محادثات السلام السورية في أستانا
محادثات السلام السورية في أستانا

513954 4

مصطفى فحص/

مما لا شك فيه أن الجهات الدولية والإقليمية راعية تشكيل اللجنة الدستورية السورية تستطيع أن تفرض على أعضاء اللجنة كتابة نص دستوري جديد أو تعديل نصوص ومواد في الدستور السابق وفقا لشروطها الجيو-عقائدية، كما أن الجهة الأقوى التي ستفرض على ما تبقى من الشعب السوري الإلتزام بما توصلت إليه اللجنة المُوكل إليها كتابة الدستور لمرحلة يصفها بعض المتحمسين لها بالجديدة في تاريخ الحرب السورية، ولكنها هي أقرب إلى مرحلة اللامرحلة أو المراوحة ما بين مرحلة انتهت وأخرى لم تتبلور بعد.

بالرغم من المشهد الذي فرضه الأقوياء في الميدان إلا أنهم عالقون في استحالة العودة إلى ما قبل 18 مارس 2011 أو الانتقال إلى ما بعدها، حيث تحاول موسكو بوصفها الراعي الرسمي للحل السياسي في سوريا الذي بدأته في 15  أيلول 2015 عندما أطلقت عمليتها العسكرية من أجل إنهاك المعارضة بهدف إخضاعها، من كتابة دستور تصفه بالديمقراطي، ولكنها على الأرجح ستخطط لتطبيقه بأسلوب استبدادي في استنساخ لتجربتين، الأولى ستالينية في دستور 1935، والثانية بوتينية ما بعد سنة 2000، حيث تم تعطيل أو تعديل مجموعة من القوانين والنصوص الدستورية وفقا لمصلحة سلطة الفرد على حساب الحريات العامة وتداول السلطة واحترام القوانين التي يتضمنها دستور الإتحاد السوفياتي في زمن الديكتاتور جوزيف ستالين، وكذلك دستور روسيا الاتحادية في زمن القيصر الجديد فلادمير بوتين.

فعلى الأرجح أن الدستور المزعوم سيلحظ ضرورة القيام بعملية انتقال سملي للسلطة ويشدد على تداولها وإلغاء سلطة الفرد لصالح المؤسسات وسينص على الدور الرقابي للبرلمان والقضاء واستقلالية عملهما، ولكن في سوريا الحالية من المستحيل أن تطبق أي قوانين دستورية إذا استمر ما تبقى من النظام السوري في السلطة، ففي دمشق نظام أمني يتقن تطبق قراءاته الخاصة للمواد الدستورية والقانونية وفقا لتفسيرات أمنية تحميه وتحافظ على مكتسباته وليس وفقا لشروط ديمقراطية وانتخابية يجب مراعتها، لذلك فإن أي دستور جديد لا ينص صراحة على إنتقال كامل للسلطة وبناء نظام جديد وإعادة هيكلية المؤسسات العسكرية والأمنية لا يمكن إلا أن يكون تأسيسا لمرحلة عنف جديدة طويلة الأمد، كردة فعل طبيعية رافضة لمحاولات إعادة تثبيت نظام الأسد.

إضافة إلى حالة التواطؤ الدولي ضد ثورة الشعب السوري التي لا يمكن اختزال حجم تضحياتها بلجنة دستورية ستقوم بتغييرات شكلية في تركيبة الدولة، ولكنها لن تمس جوهر تركيبة النظام السوري العسكرية الأمنية والعقائدية، وفي هذا الصدد يقول سفير واشنطن السابق في دمشق روبرت فورد "إن المشكلة السورية الحقيقية تكمن في الدولة الأمنية البوليسية التي لا تقبل المساءلة، وتغتال أو تعتقل كل من يطالب بالتغيير الحقيقي بصرف النظر تماماً عن وجود الدستور من عدمه".

عمليا نحجت موسكو ومن خلفها طهران والنظام ليس فقط بإلغاء الحديث نهائيا عن مقررات مؤتمر جنيف 2012 بل تمكنوا من إفراغ القرار الأممي 2254 من مضمونه، خصوصا أن القرار المذكور أكد في أحد بنوده على تشكيل هيئة حكم إنتقالي تتولى كافة السلطات وتشرف على كتابة دستور جديد، وهذا يعني أن موسكو من خلال السيطرة على تركيبة اللجنة الدستورية قامت بإلغاء أي احتمال لدور أممي في الحل في سوريا، خصوصا بعد تبني الإدارة الأميركية الحالية مواقف أكثر سلبية من مواقف الإدارة السابقة التي هندست عملية الانكفاء الأميركي عن الأزمة السورية، الأمر الذي مهد الطريق  أمام موسكو للقيام بعملية ملء الفراغ عبر تبنيها لثورة مضادة في اتجاهين، عسكرية نجحت في قلب موازين القوى على الأرض لصالح طهران والأسد، وسياسية بعدما تمكنت من التفرد بالورقة السورية وفرض رؤيتها للحل السياسي الذي لا يتضمن أي مقاربة تطال الأسد بصوفه رأس الهرم لنظام لا يمكن تفكيكه أو إدخال بعض الإصلاحات أو التعديلات على بنيته، لقناعتها -أي موسكو- بأن  المساس به سيؤدي إلى خلل عام في التركيبة الأمنية العسكرية المسيطرة، والتي لا تحتمل بنيتها أي تغييرات خوفا من انفراط حلقاتها المتداخلة، بحيث إن أراد أي طرف إصلاحها يصح عليها المثل القائل (مثل الذي يحفر قبره بيده).

تعتقد موسكو من خلال القوة المفرطة، إضافة إلى تخلي المجتمع الدولي عن أخلاقياته في محنة الشعب السوري، أنها تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكنها مع كل ما تملك من قوة تعرف أن الزمن يسير بإتجاه واحد، وأنه من المستحيل أن تعود العقارب إلى الوراء، لذلك وهي بالرغم من إعلانها الإنتصار لكنها تعلم أنه لن يدوم طويلا إذا لم تضمن مسألتين، الأولى قبول الشعب السوري بمشروعها وهو أمر بالغ الصعوبه لأنها تعادي أغلبيته، ومن جهة ثانية هل ستقبل واشنطن عرض موسكو للدستور السوري الجديد أم أنها ستستمر في المماطله من أجل توريطها أكثر في الوحل السوري، خصوصا أنها تحولت إلى دولة احتلال لا يمكن لها أن تحقق سلاما بات شبه مستحيلا. 

__________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

اللجنة الدستورية... تأسيس جديد للعنف وليس للحل 4836A117-6EF8-452D-B2DF-79B137E44746.jpg AFP اللجنة-الدستورية-تأسيس-جديد-للعنف-وليس-للحل محادثات السلام السورية في أستانا 2019-09-28 09:20:29 1 2019-09-28 09:44:46 0

عقيل عباس

كان العراق يأمل في اغتنام قمة بغداد العربية لإعلان عودته كلاعب مؤثر على المسرح الإقليمي، لكن الحدث انتهى بنكسة دبلوماسية، على ما يبدو، كشفت عن انقسامات داخلية عميقة.

في هذه المقابلة، يوضح الخبير السياسي، الكاتب، الدكتور عقيل عباس، أن فشل القمة لا يرتبط بغياب القادة العرب بل هو نتيجة تخريب داخلي، وسلوك سياسي غير مقبول.

ـ هناك شبه إجماع على فشل القمة العربية في بغداد. هل تتفق مع هذا التوصيف؟

ـ القمم العربية عموما فاشلة لأسباب بنيوية ليست مرتبطة بالضرورة باستضافة العراق لهذه القمة. لكن في قمة بغداد كان هناك فشل مضاعف بسبب الصراع السياسي العراقي-العراقي حول تنظيمها. هناك أطراف أرادت ألا تحصل حكومة (رئيس الوزراء العراقي محمد شياع) السوداني على ما يمكن أن نسميه منجز تنظيم قمة سلسة أو قمة بمستوى القمم الأخرى حتى وإن كانت من دون نتائج عامة عربية، لكن بمشاركة عالية من الزعماء، وحصول اجتماعات جانبية، هي في العادة أهم من الاجتماع العام.

ـ لكن غياب معظم القادة العرب لم يكن بقرار عراقي داخلي.

ـ صحيح، لكن كان هناك سلوك سياسي عراقي أدى إلى تضامن القادة العرب في قرارهم عدم المجيء إلى بغداد. كان هناك خطاب عدائي نحو الكويت، وإثارة لموضوع خور عبدالله. فاستنجدت الكويت بمجلس التعاون الخليجي ومارست ما تستطيع من تأثير على الزعماء الآخرين كي لا يحضروا. إضافة إلى ذلك، الحديث عن وجود مذكرة إلقاء قبض على الرئيس السوري أحمد الشرع، هذا الحديث غير مناسب وغير مقبول، فضلا عن تهديد بعض قادة الكتل السياسية في العراق بأنهم لا يضمنون سلامته إذا حضر القمة. 

هذا الكلام يتجاوز أبسط القواعد البروتوكولية، فالعراق ملزم وفق نظام الجامعة العربية بأن يستضيف كل الزعماء العرب. حديث بعض أطراف الإطار التنسيقي، وهو الائتلاف الحاكم في العراق، بهذا الشكل يبعث رسائل بأن هناك فوضى سياسية في العراق وليس هناك وحدة في القرار السياسي.

ـ ماذا كشفت هذه القمة عن علاقة العراق بما يُسمى "الحاضنة العربية، في رأيك؟

ـ أعتقد أن العالم العربي شبه يائس من العراق، من أن يلعب دورا فاعلا ومؤثرا للأسباب التي ذكرتها مجتمعة. إذا لم يستعِد العراق وحدة قراره السياسي، وإذا لم يظهر أنه قادر على فرض إرادته داخل إقليمه الجغرافي، باعتقادي، لن يأخذه أحد على محمل الجد.

ـ هناك من يعتقد أن فشل قمة بغداد هو انعكاس للوضع العربي العام، خصوصا مع بروز مؤشرات كبيرة على أن المنطقة تتغير، وأن هناك خريطة جيوسياسية في طور التشكل. زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج الأسبوع الماضي، ربما وضعت النقاط على الحروف في هذا السياق. ما رأيك؟

ـ اتفق مع هذا الطرح. زيارة ترامب كانت تاريخية، بصرف النظر عن رأينا بترامب. أبرزت الزيارة، التي كانت اقتصادية بامتياز، أن هناك نهجا تنمويا رائدا سينتج من دول الخليج، وتحديدا السعودية، خصوصا مع دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع ولقائه بترامب، والوعد الأميركي برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا.

ـ ماذا يعني رفع العقوبات عن سوريا بالنسبة لمستقبل المنطقة؟

ـ إلى جانب رفع العقوبات، هناك حديث الآن عن مفاوضات سورية إسرائيلية من وراء الكواليس بشأن اتفاقية تطبيع، وهذه قد تضمن لسوريا دعما اقتصاديا غربيا، وبالتالي فإن اتباع سوريا نهجا اقتصاديا، يعني أننا سنشهد بروز التنمية الاقتصادية كقضية أساسية ومركزية عربيا، ابتداء من السعودية ودول الخليج الأخرى، ثم سوريا. 

ـ أين سيكون العراق في سيناريو كهذا؟

ـ أنا أعتقد أن هذا سيؤثر على العراق كثيرا. بدلا من الحديث عن الماضي والصراعات، سيكون الحديث عن المستقبل. وسيكون "الإطار التنسيقي" تحت ضغط هائل حينها، إذ لابد من أن يُنتج شيئا للمجتمع بخصوص المستقبل، كما تفعل دول الجوار التي تجاوزت العراق بأشواط طويلة.

ـ بالعودة إلى قمة بغداد، كيف يؤثر "فشل القمة" على صورة العراق عربيا ودوليا؟

ـ أنا لا أعتقد أن موضوع الضرر الخارجي مهم. تأثيرها داخلي، إذ أبرزت النزاع الحاد داخل الإطار التنسيقي، بين الحكومة وبعض أطراف الإطار، وهذا ستكون عواقبه أكثر تأثيرا. السيد السوداني، أكيد، يشعر بغضب  شديد، وهذا سينعكس على طريقة تعامله مع الإطار. 

ـ كيف؟ 

ـ لا أعرف. ربما من خلال تأكيده على دور عربي للعراق، لأن رئاسة القمة تستمر لمدة سنة كاملة. وهناك ملفات كثيرة يمكن أن يشتغل عليها العراق. التبرع بـ20 مليون دولار لغزة، و20 مليون للبنان، يبدو لي، أنه تهيئة لدخول العراق على ملفات هذه البلدان. وهذا يُحسب لحكومة السوداني.

ـ بأي طريقة سيتدخل العراق في ملفات غزة ولبنان، باعتقادك؟ 

ـ ربما بالتوسط بين حزب الله والحكومة اللبنانية، وكذلك بين حماس والسلطة الفلسطينية. لا يبدو لي أن التبرع بالأموال يأتي من دون غاية.

ـ بالإشارة إلى حديثك عن صراع بين السوداني والإطار، هل هذا يعني تضاؤل حظوظ السوداني بولاية ثانية؟

ـ ما حصل في القمة هو فقط مرحلة من مراحل الصراع. أعتقد أن الخلاف سيتصاعد. من الفوائد المؤسفة للقمة أنها أظهر هذا الصراع بين الحكومة ومعظم أطراف الإطار التنسيقي إلى العلن. هم لا يريدون أن يحقق السيد السوداني أي منجز.