ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

512874 4

حازم الأمين/

السعودية في موقع إقليمي ضيق لا تحسد عليه. فشل سياساتها في اليمن وفي قطر وفي إدارة الأزمة مع إيران بدأ يثقل عليها. الإمارات العربية المتحدة بدأت تبتعد عنها، وقدرتها على صد هجمات الحوثيين على أهداف داخل حدودها منعدمة. واشنطن لا يبدو أنها خير حليف هذه الأيام، وطهران متحفزة وتصعد من هجماتها في ظل عجز الرياض عن التعامل مع فظاظة الجار الكبير.

الخيارات أمام المملكة لم تعد كبيرة. الولايات المتحدة الأميركية في السنة الأخيرة من ولاية دونالد ترامب الأولى مقيدة بحسابات الانتخابات، وليس أمام القيادة السعودية سوى أن تبحث عن مخارج لحال الاختناق الذي تعيشه عبر تسويات صغيرة وانعطافات شبيهة بتلك التي أقدمت عليها أبوظبي. فالمشهد من حول الرياض موحش، وهي لم تكن يوما وحيدة على نحو ما هي الآن.

الأعوام الأخيرة شهد موقع المملكة انعطافة لا يبدو أنها كانت معدة لها

​​الهجمات الأخيرة التي نفذتها طائرات من دون طيار وصواريخ على مواقع نفطية حساسة كشفت أن واشنطن تركت الرياض في العراء، ويبدو واضحا أن طهران قررت خوض معركة كسر الحصار المضروب عليها في الخليج، بعد أن أُقفلت في وجهها جبهات المشرق في سوريا ولبنان.

الخليج هو خاصرة العالم الرخوة. اقتصاده ونفطه، والممالك الضعيفة والهشة تتيح ابتزاز العالم فيه. والخليج متاح لطهران من ضفافه الثلاث، أي من البحر ومن العراق ومن اليمن. هذه البؤر الذي بنت فيها إيران نفوذا على مدى العقدين الفائتين، حان موعد توظيفها، وهي نفسها بؤر النفوذ التي غادرتها الرياض، كحال العراق، وإما أساءت الحضور فيها كحال اليمن. والآن حان موعد الصراخ.

لا يبدو أن أمام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سوى أن يعود خطوة إلى الوراء. الأفق مقفل، وطهران ذاهبة في المواجهة إلى ما قبل الحرب بخطوة صغيرة. العالم كله مشدود الأعصاب وإيران تجيد اللعب في هذه المناطق. رد الفعل الأميركي على الضربات الأخيرة جاء مخيبا، والرياض التي قالت إنها تملك قرائن على تورط طهران المباشر بهذه الهجمات لم تجد من تضع هذه القرائن أمامه.

الحكمة تقضي بأن تعود الرياض إلى موقعها التقليدي في إدارة علاقاتها وأزماتها مع جيرانها. فالأعوام الأخيرة شهد موقع المملكة انعطافة لا يبدو أنها كانت معدة لها.

ثمة خلل في الموقع الرياض أتاح لطهران تنفيذ هجماتها الأخيرة

​​انتقلت في علاقتها مع اليمن من موقع مؤثر من خارج الحدود إلى التدخل العسكري المباشر الذي استنزف حدودها واقتصادها وموقعها.

وفي العلاقة مع قطر التي لطالما شهدت توترات في مرحلة ما بعد انقلاب الأمير الأب على الأمير الجد، نفذت الرياض حصارا مباشرا على جارتها الصغيرة والغنية، فتحولت الدوحة إلى عاصمة خصومة ميدانية. التفت على الحصار مستعينة بثروتها النفطية الهائلة، واستدعت حراسا إقليميين كبارا مثل أنقرة أنشأوا فيها قواعد عسكرية محاذية للحدود مع السعودية، وأفضى الحصار أيضا إلى علاقات دافئة بين الدوحة وبين طهران، وهو ما عزز موقع طهران في الخليج وقربها خطوة إضافية من الحدود مع خصمها الرئيسي في الخليج.

العلاقة مع واشنطن لا تكفي وحدها للقيام بهذا التحول. موقع الولايات المتحدة ليس ثابتا في كل المعادلات في المنطقة. تغير الإدارة يعني تغير الموقع، والمصالح المتقاطعة معها في الخليج محكومة بحسابات غير خليجية أيضا. يمكن لواشنطن أن تتراجع عن التزامات في منطقة ما من العالم لقاء توافقات في مناطق أخرى، وهذا ما جرى مع الرياض أكثر من مرة. ثم أن الإدارة الأميركية صارت ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 محكومة بانعدام ثقة الدولة العميقة في أميركا بالمملكة، وانعدام الثقة هذا تعزز مؤخرا بعد واقعة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في إسطنبول.

الحكمة تقضي بأن تعود الرياض إلى موقعها التقليدي في إدارة علاقاتها وأزماتها مع جيرانها

​​موقع الرياض تصدع في المشرق أيضا. فهي خسرت لبنان بإرادتها وخسرت سوريا والعراق، أما فلسطين بشقيها الفتحاوي والحمساوي فتولت الاندفاعة وراء ما سمي "صفقة القرن" مهمة تبديد ما تبقى من علاقة معها، وهذا ما انعكس أيضا مزيدا من الاضطراب في العلاقة مع عمان.

لإيران وكلاء محليون في كل بؤر المواجهات التي تخوضها، فيما الرياض فقدت حضورها في معظم مناطق نفوذها التقليدي، وهي إذ قررت خوض الحرب بيدها في اليمن، بدت مترددة، أو غير قادرة، على التحول إلى قوة برية، وهو ما أعطى الحوثيين ومن خلفهم إيران قدرة على التمدد إلى داخل حدودها، فيما بدت واشنطن خارج هذه المواجهة وتولت الضغط على طهران عبر العقوبات بسبب ملفات أخرى، لعل أبرزها نفوذها في المشرق، المنطقة التي غادرتها الرياض بملء إرادتها.

ثمة خلل في الموقع الرياض أتاح لطهران تنفيذ هجماتها الأخيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان: قلق في المصارف

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

خلل في موقع الرياض FC0404DD-FB66-4031-BE23-98C281AC049F.jpg Reuters خلل-في-موقع-الرياض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان 2019-09-19 12:03:17 1 2019-09-19 12:06:20 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟