اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

513458 4

هشام ملحم/

يعتبر الهجوم الصاروخي ضد منشآت النفط السعودية في بقيق وخريص تحولا نوعيا في علاقات إيران بالسعودية وبالولايات المتحدة، اللتين حملتا طهران مسؤولية الاعتداء، كما يمكن أن تؤدي مضاعفاته، وتحديدا كيفية رد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هذا التصعيد الخطير إلى تغييرات جذرية في تعامل الولايات المتحدة مع منطقة الخليج ككل.

الهجوم أوضح بشكل لا لبس فيه بعض الحقائق التي يجب التوقف حولها حين مناقشة المستقبل القريب للمنطقة. إخفاق الدفاعات السعودية في التصدي للهجوم الإيراني، وهو إلى حد ما إخفاق أميركي أيضا، أبرز حقيقة محرجة لدول الخليج العربية، وهي أن منشآتها النفطية الضخمة مكشوفة ومعرضة لهجمات صاروخية غير مكلفة للطرف المهاجم، خاصة وأن الهجوم أظهر وجود قدرات إيرانية لتصنيع صواريخ ومسيرات تحلق على علو منخفض، لا تستطيع بطاريات صواريخ باتريوت الأميركية المصممة للتصدي للصواريخ الباليستية التصدي لها بفعالية. الهجوم الصاروخي الإيراني، الذي ألحق بالمنشآت النفطية أضرارا جسيمة سيستغرق إصلاحها بضعة أشهر وليس بضعة أسابيع كما قيل في البداية، كشف حقيقة مؤلمة للسعودية، وهي أنها "قصر من دون سقف".

إيرانيا، الهجوم يعكس وصول النظام الإيراني إلى منعطف خطير اقتصاديا، يتطلب توجيه تحديات نوعية وغير مسبوقة للوضع الراهن الذي فرضته العقوبات الاقتصادية الشاملة التي أمر بها الرئيس ترامب في السنة الماضية، وإخفاق الأوروبيين في التوصل إلى صيغ ومقترحات مالية لصيانة العلاقات التجارية للدول الموقعة على الاتفاق الدولي مع إيران: فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وتوفير خط ائتمان مالي لمساعدة الاقتصاد الإيراني.

وبينما كانت صادرات إيران النفطية قبل سنتين تصل إلى حوالي مليونين ونصف المليون برميل من النفط يوميا، انحسرت في الأشهر الماضية إلى ما بين 150 و300 ألف برميل في اليوم. التظاهرات الاحتجاجية على الوضع الاقتصادي المتدهور التي شهدتها بعض المدن الإيرانية في الأشهر الماضية، أبرزت إلى العلن المعضلة الاقتصادية الإيرانية.

سيف من خشب؟

خلال الأشهر والأسابيع الماضية، بدأت إيران بحملة تصعيد تدريجي للضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والخليجيين، شملت اعتراض واختطاف وتفجير ناقلات نفط تملكها دول أوروبية وخليجية، وصاحبها تحرشات قامت بها البحرية الإيرانية في الخليج ضد السفن الحربية الغربية.

ورافق هذه الخطوات تصعيد في الهجمات الصاروخية الحوثية ضد أهداف في عمق السعودية شملت مطارات مدنية ومنشآت نفط. وللمرة الأولى قامت ميليشيات عراقية موالية لإيران بإطلاق صواريخ من العراق ضد منشآت نفطية في السعودية.

وبتاريخ 20 حزيران –يونيو أسقط الحرس الثوري الإيراني طائرة استطلاع أميركية من دون طيار فوق منطقة مضيق هرمز. إسقاط طائرة الاستطلاع المتطورة، وهي بقيمة 130 مليون دولار، كان تصعيدا نوعيا قرب أميركا من المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران. الرئيس ترامب أمر بقصف مواقع للصواريخ الإيرانية، ولكنه عدل عن رأيه قبل دقائق من موعد الهجوم.

ترامب الذي لا يجيد اللغة الدبلوماسية لا بل ينبذها باعتزاز، أدلى بتصريحات فظة أدت بقصد أو غير قصد إلى تعميق قلق حلفائه في الخليج.

 

قرار ترامب المفاجئ، والذي اتخذه من دون مشاورة نائبه ووزيري الدفاع والخارجية ومستشار الأمن القومي، أحدث جدلا مثيرا في واشنطن والعواصم المعنية. وربط عدد من المعلقين مواقف وتصريحات الرئيس ترامب في الأسبوع الماضي – والتي تراوحت بين التهديد العقابي المباشر لإيران، وبين إرسال المؤشرات الوفاقية والسلمية – بالتراجع عن قراره معاقبة إيران بعد إسقاط طائرة الاستطلاع.

وتقول مصادر مطلعة على الاتصالات الراهنة بين واشنطن ودول الخليج، إن المسؤولين الخليجيين يعتقدون أن إخفاق ترامب في الرد العسكري على إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية، قد ساهم في إقناع المسؤولين الإيرانيين بأن ترامب يمسك بسيف خشبي، وأنه لا يريد التورط في مواجهة عسكرية مع إيران، يعرف في أي وقت يبدأها، ولكنه لا يعرف بثقة في أي وقت ينهيها، لأنه كما يردد العسكريون الأميركيون، للعدو صوت في إنهاء القتال. وليس من المبالغة القول إن التصعيد غير المسبوق الذي مثله تفجير منشأتي بقيق وخريص هو نتيجة حتمية لتراجع ترامب عن الضربة العقابية لإيران.

ويرى محللون سياسيون وعسكريون في واشنطن أن هذا التقويم الإيراني لتردد الرئيس ترامب في استخدام القوة العسكرية، يفسر هذه المجازفة الإيرانية بتوجيه ضربة صاروخية، بهذا الحجم الكبير ضد منشآت نفطية هامة لإمدادات النفط العالمية، وهي تدرك مسبقا أن واشنطن وحلفاؤها سيتحققون من أن الهجمات جاءت من أراضيها. وهذا يعني أن إيران لا تمانع باستدراج الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج إلى مواجهة عسكرية محدودة، تعتقد أنها قادرة على استيعابها.

ووفقا لهذا السيناريو، سترد إيران، كما يكرر المسؤولون فيها، بقصف منشآت النفط في السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، خاصة وأن هذه المنشآت كما تبين في حالتي بقيق وخريص مكشوفة ومن الصعب جدا وضعها تحت مظلة صاروخية تحميها من صواريخ كروز والمسيرات الصغيرة التي تحلق على علو منخفض. لماذا يتوقع الإيرانيون ضربة محدودة؟ لأن مختلف المؤشرات المباشرة من الرئيس ترامب، ومن كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين في وزارة الدفاع وفقا للإيجازات والتسريبات الخلفية للصحفيين، تؤكد أن الرئيس ترامب لا يريد قطعا التورط في حرب شاملة مع إيران، قبل 14 شهرا من الانتخابات الرئاسية، ونظرا لوجود معارضة قوية في الكونغرس وفي أوساط الرأي العام لحرب جديدة في الشرق الأوسط. وحتى الذين يتهمون الرئيس ترامب بتغيير مواقفه، يقولون إنه كان قبل انتخابه ولا يزال حتى الآن يعارض استمرار ما يسميه "الحروب التي لا نهاية لها " من أفغانستان، ومرورا بالعراق إلى سوريا. وسيحاول ترامب في الأشهر المقبلة تخفيض عديد القوات الأميركية في هذه الدول.

من "الأصبع على الزناد" إلى "الحل السلمي"

بدأ الأسبوع الأول بعد الهجوم الإيراني بتهديد مباشر من الرئيس ترامب بأن القوات الأميركية جاهزة للرد، وأن "الإصبع على الزناد".  وانتهى بمناشدات من وزيري الدفاع والخارجية لإيران للقبول بحل سلمي للأزمة. هذا ما قاله الوزير بومبيو الأحد: " مهمتنا هي تفادي الحرب". وبعد اجتماعين لمجلس الأمن القومي يومي الخميس والجمعة قررت إدارة الرئيس ترامب نشر قوات إضافية جديدة ومتواضعة، أي مئات وليس آلاف الجنود في السعودية والإمارات برفقة أنظمة صاروخية مضادة للصواريخ وغيرها من المعدات "ذات الطبيعة الدفاعية" كما أعلن وزير الدفاع مارك إسبر. وتم تمديد فترة بقاء حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في منطقة الخليج.

لدى ترامب خيارات عسكرية عقابية، ولكنها خيارات محدودة.

 

وبين يومي الاثنين والأحد، شهدنا تنويعات عديدة على الموقف الأميركي تؤكد بعض الحقائق "الخليجية" التي جلبها معه الرئيس ترامب، وأخرى ورثها من أسلافه ويحاول الآن الاستفادة منها. أبرز هذه الحقائق "الخليجية" هي أن العطش الأميركي القديم إلى نفط السعودية، ونفط الخليج بشكل عام، قد انتهى عمليا، وهذه حقيقة برزت خلال ولايتي الرئيس باراك أوباما حين زاد إنتاج النفط في البلاد بأكثر من 4 ملايين برميل في اليوم. وإذا بقيت السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، فإن الولايات المتحدة في 2019 هي أكبر منتج للنفط في العالم. ومنذ ولايتي أوباما بدأت الولايات المتحدة ما يمكن وصفه بالانسحاب التاريخي البطيء من منطقة الخليج، ليس فقط بسبب زيادة إنتاج النفط، بل أيضا بسبب الثمن الباهظ ماليا وبشريا الذي دفعته الولايات المتحدة بسبب غزوها للعراق، الذي أدى من دون قصد إلى تعزيز نفوذ إيران في العراق. والرئيس أوباما طالب دول الخليج بضرورة تحمل المزيد من مسؤوليات الدفاع عن نفسها وتدبير أمورها. (إحدى النتائج الكارثية غير المقصودة لهذا الموقف، هو القرار السعودي بشن حرب جوية مكلفة ومدمرة في اليمن بدلا من أن تؤدي إلى احتواء الحوثيين أو جلبهم إلى طاولة المفاوضات، فتحت المجال أكثر لإيران لتكثف من دورها العسكري والتخريبي في اليمن). إرسال قوات أميركية محدودة إلى السعودية والإمارات لا يغير حقيقة أن واشنطن تقوم بفك ارتباطها التاريخي بالخليج وأن ببطء شديد. هذا أهم ما ورثه ترامب خليجيا من أسلافه.

الانسحاب البطيء من الخليج

ترامب الذي لا يجيد اللغة الدبلوماسية لا بل ينبذها باعتزاز، أدلى بتصريحات فظة أدت بقصد أو غير قصد إلى تعميق قلق حلفائه في الخليج بشأن التزام أميركا- ترامب بالدفاع عنهم ووقايتهم من الخطر الإيراني. وقال ترامب في تغريداته وتصريحاته إن الهجوم استهدف السعودية وليس الولايات المتحدة، مؤكدا أن الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط في العالم لم تعد بحاجة إلى النفط السعودي كما كانت قبل عقود، وطمأن المستهلكين الأميركيين وأسواق النفط العالمية بأنه أجاز استخدام الاحتياط الأميركي الاستراتيجي من النفط إذا دعت الضرورة. وإذا لم تكن هذه المواقف محرجة بما فيه الكفاية لدول الخليج، لم يلغ ترامب كليا احتمال اجتماعه بالرئيس الإيراني حسن روحاني في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على الرغم من أنه عشية توجهه إلى نيويورك قال ترامب إن الاجتماعات الخمسة عشر التي سيعقدها مع قادة الدول لا تشمل اجتماعا مع روحاني. ولكن مجرد إبقاء مثل هذه القمة قيد النقاش، بعث برسالة سلبية إضافية إلى الرياض وأبو ظبي. ردود الفعل السياسية والعسكرية على الهجوم الإيراني، أظهرت أيضا أنه لا يوجد هناك تفاهم سياسي وعسكري مسبق بين واشنطن وحلفائها الخليجيين حول كيفية التعامل مع هجوم مثل الذي تعرضت له المنشآت السعودية. وتبقى أبرز حقيقة جلبها معه الرئيس ترامب إلى الحكم، وعبّر عنها بشكل نافر في البيت الأبيض بصفته رجلا يرى كل شيء من منظور مالي ومنفعي، حين قال إنه في حال قرر اللجوء إلى الخيار العسكري بالمشاركة مع السعودية، فإن المسؤولين السعوديين يدركون أن عليهم أن "يدفعوا" ثمنا ماليا للدور الأميركي، الأمر الذي أثار استياء سياسيين ومعلقين أميركيين اتهموا الرئيس ترامب بالنظر إلى القوات الأميركية المسلحة، كقوات مرتزقة.

هذه الحقائق لا تغير جذريا المعضلة التي لا يزال يواجهها الرئيس ترامب في أعقاب التصعيد الإيراني الذي يهدف إلى تقويض الوضع القائم في المنطقة، الذي سيؤدي بقاؤه برأي القادة الايرانيين إلى تقويض النظام الايراني. الإصرار الأميركي على مواصلة تعزيز سياسية "الضغوط القصوى" الاقتصادية ضد إيران، كما رأينا في قرار فرض العقوبات على البنك المركزي الإيراني قبل أيام، والذي يقابله الإصرار الإيراني على رفض التفاوض مع واشنطن بشأن اتفاق نووي جديد، يعني أن إيران ستواصل تصعيدها العسكري ضد الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.  الوزير مايك بومبيو قال الأحد إنه لا يزال يتوقع أن ترغم الضغوط الاقتصادية إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات. ولكن السؤال يبقى، كيف سيتعامل الرئيس ترامب مع استمرار الاستفزازات والتصعيد الإيراني العسكري؟ طبعا، لدى ترامب خيارات عسكرية عقابية، ولكنها خيارات محدودة كما تدرك إيران، ومعضلة الرئيس الأميركي هي أنه لا يستطيع أن يتنبأ بطبيعة وحجم وفعالية الرد الإيراني العسكري المباشر وغير المباشر، أي عبر وكلائها وعملائها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. والرئيس ترامب لا يريد التورط في مجازفات من هذا النوع. وإذا كان الخيار العسكري غير جذّاب لترامب، فإن خيار التمسك "بالحل السلمي" الافتراضي سيكون مكلفا لسمعة وصدقية الولايات المتحدة ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في العالم كله.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
إيران تشن هجوما صاروخيا على الوضع الراهن في الخليج  7EE36B04-137C-41FA-A9DB-313E889B841B.jpg Reuters إيران-تشن-هجوما-صاروخيا-على-الوضع-الراهن-في-الخليج- الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجتمع مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان_ أرشيف 2019-09-24 12:43:14 1 2019-09-24 12:43:57 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟