تظاهرة لفلسطينيات يطالبن بإنهاء العنف ضد المرأة بعد قضية إسراء غريب
تظاهرة لفلسطينيات يطالبن بإنهاء العنف ضد المرأة بعد قضية إسراء غريب

512772 4

نضال منصور/

"المغدورة لم تسقط عن شرفة منزلها وإنما قُتلت بجريمة بشعة" هكذا أعلن النائب العام الفلسطيني المستشار أكرم الخطيب وفاة الشابة إسراء غريب التي شغلت قضيتها في الأسابيع الماضية العالم العربي، وهكذا انحازت سلطة القانون والعدالة لصوت الضحايا، وأغلقت الطريق أمام الجناة ليفلتوا من العقاب.

كثيرون احتفوا بالنتيجة الأولية التي توصلت لها النيابة العامة في فلسطين في قضية إسراء غريب، فما حدث خطوة على الطريق لوقف طمس الحقائق، والتزوير، والسكوت على جرائم قتل النساء، أو ما يُسمى عربيا "جرائم الشرف".

صرخات إسراء قبل قتلها مفزعة، وتكسر "جدار الصمت" عن قصص ملايين النساء اللواتي يُقتلن في العالم ظلما وقهرا بسبب حُكم الرجال، وسلطتهم، وتفصيل القانون لخدمة "ذكوريتهم" بمعزل عن معايير العدالة والكرامة الإنسانية.

أكثر تجليات كارثة قتل النساء يحدث في العالم العربي، فالقتلة لا يخشون سلطة القانون، بل يتباهون بجريمتهم ويشعرون بالفخر لأنهم يرون أنهم يغسلون عارهم.

رجال يقتلون بناتهم وشقيقاتهم بعد "زنا المحارم" ويتهمونهن بشرفهن حتى لا يُفتضح امرهم

​​في العالم العربي الذي تحكمه الأعراف والعادات وسلطة القبيلة أكثر من القانون يكفي الشك أو الظن أو الاعتقاد أن "المرأة" في علاقة عاطفية، أو جنسية مع رجل حتى يتدافع كثيرون لتنفيذ حكم القصاص بحق هذه المرأة التي قد تكون زوجة، أو ابنة، أو شقيقة، أو حتى قريبة أو من ذات العشيرة.

يُفصّل القانون في عالمنا العربي على مقاس الرجل، فهناك بعض قوانين العقوبات العربية حتى الآن تعطي للزوج على سبيل المثال العذر المحلّ أو العذر المخفف إذا قتل زوجته متلبسة بجريمة الزنا، ويقدمون تبريرا لهذه الجريمة تحت اسم "سورة الغضب"، والطريف والغريب في الأمر أن الزوجة في بعض الدول لا تستفيد من العذر المحل أو المخفف إذا قتلت زوجها حين ضبطه متلبسا ـ بذات الفعل ـ جريمة الزنا.

جرائم قتل النساء بالتأكيد ليست حكرا على العالم العربي والدول الإسلامية، ففي عام 2018 قُتلت 87 ألف امرأة، ولكن الشيء المؤكد أيضا حسب العديد من التقارير الدولية أن 72% من "جرائم الشرف" وقعت في العالم العربي.

وثّق تقرير الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن نصف ضحايا جرائم القتل للنساء وقعت على أيدي أقارب "حميمين" ـ بمعنى زوج أو حبيب.

جرائم قتل النساء بداعي الشرف ليست سياقا معزولا عن البنى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي تضع الرجل في مكانة متقدمة على النساء، وتجعل منه حاكما مستبدا في عائلته، وعلى الإناث طاعته وخدمته، والمسلسلات العربية "سي السيد" مثال يعكس هذا الموروث، فالمرأة في القبيلة ـ ولا نعمم ـ ملك للرجل سواء أكان أبا أو زوجا أو أخا، وقد يمتد شعور الملكية ليصل عموم العشيرة التي تعتقد أن سمعتها يلحقها الضرر والعار إذا لم تلتزم النساء بمنظومتهم القيمية.

الجرائم التي تُرتكب بحق النساء بدم بارد، وببطولات "دونكيشوتية" للرجال ليست حالات معزولة عن فكر استمر لقرون، ففي الجاهلية كان "وأد البنات"، ومازال الناس في بلادنا يرددون بيت الشعر الذي يقول "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم".

هذا ليس تاريخا تقادم وشعرا يُحفظ في بطون الكتب، وإنما ممارسات ممتدة حتى لحظتنا الحاضرة، فاستطلاع "البارومتر العربي" الأخير كشف أن 27 بالمئة من الجزائريين يقبلون قتل النساء غسلا للعار، و25 بالمئة في المغرب و21 بالمئة في الأردن، و14 بالمئة في السودان.

منطق يعكس سلطة الذكور وسيادتهم، فالنساء يُقتلن بدواعي الشرف حين يمارسن علاقة جنسية "غير شرعية"، في حين أن شريكها "الرجل" بذات الفراش وذات الجريمة لا تقربه رصاصات الغدر أو "سكاكين الغضب"، ويتفاخر ذات " المتهم" بعلاقاته، ويظهر في المألوف الشعبي بطلا خارقا و"كازانوفا" قاهر لقلوب النساء، ولا تلاحقه وصمة العار، ولا أحد يلاحقه للثأر منه، والقانون "نائم" في سبات يغض النظر عنهم.

كثيرة هي القصص التي تثير الغثيان في "جرائم الشرف"، فقد أبلغت منظمة العفو الدولية عن جريمة قتل قام بها الزوج بحق زوجته لأنها خانته في حلمها. وفي تركيا قُتلت فتاة في ساحة بلدتها بسبب إذاعة أغنية مهداة لها على موجات الراديو. وفي باكستان اغتُصبت فتاة قاصر معاقة عقليا، ورغم ذلك لم تسلم من رجال قبيلتها الذين قرروا قتلها غسلا للعار.

في الإعلام العربي يعرف النشطاء الحقوقيون الذين يهتمون بمتابعة قضايا قتل النساء بذريعة الشرف أن الجرائم ترتكب لشبهات دون قرائن، وكثير من النساء بعد قتلهن أثبت الطب الشرعي أنهن "عذراوات" ولم يمارسن أي علاقة جنسية، وبعضهن كن متهمات بالحمل خارج إطار الزواج.

المشين والمخزي حين تكشف التحقيقات الجنائية أن بعض الآباء والأشقاء قتلوا بناتهن أو شقيقاتهن بعد اتهامهن بعلاقات جنسية غير شرعية، والحقيقة أنهم من اعتدوا عليهن وأقاموا ما يسمى بـ "زنا المحارم"، وحتى لا يُفتضح أمرهم يقررون قتلهن لضمان صمتهن.

البنى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية تجعل الرجال حاكما مستبدا في العائلة

​​هذه ليست الأسباب الوحيدة لقتل النساء غدرا وظلما، فالعديد من "جرائم الشرف" وقعت لاستبعاد النساء من الميراث الشرعي لهن، أو حين يرفضن إعطاء الرجال آباء أو أزواجا أو أشقاء الحق بالتصرف بأموالهن.

تتواطأ عوامل مجتمعة في العالم العربي لتجعل قضية قتل النساء أمرا عابرا وليس كارثة إنسانية تهدد المجتمعات، وتتقدم هذه العوامل غياب العدالة وحكم القانون، حين يعطى ويقدم العذر المحل والمخفف، ولا يضع عقوبات رادعة وحازمة، ولا ينفصل حال القانون والتشريع عن حكم العادات التي يكون لها أثر أقوى من القانون، ويضاف لكل ذلك الفتاوى الدينية التي تُستخدم لتعطي غطاء شرعيا لمعاقبة النساء.

ترتكب جرائم قتل النساء في كل العالم، وما يميزنا في العالم العربي أن هناك من يعيش بيننا وما زال يقدم للقتلة المبررات، ويعطي لأفعالهم لبوسا أخلاقيا رغم أن "جرائم الشرف" بلا شرف، والحقيقة الدامغة أن لا شرف بـ "الجريمة".

أعمل في الإعلام منذ عقود ولم أسمع أن رجلا قُتل بجريمة شرف، وكل ما كان يتناهى إلى أسماعي قصص رجال يصنعون بطولاتهم فوق أجساد النساء، ويبحرون في مملكة ظلمهم وسط دماء النساء التي أريقت وما زالت.

اقرأ للكاتب أيضا: معركة "عض الأصابع" بين الحكومة ونقابة المعلمين في الأردن

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

"جرائم الشرف"... رجال يشيّدون بطولاتهم على أجساد النساء 380C9416-E501-42D0-895D-FA20974CC304.jpg AFP جرائم-الشرف-رجال-يشيّدون-بطولاتهم-على-أجساد-النساء تظاهرة لفلسطينيات يطالبن بإنهاء العنف ضد المرأة بعد قضية إسراء غريب 2019-09-19 11:42:54 1 2019-09-18 16:07:50 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟