حاملة الطائرات يو أس أس أبراهام لينكون في الخليج- أرشيف
حاملة الطائرات يو أس أس أبراهام لينكون في الخليج- أرشيف

513845 4

جويس كرم / 

لم تفض اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بأي اختراق ديبلوماسي يذكر بين دول الخليج العربية وإيران أو بين طهران وواشنطن. لا بل يمكن القول إن الأزمة أعمق بعد اجتماعات نيويورك عما كانت قبله، ولا ضوء قريب في نهاية النفق.

المشهد في الخليج هو مشهد احتقان ويقترب من المواجهة منه الى الانفراج بين إيران والجوار، وما "بعد اعتداء أرامكو ليس كما قبله" على حد قول مسؤول رفيع المستوى من دولة خليجية في نيويورك. التوقعات تتجه نحو المزيد من التصعيد وليس التراخي في المواقف، وهذا يعود لسبيين: 

أولا، لم يتم أي لقاء أو مصافحة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني، والطرفان اختارا رفع وتيرة المواجهة. واشنطن فرضت المزيد من العقوبات وإيران زادت منسوب التخصيب نهاية الأسبوع. الجانب الأميركي لم يعد بوارد تقديم تنازلات بعد اعتداءات أرامكو، والجانب الإيراني غاضب ويريد تثبيت حضوره ونقمته بشتى الوسائل. ينقل مصدر مطلع كان على طاولة عشاء مع روحاني في نيويورك، قوله إن إيران اليوم ترى أنها "برهنت للأميركيين من يمسك أمن الخليج"، وهي ليست بصدد التراجع.

أما الجانب الأميركي فيرى في الموقف الأوروبي الجديد الداعي لمحادثات تتخطى الشأن النووي مع إيران ويلوم طهران على اعتداءات أرامكو، مبررا لنجاح الاستراتيجية الأميركية. فتركيز إدارة ترامب في قاعات الأمم المتحدة لم يكن على المفاوضات مع إيران بل على توظيف التقارب مع أوروبا في هذا الملف، ولإقناع مجلس الأمن بتمديد حظر الأسلحة ومنع قيادات فيلق القدس بينهم قاسم سليماني من السفر واستقطاب الأوروبيين للتحالف البحري الذي تشكله واشنطن في منطقة الخليج. هذه الاجراءات تنتهي صلاحيتها في تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٠. 

أما القنبلة السياسية التي فجرتها زعيمة مجلس النواب نانسي بيلوسي بإعلان بدء تحقيق لعزل ترامب من الرئاسة، فهي من شأنها أن تلهي الرئيس الأميركي وتقلل من تغريداته حول إيران وروحاني، مقابل إمكانية تقوية وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي في إدارة هذا الملف.

ثانيا، خليجيا، ليس هناك أجواء تهدئة في الأفق. فالسعودية تنتظر إعلان الأمم المتحدة لنتائج التحقيق ومصدر الاعتداء وبدأت بتعزيز دفاعاتها الجوية خصوصا من الجهة الشمالية وتسلم بطاريات باتريوت واستقبال قوات أميركية. أما الرد فسيكون كما قال وزير الدول السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير عبر مجلس الأمن بعد انتهاء التحقيق. فالسعودية كما الإمارات العربية المتحدة يمضيان بنهج حذر ومترو في التعاطي مع التحدي الإيراني ومن دون الاستعجال في الرد. هناك إدراك أن العقوبات تؤذي إيران وأنه بعد البيان الأوروبي لا يمكن العودة إلى ما كان عليه الواقع خلال الاتفاق النووي. فأي محادثات مع إيران ستشمل على الأرجح ملف الصواريخ، والملفات الإقليمية. إنما إلى حين بداية المفاوضات، فهناك توقعات باستمرار التصعيد في أكثر من ساحة بينها العراق وسوريا أو مياه الخليج.

طبعا هذا لا يعني أن الباب مغلق بالكامل أمام المفاوضات وأنه ليس هناك سبل لتخفيض حدة التشنج. ساحة اليمن هي نقطة محتملة لتقديم تنازلات تعكس حسن النية من جميع الأطراف خصوصا أن المحادثات الأميركية جارية مع الحوثيين. كما يشكل ملف الرهائن فسحة لتخفيف الاحتقان، وهو ما تم اقتراحه أكثر من مرة من قبل المسؤولين الأميركيين والإيرانيين. يبقى التحدي الأصعب في هذه التنازلات هو التجاذب بين الحرس الثوري الإيراني وروحاني داخل إيران وبدء الصراع على مرحلة ما بعد خامنئي.

التوتر والتشنج الاقليمي تصاعد مع إيران بعد اجتماعات الأمم المتحدة ونحن أمام مرحلة استمرار شد العضلات والرسائل الأمنية إلى أن ينضج إطار المفاوضات الشاملة على قضايا أبعد من التخصيب والملف النووي. وفي هذه المرحلة فإن الهزات الأمنية هي جزء من استراتيجية إيران لتصوير قوتها وللرد على العقوبات.

-------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الخليج على شفير المواجهة  83EEB198-548E-4610-86D9-3F9A71B3680A.jpg AP الخليج-على-شفير-المواجهة- حاملة الطائرات يو أس أس أبراهام لينكون في الخليج- أرشيف 2019-09-27 11:51:35 1 2019-09-27 11:53:35 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟