أيهما أفظع مجتمعيا، الحرية الجنسية أم جرائم الشرف التي تبرر قتل الرجال للنساء لمجرد الشك؟
أيهما أفظع مجتمعيا، الحرية الجنسية أم جرائم الشرف التي تبرر قتل الرجال للنساء لمجرد الشك؟

512879 4

سناء العاجي/

في مدينة آسفي المغربية (330 كلم جنوب الرباط)، تم إلقاء القبض على شابين مثليين كانا يمارسان الجنس في بناية مجهورة.

صدر الخبر على موقع مغربي ليطرح مجددا نقاش الحريات الفردية، خصوصا بعد اندلاع قضية هاجر الريسوني وملاحقتها بتهمة العلاقة الجنسية غير الشرعية والإجهاض.

الآن، لنتساءل بموضوعية: رجال الأمن الذين وصلتهم الإخبارية وانتقلوا لعين المكان، هل كانوا سينتقلون بنفس السرعة لو وصلتهم إخبارية عن قاصر تتعرض للاغتصاب في نفس البناية؟ هل كانوا سينتقلون بنفس السرعة لو تعلق الأمر بامرأة تتعرض للتعنيف من طرف زوجها؟

إلى متى ستتابع الدولة المواطنين بتهمة الحب والجنس الرضائي؟

من الواضح أن موازين القيم عندنا معكوسة ومقلوبة

​​إلى متى ستتساهل السلطة الأمنية والتشريعية والقضائية مع المغتصبين ومع اللصوص ومع المرتشين ومع مختلف أشكال الفساد، لتتابع الأشخاص البالغين بسبب ممارسات فردية لا تسبب أي أذى للآخرين؟

في مغرب اليوم، حين تتقدم فتاة بشكاية للسلطات الأمنية ضد مغتصب أو متحرش، سيتم في الغالب التعامل معها كمذنبة تسببت في اغتصابها بسبب ملابسها أو خروجها للشارع العام ليلا أو غير ذلك...

سيستفيد المغتصب أو المتحرش من كل ظروف التخفيف، وفي أقسى الحالات، ستتم معاقبته بالسجن لبضعة أشهر؛ باستثناء حالات نادرة كان فيه الحكم مثاليا ورادعا بالفعل، كحالة الشاب الذي حاول اغتصاب فتاة قاصر نواحي مراكش وسجله صديقه بالهاتف وقاما معا بنشر الفيديو، حيت صدرت في حقه عقوبة بالسجن لمدة عشر سنوات، فيما صدرت في حق صديقه الذي سجل الفيديو عقوبة بالسجن لمدة ثمان سنوات.

كان ذلك في ربيع سنة 2018. حينها، خرج البعض على المواقع الاجتماعية ليتعاطف مع الشابين باعتبارهما "ضحية" للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية! طبعا، فكل شيء صالح لتبرئة المغتصب، ولتذهب الضحية للجحيم! بل إن أحد مسؤولي الثانوية التي تتابع فيها الفتاة دراستها أعطى حينها تصريحات لبعض وسائل الإعلام يقول فيها بأن تلك التلميذة كسولة وأنها رسبت... وكأن كونها رسبت في سنة دراسية يبرر اغتصابها!

بالمقابل، فحين يقوم شخصان راشدان، بمحض إرادتهما، بعلاقة جنسية مثلية أو غيرية، يتعرضان للفضيحة المجتمعية وللعنف الأمني والقضائي.

فهل تهدد المتعة الجنسية الرضائية أمن المجتمع أكثر من اللصوص والمرتشين والمعتدين جنسيا على الأطفال؟ هل يهدد المثليون سلامة الأفراد كما يهددها، فعليا، المتحرشون؟ هل التوقيف الإرادي للحمل من طرف امرأة غير مستعدة للأمومة، أخطر على المجتمع وعليها وعلى الطفل نفسه من كل ما سيعانيانه معا في حالة احتفاظها به ورميه في قمامة (عائشة الشنا، رئيسة ومؤسسة جمعية التضامن النسوي تتحدث عن 24 رضيعا متخلى عنه يوميا، دون احتساب جثث الرضع التي يتم العثور عليها في القمامات) أو أن يعيش لاحقا مشردا في الشوارع أو موصوما مجتمعيا؟

أيهما أفظع في الواقع، الحرية الجنسية للأشخاص الراشدين أم تزويج القاصرات أو حتى إجبارهن وهن راشدات على زواج غير مرغوب فيه؟

أيهما أفظع مجتمعيا، الحرية الجنسية أم جرائم الشرف التي تبرر قتل الرجال للنساء لمجرد الشك؟

في حالة إسراء غريب الفلسطينية مثلا، هل العيب أن تخرج مع خطيبها، أم أن تتعرض للتعذيب والقتل من طرف إخوتها وزوج أختها؟

نخاف الحرية ونختزل الشرف بين أفخاذ النساء

​​لماذا يصدم المجتمع من قبلة أو علاقة جنسية غيرية أو مثلية، ويصدم بشكل أقل من قتل إسراء والمئات من أشباهها؟

لماذا ننزعج من المثلية ولا ننزعج إلا قليلا من تزويج طفلات صغيرات في اليمن والسعودية ومجتمعات أخرى، لرجال يكبروهن بثلاثين وأربعين سنة؟

من الواضح أن موازين القيم عندنا معكوسة ومقلوبة... مهووسون بالجنس. نخاف الحرية ونختزل الشرف بين أفخاذ النساء. تزعجنا المثلية ولا يزعجنا العنف. نتعاطف وتتعايش مع العنف واللامواطنة والرشوة ومختلف اللوبيات وأشكال الفساد... ونخاف من قبلة أو رعشة جنسية.

كل التضامن مع مثليي آسفي ومع كل المثليين الذين خلقوا في مجتمعات لا تسمح لك بأن تكون أنت... مجتمعات قد تغفر لك الاغتصاب والقتل والتحرش وتبرر كل هذه الجرائم... لكنها لا تغفر لك الحب الاختياري والجنس الرضائي.

اقرأ للكاتبة أيضا: سوق اسمه المدرسة!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الحب تهديدنا الأكبر 6BF30F52-7EE9-4CCA-B58A-D3F72667E5D3.jpg AFP الحب-تهديدنا-الأكبر أيهما أفظع مجتمعيا، الحرية الجنسية أم جرائم الشرف التي تبرر قتل الرجال للنساء لمجرد الشك؟ 2019-09-19 12:27:54 1 2019-09-19 12:29:34 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟