المكلة رانيا وزوجها الملك عبد الله الثاني
المكلة رانيا وزوجها الملك عبد الله الثاني

514163 4

مالك العثامنة/

هل زوجة الملك الأردني متنفذة فعلا في الأردن أم أنها ضحية عملية "شيطنة" لشخصها؟

هذا سؤال مشروع في ظل كل هذا الحديث عن الملكة رانيا الياسين، زوجة الملك عبد الله الثاني وأم ولي عهده الأمير حسين، وهو سؤال لم يعد مخفيا في كل الجلسات واللقاءات والصالونات الاجتماعية بكل مستوياتها في المملكة الأردنية الهاشمية.

منذ تولي الملك الأردني سلطاته الدستورية على عرش المملكة، وزوجته حاضرة في كل مشاهد الصورة وبتعاقب يبرز تصاعد دورها وبتسارع مذهل وبرعاية من الملك نفسه لكل نشاطاتها التي يتحدث عنها الأردنيون بما يتجاوز كونها نشاطات إلى أكثر من ذلك، حتى الأزمة الأخيرة في الأردن، أزمة المعلمين والحكومة، وهي في آخر مآلاتها على أرض الواقع، صارت أزمة دولة حقيقية بين نخبة الحكم وباقي الشعب، وفيها صار الحديث علنيا عن دور مؤسسات ترعاها الملكة شخصيا في قطاع التعليم، وهو القطاع الذي اختارته الملكة رانيا الياسين لتضع كل جهدها فيه، لكن السؤال: تلك الجهود الواسعة والحثيثة، إلى أين بالضبط؟ وإذا كانت الملكة فعليا مسؤولة عن ملف التعليم، فلماذا انتهت مؤسساتها إلى أن تكون خصما لقطاع التعليم العام والخاص على حد سواء ونقابة المعلمين؟

على كل ما تملكه زوجة الملك من ذكاء، وما يديره لها بوضوح طاقم متمرس ومحترف يهتم بصورة الملكة وتقديمها بشكل ذكي، إلا أن الذكاء الممنهج على أسس العلاقات العامة "العصرية" قد لا يفي بمتطلبات القبول عند الشعب الأردني وهو ذو الحساسية الشديدة تجاه كل ما يمس مفهوم وفكرة العرش كمؤسسة دستورية حاضرة في الوجدان العام بقوة حتى لو كان المساس بالعرش قادما من الجالس على العرش نفسه أو من حوله.

فريق العلاقات العامة لزوجة الملك، استطاع بنجاح أن يصور كل ما يواجههم بصورة "الديناصورات" التي يجب أن تنقرض في "عالمنا المعاصر"، وهي صورة مضللة.

 

الدستور الأردني (على كل ما تعرض له من تعديلات أخيرة) لا يزال يضع زوجة الملك في مكانها كزوجة للملك، فلا يوجد لها أي دور وظيفي دستوري، ولقب "الملكة" الذي تحمله السيدة رانيا الياسين (مع كل الاحترام لها)، ليس أكثر من لقب تشريفي نص الدستور حوله على أن الملك هو من يمنح الألقاب ويستردها أيضا!!

العلاقات العامة "العصرية" التي تستخدمها الملكة كأحد أدوات تقديمها للداخل والخارج لا يعني أن الشعب الأردني ليس عصريا، ولا يمكن أساسا ومنطقيا وضع الشعب كله ككتلة واحدة في ميزان المقاييس، فهناك مستويات متفاوتة مثل أي مجتمع آخر، لكن الشخصية الجمعية الأردنية عموما بيروقراطية بطبعها وتكوينها منذ بدايات تكوين الدولة، والمجتمع الأردني "متعلم" بغالبيته، وهذا يعود إلى منظومة تعليم عريقة ومتمرسة وبيروقراطية في الدولة الأردنية، وهو ما شكل الحساسية في المواجهة بين زوجة الملك، التي اختارت "لوحدها" أن تقتحم تلك المنظومة بمجموعة من المبادرات والأفكار وهي بذلك اختارت أن تقوم بمواجهة انتهت إلى مراحل شرسة اليوم، مع نظام بيروقراطي صلب، وعلى كل صلابته إلا أنه لا يمكن تسجيل إخفاقات في تاريخه المهني، بل على العكس، فإن منظومة التعليم الأردني قبل "تحديثه العصري" بمواصفات جديدة وجبرية، كان الأفضل في العالم العربي، وكان مركزا لتصدير الخبرات فعليا.

الخلط في الأردن سهل لأن الحيلة تكمن في وضع البيروقراط الأردني المؤسسي الناجح في سلة واحدة مع فئة المنتفعين التقليديين المتسلقين على سلم البيروقراط فتحولوا إلى طبقة فساد وأحد مراكز القوى التي تواجه "العصريين الجدد" مما ظلم وتجنى على الثقل البيروقراطي في مؤسسات الدولة الأردنية التي يتم تفكيكها بسرعة.

فريق العلاقات العامة لزوجة الملك، استطاع بنجاح أن يصور كل ما يواجههم بصورة "الديناصورات" التي يجب أن تنقرض في "عالمنا المعاصر"، وهي صورة مضللة قامت بالبناء على تصريح غير مسبوق وجريء للملك نفسه قبل سنوات في تسريبات "أعتقد أنها متعمدة" لمجلة الأتلانتيك، حين وصف طبقة من معارضي التحديث في الدولة الأردنية بالديناصورات، وقد يكون الملك محقا في وصف من هم في رأيه بذلك (وغالبا هم طبقة فساد مصلحية لا تريد تغيير الوضع القائم حفاظا على مصالحها)، لكن كان الأجدى أن يوضح وهو رأس الدولة الأردنية، التعريف بهم بدون ترك الوصف على إطلاقه، ثم استخدامه بدون محددات.

أحد أهم مشاكل الدولة الأردنية في العشرين سنة الفائتة، كان في مستنبت جديد وطاريء على الدولة ومؤسساتها اسمه "المؤسسات الموازية" – (parallel institutions)، وهو النهج المعتمد لدى نخبة الحكم "العصرية" حول مكتب الملك وفي المكتب نفسه، وهو النهج الذي اعتمدته زوجة الملك وفريق عملها أيضا طوال سنوات، لتنشيء مؤسساتها (وأغلبها يحمل اسم الملكة رانيا) كمؤسسات موازية في قطاعي التدريب والتعليم، وجميع تلك المؤسسات تستظل ماليا وإداريا تحت المؤسسة الأم " مؤسسة الملكة رانيا" أو الاسم الأكثر دقة بالانجليزية ( Queen Rania Foundation)، وهي المؤسسة المعنية بالتمويل، جمعه وصرفه وإنفاقه.

من تلك المؤسسة الأم والمظلة، كان أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، إلى جانب 11 مؤسسة أخرى شقيقة هي : جمعية الملكة رانيا لرعاية العسكريين وأسـرهـم ومؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية وصندوق الملكة رانيا لأمان مستقبل الأيتام وصندوق الملكة رانيا لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الريف والبادية والمخيمات وجمعية الملكة رانيا للتميز التربوي ومركز الملكة رانيا للدراسات التربوية والنفسية ومشروع الملكة رانيا "مدرستي" لتأهيل المدارس الحكومية ومركز الملكة رانيا لتكنولوجيا التعليم والمعلومات وجمعية الملكة رانيا للتوعية الصحية ومؤسسة الملكة رانيا "نهر الاردن" ومركز الملكة رانيا للريادة.

في أزمة المعلمين، التقط غالبية الناس فكرة واحدة والتفوا حولها، وكان الالتفاف يصب في صالح نقابة المعلمين، وهي فكرة احتكار خدمات التدريب في تطوير المسار المهني للمعلمين فقط في أكاديمية الملكة لتدريب المعلمين، وهو ما كشفه مجلس النقابة المضرب والغاضب في سياق لقاءات إعلامية.

الحكومة (كما الأكاديمية) لجأت إلى الدفاع عن طريق سحب اسم الأكاديمية من أوراق الوزارة الرسمية، لكن ما حدث بعد ذلك هو الأكثر إدهاشا، فبعد سحب اسم الأكاديمية، أعلن رئيس الوزراء نفسه أنه في جلسة الحوار الثالثة مع النقابة قررت الحكومة "تحييد"المسار المهني كله، يعني قررت الحكومة ببساطة أن عمليات تطوير المعلمين (وهو مطلب ضروري وحيوي) تم إخراجها من معادلات التفاوض، ما دامت أكاديمية الملكة مرفوضة شعبيا ونقابيا كمركز وحيد للتدريب!! لتكتمل صورة "الديناصورات" ترسيخا مع قادم الأيام، مع ملاحظة التناسب الطردي بين عناد الحكومة المتصاعد مع فكرة المسار المهني بعد خروج أكاديمية الملكة للتدريب من الصورة والمشهد.

المفارقة الأكثر فداحة، ليست في تردي التعليم الحكومي، وهو تردي يلقى رعاية رسمية من وزير تربية سابق صار رئيسا للوزراء، بل في أن تعليم القطاع الخاص نفسه صار متضررا من تلك المؤسسات الموازية نفسها، وهو قطاع خاص ومحترم كان له اسمه في السنوات السابقة، سرعان ما وجد نفسه في تنافس غير متكافيء مع مدراس (IAA) و( Kings Academy) التي أنشأتها زوجة الملك بنفسها وسحبت فيها كل ميزات التعليم الخاص بعد رفع مستوياته إلى درجات عالية جدا لا يمكن منافستها فأنت تتحدث عن رواتب معلمين في مؤسسات الملكة التعليمية وشديدة الخصوصية تتجاوز العشرة آلاف دولار شهريا غير علاوات السكن الوظيفي الفارهة والتكنولوجيا المعتمدة في التعليم والتي يعد مقارنتها مع مدرسة خاصة في العاصمة فجورا في المقارنات فما بالك حين يتم مقارنة ذلك كله بمدارس حكومية في المملكة؟

وفي تلك المدارس الخاصة التي ترى فيها الملكة نموجا يحتذى للتعميم على باقي مدارس المملكة، فإن المراقب يحتار في تعنت الحكومة الواضح في صرف علاوات للمعلمين في المملكة بما قيمته 25 مليون دينار، ولجوء الحكومة إلى تسوية تشمل قروضا لتغطية العلاوات مع إلغاء تطوير المسار المهني، لكن الموازنة العامة للدولة وفي بنود واضحة فيها تشمل إنفاقا من الخزينة العامة على مؤسسات الملكة التدريبية والتعليمية وهو ما يخلق من تلك المؤسسات والمدراس الخاصة التابعة لها قطاعا شديد الخصوصية في عالم القطاع الخاص نفسه، ولم تعد الحكاية مؤسسات موازية بقدر ما هي عالم موازي تستأثر فيه النخبة فقط بموارد الدولة.

ختاما وعودة إلى السؤال الأول في هذا المقال:

فإن الملكة رانيا وحسب معطيات الأحداث ومقارباتها، ليست المتنفذة الوحيدة كما أنها ليست ضحية شيطنة بقدر ما أن قطاع التعليم هو ضحية الشيطنة الممنهجة، لكن زوجة الملك هي فعليا مؤسسة موازية بحد ذاتها وموجودة على أرض الواقع وفرض الوقائع، وطرف أساسي في الأزمة، ومن خارج كل معطيات الدستور ومؤسسة العرش، هذا الدستور وتلك المؤسسة التي يطالب فيها الأردنيون ويطلبون عودتهما للتفعيل، لا أكثر وليس أقل من ذلك.

_________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الملكة والعرش 3B0043F7-B7F4-4D73-A408-E10F86C26C64.jpg AFP الملكة-والعرش- المكلة رانيا وزوجها الملك عبد الله الثاني 2019-09-30 15:01:09 1 2019-09-30 15:08:48 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".