512583 4

د. ابتهال الخطيب/

عطفا على مقال الأسبوع الماضي، وحتى لا تترك الأمور قولا عاما بلا ملامح، لا بد من الإشارة إلى أن مفاهيم الشرف التقاليدية المحبوكة بالقراءات الدينية، كما ذكرت في المقال السابق، هي الخلطة المتفجرة، التي أدت وتؤدي كل يوم لسفك دماء نساء الشرق الأوسط المسكين. 

العادات والتقاليد التي تضع سمعة أسرة كاملة على قطعة خرقة مبللة بالدم، والقراءات الدينية التي ترهن الفتاة إلى سلطة أبيها والمرأة إلى سلطة زوجها وكل أنثى إلى سلطة ذكر ما في عائلتها. هذه العادات والتقاليد والقراءات الدينية هي الطلقات التي تخترق أجساد النساء، السكاكين التي تنغرس في أجنابهن، الحبال التي تلتف حول أعناقهن لترديهن قتيلات باسم المحافظة على الشرف والالتزام بالدين.

التقييم المجتمعي والتشريع الديني يجعل من موضوع الجنس معضلة أنثوية بامتياز

​​من قال إن محارق القرن السابع عشر للنساء قد توقفت؟ حين كانت كل امرأة مختلفة، مخالفة بصورة أو بأخرى لعادات المجتمع وقيمه المتخلفة، تتهم بأنها ساحرة، فتوضع الأحجار في جيوب جلبابها وتكبل يديها وترمى في النهر أو البحر، فإن طفت فهي ساحرة تستحق القتل وإذا غرقت فهي بريئة تطهرت سمعتها، في الحالتين هي ميتة.

إذن، يبقى السؤالان الحارقان: لماذا ينحصر شرف العائلة العربية في إناثها دونا عن ذكورها؟ ولماذا ينحصر شرف الذكر في الجنس (الذي في حياة نسائه) دون الأخلاق (في حياته)؟ الرجل الذي يسرق أو يكذب لا يُمس شرفه، بل الرجل الذي يعربد تبقى سمعته محفوظة، هذا إذا لم تعلُ قيمته في الشارع الذكوري الشوفيني كفحل أصيل. 

في السؤال الأول هي العادات والتقاليد والقراءات الدينية المذكورة أعلاه، تلك التي حصرت الشرف في النساء دون الرجال، فالمرأة البكر مثلا لها عاداتيا ودينيا من الحقوق وعليها من القيود ما يختلف عن تلك التي "للثيب" وعليها، وكأن الجنس كعملية بيولوجية تغير من قيمة الإنسان ووزنه الاجتماعي.

في الكثير من قوانين الأحوال الشخصية (مثال أخير هو قانون الأحوال الجعفري الذي صدر في الكويت مؤخرا) تُفَصل حقوق المرأة على أساس من "دخول الرجل" عليها من عدمه، متدخلة (هذه القوانين) في عمق العلاقة الخاصة بينهما وتنص على حقوق وواجبات على أساسها. 

إن هذا التقييم المجتمعي والتشريع الديني يجعل من موضوع الجنس معضلة أنثوية بامتياز، فهي تربح وتخسر، تصبح أكثر أهلية أو أقل، تضمن حقوق أو تخسرها على أساس ممارسة الفعل من عدمه. كل هذه المنحنيات التي تحدد الكثير من جوانب الحياة تحصر تأثير العملية الجنسية في حياة المرأة دون الرجل وبالتالي تحملها عبء الشرف والسمعة دونه.

طبعا، للمسألة عمق بشري أكثر بدائية، فالمرأة تتحمل عبء الشرف لأن جسد المرأة يشكل دليل عليها، ونحن شعوب نقدس الظاهر، نخشى كلام الناس أكثر من خشيتنا تقييم الرب، فندفع برغباتنا إلى الظلام لنمارسها فيه، فقيمة "الستر" هي الأهم والأقوى، ولطالما كان "الإثم" مستورا، فالسمعة بخير والشرف محفوظ في "سوليفانته".

جسد المرأة دليل، يفقد قطعة جلد ـ أسطوريتها أكبر من حقيقيتها ـ، يُكَون طفلا في أحشائها، وعليه ولأن جسدها يأتي بحياتها إلى النور ويعلن عن أفعالها، فهو، ووحده هو، محمل بعبء الشرف. أما الرجل الذي لا يدينه جسده، فله أن ينطلق في أعماق الخطايا، هو شريف طالما أن جسده يستره فلا ينبئ أحدا عن أفعاله.

من هذه النقطة تتأتى إجابة السؤال الثاني، شرف الرجل مرتبط بحفظ أجساد نسائه من تحقق أي أدلة عليها، أما فساده هو، الأخلاقي، الحياتي، والاجتماعي، فلا ضير منهم طالما أنهم لا يتركون أثرا. 

في الكثير من قوانين الأحوال الشخصية تُفَصل حقوق المرأة على أساس من "دخول الرجل" عليها من عدمه

​​المثير في الموضوع، أن حتى آثار هذه الفسادات، طالما هي ليست جسدية، تضيف لسمعة وفحولة الرجل. فزير النساء جذاب، حتى للنساء ذواتهن، وهذه برمجة اجتماعية لها قصص أخرى تحتاج لمقالات عدة أخرى، ترتفع أسهمه في المجتمع وتقوى ذكوريته بين أقرانه. أن يسرق أو يكذب أو يخدع أو يكون عنصريا أو حتى مجرما، كل ذلك لا يمس شرفه، قد يمس سمعته الاجتماعية بعض الشيء، إلا أن شرفه محفوظ طالما أن أجساد نسائه محفوظة. المثير فعليا هو أن حتى هذه الممارسات غير المادية، أي التي لا أثر لها على الجسد، سرقة، كذب أو جريمة من نوع، هي مؤثرة كذلك إلى حد ما في شرف النساء، فالمخادعة يمكن لها أن تخدع حول أي شيء مما له أن يهز صورة شرفها، أما المخادع فهو ذكي بل ولربما جذاب، يضيف له خداعه طالما أن أجساد نسائه محفوظة مستورة.

إذا كانت العادات والتقاليد تقول بأن "شرف المرأة زي عود الكبريت" وإذا كانت القراءات الدينية تربط التشريع الدنيوي ثم الإثابة والعقاب الآخرويين بالجنس (إثابة الرجل جنسية في الجنة وعقوبة المرأة ذات صور جنسية كذلك في النار)، فبكل تأكيد تصبح كل قيمنا مرتبطة بهذا الفعل الجسدي، وكل تقيم لأخلاقنا مبني عليه.

إنها فكرة ذكورية بامتياز أتت من عمق الزمان السحيق، بعد أن تحولت البشرية من عبادة المرأة إلى قهرها وتعذيبها والتحكم في "إنتاجها" البشري الذي هو أقيم ما تملك البشرية. كم نقدس من عادات وتقاليد وأخلاق ومفاهيم هي مبنية على بدائيات تفتقر لأبسط قواعد المنطق وتتضارب وأبسط مفاهيم العلم الحديث، وفي خضم كل ذلك، وحدها النساء حول العالم تدفع الثمن.

اقرأ للكاتبة أيضا: حياة نص كم

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ساحرة D8901E7A-A8F1-4DF5-9E4C-C09F63BC0FCC.jpg Reuters النساء-العادات-الدين نساء مصريات يتظاهرن ضد التحرش 2019-09-17 13:12:00 1 2019-09-17 13:24:00 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟