بقايا الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت منشأتي أرامكو حيث عرضتها وزارة الدفاع السعودية في مؤتمر صحفي
بقايا الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت منشأتي أرامكو حيث عرضتها وزارة الدفاع السعودية في مؤتمر صحفي

512745 4

جويس كرم/

ألسنة النار المشتعلة في بقيق وخريص السبت الفائت ليست اعتداء عابرا على المملكة العربية السعودية وعلى المظلة الأمنية لدول الخليج العربي. الدقة، المستوى، وفداحة الهجوم ستتطلب ردا سعوديا قد يأتي على شكل ضربة محددة ضد مصدر الصواريخ أو حقول نفطية للدولة التي أطلقتها، أو قد يكون ممنهجا وخلف الأضواء وعلى مراحل باستهداف المصدر نفسه.

كما الاعتداءات التي سبقته من الفجيرة إلى خليج عمان إلى اختطاف الناقلات حول مضيق هرمز، الكل يعرف من وراء صواريخ كروز التي ضربت أرامكو وما هدفها. واشنطن بحوزتها صور أقمار صناعية تكشف تحركات إيرانية وتحضير الصواريخ والطائرات المسيرة داخل أراضيها قبل الاعتداء كما نقلت الإذاعة الأميركية الوطنية. هناك رصد استخباراتي أيضا بحسب "سي أن أن" للقاعدة التي انطلقت منها الصواريخ، وهي على الأرجح بقرب الحدود العراقية. فإيران التي اعتمدت طوال الفترة الفائتة على الدول المجاورة وميليشيات عربية لشن اعتداءات، عدلت في نهجها في الشهور الأخيرة وباتت تستخدم الحرس الثوري مباشرة لضرب الخليج.

الحديث اليوم هو عن انضمام الأوروبيين إلى فيلق العقوبات

​​الرئيس الإيراني حسن روحاني قالها صراحة هذا العام بأن شل الحركة النفطية الإيرانية سيتم الرد عليه بشل الحركة النفطية الإقليمية. الهدف هو ترهيب الخليج، وكسر العقوبات على إيران، وتنبيه الشرق والغرب بأن الورقة الأمنية الإقليمية هي بيد إيران وليس الأساطيل الأميركية في المنطقة.

نجح الاعتداء في إحداث صدمة في الاقتصاد العالمي، إنما فشل في شلّ الحركة النفطية مع ضخ أميركا الاحتياط وإصلاح السعودية، بعد أربعة أيام فقط على الاعتداء، الإمدادات التي عادت أمس إلى ما كانت عليه ما قبل الاعتداء. الورقة الأصعب هي في إعادة إنتاج قوة الردع في الخليج، ومحاسبة إيران، فالخيارات محدودة وبعضها قد يجازف في إشعال حرب إقليمية.

الخيار الأول وهو ما قامت به أميركا في 1987 باستهداف إيران مباشرة حين استهدفت واشنطن البحرية الإيرانية يومها. هذا قد يتم بضربة صاروخية على المصدر الذي انطلق منه اعتداء بقيق وخريص، أو على حقل نفطي إيراني لا يوقع ضحايا إنما يزيد من الضرر على الاقتصاد الإيراني. المعضلة في هذا الخيار هو في أن إيران 1987 ليست إيران 2019، وهي تملك قدرات ميليشياوية إقليمية، وصواريخ على نسق الصواريخ الروسية ومنشآت نووية وقد تختار الدخول في حرب إقليمية تجر كارثة على الجميع بمن في ذلك طهران.

الخيار الثاني، وهو الأكثر ترجيحا يكون في نهج بعيد المدى يرد على إيران دوليا واستخباراتيا واقتصاديا وهو الاتجاه الذي يبدو أن السعودية تمضي به اليوم. استدعاء الخبراء الدوليين هو الخطوة الأولى بعد كشف مصدر الأسلحة، والتنسيق مع الولايات المتحدة نحو تحرك في مجلس الأمن. طبعا الأمم المتحدة المشلولة أصلا لن تعطي الضوء الأخضر لأي قرار فاعل ضد إيران، إنما قد تنجح السعودية في استنباط دعم دولي ومزيد من العقوبات ضد إيران.

فالحديث قبل اعتداءات يوم السبت كان حول المبادرة الفرنسية ولقاء محتمل بين روحاني ودونالد ترامب في نيويورك. أما اليوم، فهو عن انضمام الأوروبيين إلى فيلق العقوبات، وتضرر الصين ومصالحها النفطية من أفعال إيران، وإنهاء الحديث عن مفاوضات أميركية ـ إيرانية.

أيا كان خيار السعودية في الرد، فهي بحاجة إلى استراتيجية متروية غير منفعلة وبدعم أميركي

​​السعودية ليست على عجلة من أمرها في الرد، وهي، كما الإمارات بعد اعتداء الفجيرة، تذهب باتجاه حصد دعم عسكري وسياسي لتقوية دفاعاتها الجوية وتحصين حقولها النفطية. فنظام الردع هنا أصعب حين يكون التعامل مع إيران أو وكلائها وقاعدة "العين بالعين" لن تكون كافية لإيقاف طهران الماضية باستراتيجية "عليّ وعلى أعدائي".

الرد الاستخباراتي السري قد يكون الخيار الأمضى في هذه الحالة خصوصا إذا ما أتى على شكل هجوم إلكتروني (cyber) يشل الحركة النفطية الإيرانية مثلا، أو يخترق مصانع الصواريخ.

أيا كان خيار السعودية في الرد، فهي بحاجة إلى استراتيجية متروية غير منفعلة وبدعم أميركي؛ تحصن أولا دفاعاتها الجوية وترد بشكل قاس إنما ممنهج على طهران. والأهم ألا تنزلق الرياض نحو خيارات طائشة تعطي الحرس الثوري الإيراني الحجة لإفلات ميليشياته الإقليمية والعبث بهدف العبث فقط بأمن واستقرار الخليج.

اقرأ للكاتبة أيضا: أسباب وتداعيات استقالة بولتون

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

السعودية وخيارات الرد… أو الانتظار 74BAEFE6-CAB5-4AF8-A838-2CD23477E03C.jpg Reuters السعودية-وخيارات-الرد-أو-الانتظار بقايا الصواريخ التي استخدمت في الهجوم على المنشآت النفطية السعودية، كما عرضتها وزارة الدفاع السعودي 2019-09-18 13:51:24 1 2019-09-18 13:58:58 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟