مصري يقرأ القرآن من جامع الأزهر التاريخي
مصري يقرأ القرآن من جامع الأزهر التاريخي

512819 4

عمران سلمان/

ما طرحه الزميل منصور الحاج في مقاله حملة "سعداء بدون الله" وأهمية المجاهرة بالإلحاد" أعتقد أنه مهم وجاد، وهو بحاجة إلى إغناء وإثراء وكذلك وضعه في سياقه العام والأشمل، كي لا يبدو أن المسألة مقتصرة على دين معين أو خاصة بأتباع هذا الدين، دون غيره. لكن يكفي الزميل منصور أنه أثار هذا الموضوع وسلط الضوء على هذه القضية المهمة والحساسة.

الدين مسألة خاصة!

الخروج من الإسلام والإلحاد، رغم ما بينهما من مشتركات، إلا أنهما مسألتان مختلفتان إلى حد ما. فالخروج من المؤسسات الدينية الرسمية أو التابعة للأديان، وكذلك الإلحاد ليس أمرا جديدا. لقد حدث في الماضي وهو يحدث الآن وسوف يحدث في المستقبل أيضا. كل يوم يقرر أشخاص الخروج من هذا الدين أو ذاك، مثلما هناك أناس يدخلون فيه أيضا. بعضهم يتسببون في إثارة الضجيج وبعضهم بصمت.

بعضهم مجبرون على ذلك وآخرون بملء اختيارهم وإرادتهم. بعضهم يدفعون أثمانا باهظة نتيجة قرارهم وبعضهم يستفيدون من هذا القرار.

لكن الخروج من الدين شيء والإلحاد بالله شيء آخر. ولتوضيح ذلك من المهم التوقف عند مجموعة من المسائل.

توجد صعوبة في تقبل فكرة أن الله حب محض وجمال محض وخير محض

في البداية، الدين ليس هو نفسه المؤسسة الدينية الناطقة باسمه. فالدين مسألة اعتقادية وخاصة بضمير الإنسان وهي علاقة لا تخرج، ولا يجب أن تخرج، عن نطاق الاعتقاد بين الإنسان وما يؤمن به. بمعنى أنه ليس للآخرين علاقة بهذا الأمر، من قريب أو بعيد.

بينما المؤسسة الدينية، والتي تقدم نفسها على أنها المتحدث باسم الدين أو الممثل له، هي عادة التي تكون في الواجهة، وهي التي تمارس أمور تطبيق الدين (حسب فهمها) والعمل على معاقبة المخالفين، وهي التي تسن القوانين والتشريعات الدينية وتصدر الفتاوى وما شابه.

بمعنى آخر، فإن ما نطلق عليه اليوم "دينا معينا" إنما هو في حقيقة الأمر، المؤسسة الدينية الرسمية التي تمثل ذلك الدين، أكثر مما هو الدين نفسه. وهذا التماهي بين الإثنين حدث عبر التاريخ، بشكل مقصود أحيانا، وأحيانا غير مقصود. وهو وجد في الماضي، ومستمر اليوم أيضا، لتضافر مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية معينة.

المشكلة في المؤسسة الدينية!

في الغالب الأعم فإن قرار الخروج من دين معين، هو في جوهره تمرد على المؤسسة الدينية، وخروج من تحت عباءتها.

لكن لماذا يحدث ذلك؟

ببساطة لأن المؤسسات الدينية الرسمية بطبيعتها سلطوية. إنها تعبر عن "الأنا" الجماعية للبشر الذين ينضوون تحتها، ومثل كل المؤسسات فهي تفرض بصورة قسرية، وأحيانا تعسفية، طريقة معينة في التفكير والسلوك على باقي البشر، ما يجعل بعضهم يتمردون عليها.

والإلحاد يمكن فهمه في هذا السياق أيضا أنه تمرد على النموذج أو الصورة الذهنية لله أو الخالق التي تقدمها المؤسسة الدينية، وليس تمردا على الله ذاته.

فهذه الصورة المقدمة ليست هي الله نفسه، وإنما التفسير والفهم البشري لله. ولذلك عندما تتحدث المؤسسة الدينية الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية أو غيرها عن الله، هي لا تتحدث في حقيقة الأمر عن الله (الذي لا تعرفه على أية حال، ولا تمكن معرفته في الأصل) وإنما عن الصورة التي كونتها هي لله في الذهنية العامة.

في هذا الإطار، هي تحتكر بطبيعة الحال هذه الصورة لنفسها وتعتبرها خاصة بها، وتستميت في الدفاع عنها، والحيلولة دون أن تصاب بأي خدش أو انتقاد أو ما شابه ذلك. لهذا فهي تهاجم وتقتل وترجم... إلخ، كل من يتحدث عن هذه الصورة، بطريقة لا تتسق مع فهمها لها.

بل إن المؤسسة الدينية تصور لنفسها ولأتباعها ولغيرهم، أنها تملك الحق الحصري (أو الوكالة الحصرية) في التحدث باسم الله، وتطبيق ما تعتبره أوامره ونواهيه.

هذه الصورة المشوهة لله، التي تقدمها المؤسسة الدينية، ليست بالضرورة مقصودة أو متعمدة، أحيانا تكون قد ورثتها عمن سبقوها، وأحيانا ببساطة يكون هذا ما وصل إليه علمها وفهمها. لكنه بالطبع كافيا لتنفير بعض الناس من هذه الصورة، وبالتالي دفعهم، سرا وعلانية، للخروج عليها.

مرحلة "الطفولة" البشرية!

للأسف فإنه في هذه المرحلة من التطور البشري التي نعيشها (مرحلة الطفولة) من الصعوبة أن يقبل عقل الإنسان أو نفسه، صورة مختلفة لله عن تلك الموجودة لدى معظم الأديان، وهي الصورة المستمدة من النموذج البشري، القائم على العقاب والثواب والجنة والنار، والتقريب والتبعيد وما شابه ذلك.

المؤسسة الدينية الرسمية إلى زوال بسبب انتفاء الحاجة إليها

وبالتالي توجد صعوبة في تقبل فكرة أن الله حب محض وجمال محض وخير محض ورحمة محضة ورعاية محضة، وحيادية محضة، لا تعرف نقيضها. هذه الصورة لا يمكن أن ينفر منها الإنسان، ولا يحتاج إلى أن يلحد بها، وهو حتى إن فعل، فلا توجد مشكلة، فليس هناك "ثعبان أقرع" ينتظره في القبر أو "أفران غاز" معدة لحرقه، ثم إعادة حرقه من جديد!

الواقع أنه في تراثنا يوجد ما يدعم هذه النظرة للحرية الدينية. فالصوفية يعتبرون أن عدد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. أي أن الدين فردي بطبيعته، ولكل إنسان دينه الخاص به. وهو حر إن قرر البقاء فيه أو الخروج منه أو تغييره.

كذلك من الأقوال المأثورة "إن قوما عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا، فتلك عبادة الأحرار".

ويوجد ما يكفي من المؤشرات بأن مستقبل البشر عموما، وليس المسلمين فقط، يسير في اتجاه الاعتراف بفردية الدين وحق الإنسان الطبيعي والأصيل في اختيار طريقه إلى الله، وأن المؤسسة الدينية الرسمية إلى زوال بسبب انتفاء الحاجة إليها.

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح يبدأ من الذات

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

التمرد على المؤسسة الدينية والإلحاد! ED01A195-8522-4FD8-B4B9-533CB9B2F6A8.jpg AFP التمرد-على-المؤسسة-الدينية-والإلحاد مصري يقرأ القرآن من جامع الأزهر التاريخي 2019-09-20 08:32:44 1 2019-09-18 20:37:02 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟