513330 4

محمد المحمود/

يستطيع كل من يتتبع خطوات التاريخ منذ فجر الإنسانية الأول وإلى اليوم، أن يتأكد - وبيقين جازم – من أن هذا العصر/ عصرنا الراهن، المتشكل بـ “بضمير غربي"، هو عصر الإنسان من حيث هو عصر الغرب. نعم، هو عصر الإنسان؛ في صورة لا سابق لها من حيث العمق والكثافة والأثر، إذ على الرغم من الطفرات الإنسانية العابرة من هنا أو هناك؛ خارج مسار الثقافة الغربية، وعلى الرغم من التراجعات والانكسارات والاختراقات التي شوهت خط الصعود الإنساني في الثقافة الغربية ذاتها (منذ تشكلت بدياتها في رحم الحضارة اليونانية، وإلى اليوم)؛ إلا أن المؤشر العام في دلالاته التراكمية كان يسير لصالح الإنسان.

 تتعدد وتتنوع المواثيق والعهود والإعلانات والبيانات التي تدعم حقوق الإنسان، سواء كانت دولية أو شبه دولية (إقليمية/ فئوية: عرقية أو دينية)، ولكن يبقى إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي تبنته الثورة الفرنسية عام 1789م، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة عام 1948م هما الأهم؛ من حيث أثرهما المباشر وغير المباشر على مسار حقوق الإنسان على مستوى العالم. وهما – في الأصل الثقافي، وفي المسار التنظيمي، وفي مقصد التعهد بالرعاية والتطبيق – ميثاقان غربيان يعبران عن ضمير الغرب الإنساني الذي استطاع – بقوة أصالة الطرح؛ كما بقوة النفوذ الغربي – أن يتعولم؛ فيصبح هو هوية العصر الحديث.

 لم يكن من قبيل المصادفة، فضلا عن العبث؛ أن تكون الثقافة الغربية هي ثقافة الإنسان، الإنسان في وجوده الحقيقي المتعين: الوجود الفردي. فالإبداع هو ابتداع، هو شغب إيجابي على المسار، هو خروج عن منطق الجموع؛ من حيث هو يشترط أصالة التفكير. وهذا لا يكون إلا لفرد حر، يشعر بحريته من حيث هو فرد واع مستقل، أي يشعر بحريته من حيث فردانيته، وليس من خلال الوعي العام للجماعة باستقلال حقيقي أو مزعوم.

 في عالم الشرق (عالم ما سوى الغرب)، ثمة تأكيد ثقافي على الإنسان، ولكنه تأكيد يتمحور حول أوهام غائمة عن الإنسان، وليس عن الإنسان في وجوده الحقيقي: الوجود الفردي العيني. في الشرق، هناك ثقافات روحية/ روحانية تحاول إقامة مشروعية لكرامة الإنسان، بل ولتأبيده في الزمان، ولكنها مشاريع غير واقعية إنسانيا، إذ هي تحيل إلى عالم آخر، عالم غير ملموس، عالم لا يرتبط بوجود الإنسان كواقعة عينية فريدة في هذا العالم. ثم إضافة إلى هذا، وليس ببعيد عنه من حيث التأثير والتأثر، هناك في الشرق ثقافات إنسانية ذات طابع مادي/ واقعي أو شبه مادي/ شبه واقعي، ولكنها تحيل إلى "وهم المجموع": حرية الشعب/ الأمة، كرامة الشعب/ الأمة، استقلال الشعب/ الأمة، بينما الشعب كأفراد، أي الأفراد في وجودهم المتعين: غائبون مغيبون، يبحثون عن فتات حرية، أو عن فتات كرامة، بل وأحيانا عن فتات طعام يحررهم من عبودية الأمعاء الخاوية؛ فلا يجدون حتى هذا الفتات!.

يكثر الحديث في الشرق عن الإنسان وعن حقوق الإنسان، ولكنه حديث عن "الإنسان الشعار" الذي لا وجود له، أي الشعار الذي لا يتحقق في الأفراد، فالحقوق الإنسانية ينالها المجموع في مسماه العام؛ ولكن لا أحد/ لا فرد يتمتع بها على أرض الواقع. الفرد في الشرق مجرد رقم في مجموع أرقام، بل مجرد نقط لا هوية لها من ملايين النقاط، حيث يجري تأطيره وتكييفه وتنميطه؛ ليتلاءم مع المنطق الكلي للمجموع الذي هو المنطق الإيجابي في تصوّر الشرقيين.

الاختلاف بين الشرق والغرب في هذا المجال يصل حد التضاد في معظم الأحيان. الحديث عن الإنسان وحقوقه في الغرب هو حديث عن "كل إنسان" في مستوى تحققه الفردي العيني. وهذا مرتبط بكون الإنسان في التاريخ الغربي هو إنسان متفرد، وتفرده لا يأتي إلا من خلال حريته كفرد مستقل. وهذا الفرد الحر/ المستقل لا حضور له في الثقافات الشرقية ذات الطابع الكلياني؛ كما لاحظ ذلك كثير من الدارسين. فعند هيجل "لم يكن الشرقيون القدماء على وعي بأن الروح حر، فلم تكن هناك حرية إلا للفرد الواحد، وكان مفهوم الحرية لديهم غامضا فجا يتمثل في الاستبداد والطغيان". وهيجل يؤكد تاريخية هذا الوعي، وتفرد الغرب به منذ فجر تشكله، فلا ريب عنده أنه قد "انبثق الوعي بالحرية لأول مرة لدى اليونان" (في فلسفة التاريخ، أحمد محمود صبحي، ص212). 

نعم، ثمة تطورات في حقوق الإنسان في العالم الشرقي، وخاصة الشرق الأقصى؛ بفعل تعولم القيم الغربية.

 

  يستطيع الشرق تقليد الغرب، يستطيع الشرق التغرب إلى درجة التماهي بالغرب ماديا، يستطيع الشرق أن يأخذ التكنولوجيا الغربية ببراعة فائقة، وبسرعة غير متوقعة، ولكنه يتعثر كثيرا وكثيرا في استلهام مقولات التفرد الإنساني في تمظهرها الحرياتي. نعم، ثمة تطورات في حقوق الإنسان في العالم الشرقي، وخاصة الشرق الأقصى؛ بفعل تعولم القيم الغربية، ولكنها تطورات لا تتساوق مع حجم التطور المادي/ التقني، بل قد يكون التركيز على هذا المضمار الآلي المادي تعويضا أو تعمية عن القصور المتعمد في الجوانب الإنسانية. ويكفي أن اليابان التي هي من أكثر دول الشرق تقدما، بل وأقدمها انخراطا في هذا المضمار، لم تصل بعد في تصوراتها الإنسانية، وخاصة في تمظهرها الفردي، إلى ما وصلت إليه دول العالم الغربي: أميركا وأوروبا الغربية (لرؤية أبعاد هذه الرؤية، يمكن مراجعة ما كتبه لاري ريموند عن الديمقراطية اليابانية في كتابه: "روح الديمقراطية").

 قد تتبنى إحدى دول الشرق صراحة أحدث وأرقى مقولات حقوق الإنسان، وقد تبدأ في تطبيقها على أرض الواقع (مع أن هذا لم يحدث حتى الآن)، ولكنها ستكون في النهاية حقوقا هشة، قابلة للانكسار والتراجع. والسبب في ذلك، أن الغرب إذ يؤكد على منظومة حقوق الإنسان فإنه يقف على قاعدة وعي صلبة، إنه يتكئ على سرديات تاريخية كبرى، تشكلت على مدى 2500 عام على يد كبار الفلاسفة وعمالقة الفكر الإنساني، وترسخت في تفاصيل الثقافة؛ كما في تفاصيل الواقع، بالتواشج مع وقائع التاريخ الكبرى التي لا تزال حية في الوعي الجمعي. بينما هي في الشرق طارئة على الوعي الجمعي، بل إن ما في الوعي الجمعي يضادها ويناقضها، وبالتالي، يضعف الإيمان بها ويهمشها؛ فتتضاءل التضحيات لأجلها، وحتى إن تحققت في ظرف ما، لسبب أو لآخر؛ يسهل الرجوع عنها من أقصر طريق.

إن شواهد الواقع الراهن التي تتوالى باستمرار، تؤكد الفرضية التي أزعمهما في هذا المجال. اليوم تحقق الصين أعلى معدلات التقدم، تسعى لتكون الدولة الأولى في أكثر من مجال، ولكنها في هذا المجال (مجال حقوق الإنسان) تقع في أدنى درجات التخلف الإنساني. ليس الأمر متعلقا بما يتعرض له الأويغور فحسب، وإنما هو أيضا حكم عام يتجاوز ذلك إلى تفاصيل نظام الإدارة السياسية والاجتماعية في الصين، حيث الفرد ملغى لحساب المجموع، حيث الانغلاق سياسية حتى على مستوى التطبيقات التواصلية التي يستخدمها العالم كله، فيما تبتدع الصين تطبيقاتها الخاصة التي تعزلها – قدر ما تستطيع – عن العالم.

يستحيل أن يقع في الغرب ما وقع في الاتحاد السوفياتي قديما، أو في الصين حديثا. وإن وقع (كما في النازية مثلا)؛ فسرعان ما يلفظه النسق الثقافي بعيدا، حتى يجعله مثالا/ نموذجا مستقبحا يشهد على بشاعة انتهاكات النظام الشمولي/ التوتاليتاري لأبسط حقوق الإنسان، أي يجعله مثالا حيا لأقصى وأقسى ما يمكن أن تسببه التصورات الكُلْيانية التي لا تعترف بالوجود الفردي الحر للإنسان.  

يمكن ملاحظة هذا البعد اللاإنساني الشرقي حتى في الوقائع والأحداث العابرة على شاشات الأخبار اليوم. في الشرق أو في الغرب، تقع كارثة ما، انفجار ما، انهيار ما، يذهب العشرات فيه ضحية إهمال أو سوء إدارة. وهنا، تختلف ردة الفعل الثقافية والنظامية. في الغرب، تقوم الدنيا، تتحرك المنظمات المدنية، تقع الإدارة السياسية في مأزق، ينتفض الإعلام غضبا، كل الأجواء تجعل المراقب يشعر بأهمية هذه الأرواح حتى ولو كانت بعدد أصابع اليد الواحدة. بينما في الشرق، في روسيا أو الصين مثلا، لو وقعت – وقد وقعت !- حوادث مثل هذه، فلا شيء، الأمور تمضي حتى لو كان الضحايا بالمئات أو حتى بالآلاف. تتأكد بهذه الملاحظة أن حياة الإنسان في روسيا أو الصين ليست بذات القيمة التي هي عليها في ألمانيا أو فرنسا أو هولندا...إلخ دول الغرب.

قد تتشابه كثير من نصوص القوانين/ الأنظمة بين الشرق والغرب، لكنها في الغرب مدعومة بثقافة راسخة متجذرة مهيمنة على نظام الوعي العام، وحاضرة في تشكلات مؤسساتية حكومية ومدنية، بينما هي في الشرق مجرد حبر على ورق، مجرد مقولات شعارتية تحتال عليها الثقافة الشمولية المعادية للفرد؛ بواسطة ممثليها الأصلاء، بل قد تستخف بها جهارا؛ من دون أن يرف لها جفن من خوف أو خجل.

أيضا، يمكننا – كعرب – رؤية هذا التمايز الحاد بين "الإنسانية الغربية" و "اللاإنسانية الشرقية" في واقعنا؛ بالنظر إلى نمط التحالفات العربية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين. لو تأملنا المشهد من بعيد، وبعيدا عن التفاصيل، سنجد أن الدول العربية التي تحالفت مع الشرق: الاتحاد السوفياتي والصين - وهي في معظمها أنظمة عسكرية انقلابية – سادها القمع والاستبداد في أعلى درجاته توحشا، بينما الدول العربية التي تحالفت مع الغرب: أميركا بريطانيا فرنسا...إلخ، مرت عليها نفحات "الإنسانية الغربية"، وبدا وكأنها تحاول التلاؤم مع ثقافة حلفائها الأقوياء، أو - على الأقل - أن تتجنب الصدام المباشر والصريح مع أهم ما يؤمن به أولئك الحلفاء، فضلا عن كون التحالف السياسي يتضمن بالضرورة تثاقفا على أكثر من مستوى، وهذا بدوره لا بد وأن يعيد تشكيل وعي التكنوقراط الذين ستنعكس رؤيتهم على أرض الواقع بمستوى ما، وبصورة ما، قد لا تكون مقصودة/ واعية في بعض الأحيان.       

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
حقوق الإنسان بين الشرق والغرب BBCDDFAC-81CA-4FE3-94D7-8B44B32C4037.jpg Shutterstock حقوق-الإنسان-بين-الشرق-والغرب- حقوق الإنسان بين الشروق والغرب 2019-09-23 14:51:56 1 2019-09-23 14:59:33 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟