كاملة بالوظائف الأولية الواجبة على الدولة.

ذلك الاستقطاب الإقليمي المستدام، تعامد على الدوام مع تعاظم صراعات الهويات الطائفية والقومية والمناطقية، والتي هندست ورسخت من وعي "الشعوب السرية" من أبناء الجماعات الإثنية والطائفية والمناطقية لنفسها، واعتبارها قضاياها الهوياتية أكثر أولوية وأهمية من أي "ترف" فكري وسياسي منشغل بالمسألة الاقتصادية والطبقية والاجتماعية.

عشوائيات وفقراء لا يحصون، دولة متخلية عن قوتها لصالح سلطات استبدادية مريعة، استقطاب إقليمي مطلق ودون أي مضمون أو قيمة، حروب كثيرة، أهلية وهوياتية ومناطقية. كل ذلك في مكان واحد اسمه منطقتنا، وفي ظلال عالم خال من أية نزعة خلاصية.

هي بوابة الجحيم ليس إلا.

اقرأ للكاتب أيضا: خسارة تركيا الصافية في سوريا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
نهاية الصراع الطبقي في الشرق الأوسط A0147FD0-C7C6-4411-AAD0-EBEADC34B318.jpg AFP نهاية-الصراع-الطبقي-في-الشرق-الأوسط ملعب مدرسة ملاصق لإحدى العشوائيات شمالي العاصمة المصرية 2019-09-16 14:19:50 1 2019-09-16 14:26:21 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟