512502 4

حسين عبدالحسين/

بثت القناة العربية التابعة لدويتشه فيله الألمانية مقابلات أجرتها مع عربيات يعشن في ألمانيا. سألت القناة سيدة سورية عن مخاوفها من تربية ابنها في ألمانيا، فأجابت أنها تخاف عليه من الثقافة الألمانية، وقالت إنها تخاف على ابنها في ألمانيا أكثر مما كانت تخاف عليه في سوريا. لماذا؟ "لأن في ألمانيا حرية زائدة" عن اللزوم، أجابت السيدة.

في محافظة إدلب الشمالية السورية، التي تحكمها مجموعات معارضة للرئيس السوري بشار لأسد، أعلن الائتلاف الوطني السوري تشكيله حكومة جديدة. كانت بادرة طيبة تعيين الدكتورة هدى العبسي وزيرة للثقافة، وهو أمر ليس جديدا على السوريين، الذي اعتادوا على تعيين الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد السيدة نجاح العطار، التي تشغل منصب نائب رئيس اليوم، وزيرة للثقافة كذلك.

لا تجارب عبر التاريخ تشي بأن العفة، والفصل الجندري تصنع مجتمعات أفضل أو أفراد أسعد

​​لا يعود البحث الإلكتروني عن الوزيرة العبسي بالكثير. مما تيسر، يبدو أن الوزيرة حازت على دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة دمشق، وأنها كانت تشغل منصب نائب عميد كلية الآداب في جامعة إدلب. الوزيرة العتيدة تبدو من محبي المطالعة والمكاتب، وهي قامت بجهد جليل في افتتاح مكتبة لعموم القراء في الشمال السوري. لكنه كان لافتا في الموضوع تصريحها أثناء الافتتاح، إذ قالت: "إن مكتبة المركز فيها قاعة مطالعة للذكور وأخرى للإناث".

الفصل الجندري أمر جديد على السوريين، الذين لم يعتادونه في مؤسساتهم العامة، التربوية أو غيرها، على مدى القرن الماضي، وهو ما يعني أن التحديث الذي جاءت به الدكتورة العبسي للسوريين هو تحديث مستوحى من التجارب الإسلامية في الحكم، وهو تحديث ذات تجليات مختلفة، بعضها محدود، مثل في بعض دول الخليج، وبعضها الآخر يشمل معظم جوانب الحياة، مثل في إيران. وفي تجليات أكثر تطرفا للفصل الجندري يبرز حكم طالبان أفغانستان، أو دولة "داعش" المندثرة.

في تصريح ثان للوزيرة السورية أثناء تخريج دفعة من الطلاب الجامعيين، قالت العبسي إن "للمرأة حضور مهم في المجتمع والمطلوب من النساء اليوم، إذا أردن التغيير، المسارعة إلى المعرفة، فنحن لا نريد منكن الحصول على شهادة ورقية، بل نريد منكن الحصول على المعرفة التي تخلص المجتمع من القيود التي تمنع المرأة من المساهمة في البناء". كلام جميل. ثم أضافت الدكتورة العبسي: "لذلك فنحن بأمس الحاجة لكي نكون قدوة حسنة ونبتعد عن تقليد الأوربيين، إلا في ميدان العلم والتقدم، فلماذا لا نخترع ونبدع".

إذا، وزيرة الائتلاف الوطني ترى أن القدوة الحسنة تكون بالابتعاد عن تقليد الأوروبيين. لماذا؟ هل تخشى العبسي ـ مثل السيدة السورية المقيمة في ألمانيا ـ "الحرية الزائدة" المتوفرة لدى الأوروبيين؟ وإذا كانت مشكلة هؤلاء السوريين هي في الحرية الزائدة، فلما الثورة للتخلص من طغيان الأسد؟ ولما اللجوء إلى أوروبا هربا من دولة الأسد البوليسية؟ أليست الدول البوليسية مناسبة لتربية الأولاد بلا "الحرية الزائدة"؟

للإنصاف، لا بد من الإيضاح أن المقصود من خوف هؤلاء السوريات من "الحرية الزائدة"، ودعوتهن لتفادي "تقليد الأوروبيين" هو خوف من الحرية الفردية في المواضيع الاجتماعية، واعتبار أن اختلاط الجنسين هو من الفساد المجتمعي، وأنه قدوة سيئة، وأن على السوريين، كما على المؤسسات التربوية والأهلية والحكومة، هندسة مجتمعهم، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، للحفاظ على الحيز العام، شريفا عفيفا، وللحفاظ على المجتمع السوري كمجتمع فضيلة متجانس يعيش فيه الملائكة السوريون.

طبعا، لا تجارب عبر التاريخ تشي بأن العفة، والفصل الجندري، وتفادي تقليد الأوروبيين، تصنع مجتمعات أفضل أو أفرادا أسعد، بل إن الحكومات الإسلامية، الحقيقية منها ـ مثل في إيران وطالبان أفغانستان وداعش سوريا والعراق ـ والمتخيلة منها ـ مثل في عهد الخلفاء الراشدين ـ لم تقدم نماذج حكم بشري تنافس الغرب اليوم؛ فدولة الخلفاء الراشدين عاشت في حرب أهلية شبه متواصلة، فيما دول إيران وطالبان وداعش تحتل قعر المؤشرات العالمية على كل الأصعدة، الاقتصادية والتنموية والعلمية والرفاهية، ولا تتصدر الحكومات الإسلامية المذكورة إلا في الفساد وفي عدد ضحايا حقوق الإنسان وتكميم الأفواه.

ربما على الوزيرة العبسي، وحكومتها الثورية، والسوريين ممن يشاركونها الرأي، العودة إلى عصر النهضة العربية، الذي أطلقه اجتياح الفرنسي نابليون مصر مطلع القرن التاسع عشر. وقتذاك، أذهل تقدم أوروبا وتأخر المسلمين النخبة الإسلامية، فانقسمت حول كيفية اللحاق بالحداثة. قسم قالوا إن ردم الهوة مع أوروبا المتطورة يكون بالعودة إلى جذور الإسلام والتقليد، وقسم قالوا إن تقدم المسلمين يستحيل بدون تحديثهم دينهم وجعله متناسقا مع العصر الحديث.

هل يتأخر العرب والمسلمون عن العالم بسبب منعهم "الحرية الزائدة" وعدم "تقليد الأوروبيين؟

​​ومن نافل القول إن دعاة تجديد الإسلام وفصل الدين عن الدولة خسروا، لأسباب عديدة، منها استيلاء أنظمة الاستخبارات ـ منذ رئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر وحتى الأسد ـ على خطاب الحداثة، وتحويله إلى خطاب خشبي لقمع الناس، ومنها الثروة الهائلة التي هبطت على دعاة العودة إلى التقليد والجذور، فأصبح التقليديون هم قادة المجتمع المسلم، واجتاحت الأسلمة (وهذه غير الدين وترتبط بالإسلام كهوية اجتماعية وسياسية) المجتمعات الإسلامية، فتخلت هذه عن سعيها للتحديث، واستبدلته بالخوف من "الحرية الزائدة" وضرورة تفادي "تقليد الأوروبيين"، حتى لو تواصلت تدفق حشود المسلمين على دول الغرب التي يكرهون تقاليدها ويخافونها، ولكنهم مع ذلك يصرون على الانتقال إليها والسكن بها.

ربما الأجدى بالسيدة السورية في ألمانيا وبالوزيرة العبسي مقاربة مشكلة التخلف الإسلامي والعربي من ناحية ثانية، طالما أن العرب والمسلمين لم يعيشوا يوما في تاريخهم في "حرية زائدة": هل يتأخر العرب والمسلمون عن العالم بسبب منعهم "الحرية الزائدة" وعدم "تقليد الأوروبيين؟".

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان وتاريخه المتخيل

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
لماذا يكره بعض السوريين أوروبا؟ FC769A7A-3140-4C6C-991C-42F361467646.jpg AFP لماذا-يكره-بعض-السوريين-أوروبا كاتيا شبلي، لاجئة سورية متحولة جنسيا وشقيقها التوأم نور في مسير في برلين 2019-09-17 12:01:50 1 2019-09-16 19:07:44 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟