اتفاق بين ترامب والديموقراطيين على إجراءات لدعم الاقتصاد على خلفية كورونا المستجد
اتفاق بين ترامب والديموقراطيين على إجراءات لدعم الاقتصاد على خلفية كورونا المستجد

514197 4

هشام ملحم/

منذ فوز الرئيس دونالد ترامب بالانتخابات وسيف عزله عن السلطة معلق فوق رأسه. ترامب خاض حملة انتخابية غريبة وقطعا غير اعتيادية، وتصرف بطريقة لا علاقة لها بالأعراف والتقاليد، وأدى سلوكه الصدامي وحتى التحريضي خلال مهرجاناته الانتخابية إلى إثارة جدل حاد في الأوساط السياسية طغى على النقاش في وسائل التواصل الاجتماعي. تعامله الفظ مع منافسيه الجمهوريين أولا، ولاحقا مع مرشحة الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون، تنافى مع تاريخ الحملات الانتخابية مثل توجيه الإهانات الشخصية للجمهوريين، أو اتهام كلينتون بالفساد، وحتى مناشدة روسيا علنا على التدخل في الحملة الانتخابية من خلال اختراق جهاز اتصالات كلينتون والاستيلاء على رسائلها الإلكترونية. وإذا لم تكن هذه الممارسات كافية لإثارة الأسئلة المشككة بأهلية ترامب للرئاسة، فإن مواقفه العدائية من المهاجرين، وخاصة من أميركا الوسطى، ودعوته لحظر دخول المسلمين للولايات المتحدة، وسياساته الانعزالية وتشكيكه بجدوى الأحلاف والاتفاقات الدولية، تضافرت كلها حتى في ذلك الوقت المبكر للحديث أو للتنبؤ باحتمال محاكمة أو عزل ترامب إذا تغيرت حظوظ الديمقراطيين واستعادوا السيطرة على مجلس النواب على الأقل، إن لم يكن على مجلسي الكونغرس.

وخلال الأشهر القليلة التي سبقت نشر تقرير المحقق الخاص روبرت مولر الذي حقق بالتدخل الروسي في انتخابات 2016 الرئاسية، اقترب سيف المحاكمة أكثر من رأس ترامب، ولكنه أفلت منه لأن تحقيقات مولر لم تبين بشكل قانوني وقاطع أن حملة ترامب قد تآمرت مع روسيا، أو أن محاولات ترامب عرقلة تحقيقات مولر لم ترق إلى التعريف القانوني "لعرقلة العدالة". ولكن تقرير مولر أظهر بوضوح أن مسؤولين في حملة ترامب أجروا اتصالات بممثلين عن الحكومة الروسية، وأن موسكو بالفعل قامت بمساعدة حملة ترامب، وأن الرئيس حاول 10 مرات عرقلة تحقيقات مولر. تقرير مولر زاد من عديد النواب الديمقراطيين الذين طالبوا بمحاكمة ترامب، ولكن رئيسة المجلس نانسي بيلوسي بقيت تعارض محاكمة ترامب في غياب أدلة دامغة تؤكد انتهاكه للدستور، ولأن أكثرية الأميركيين غير متحمسة لمثل هذا الإجراء الجذري، ولأنه يمكن أن ينعكس سلبا على الديمقراطيين في انتخابات 2020. وكما راقب الأميركيون تحقيقات مولر باهتمام وقلق، راقبها أيضا حلفاء واشنطن التقليديين باهتمام وقلق مماثل، وأن راقبها خصوم الولايات المتحدة بمزيج من التلذذ والتشفي.

 

  السيف المعلّق فوق رأس ترامب

ولكن الكشف عن وجود شكوى مفصلة من 9 صفحات وضعها مسؤول استخباراتي ورفعها إلى المشرف العام للاستخبارات حول اتصال هاتفي بين الرئيس ترامب ورئيس أوكرانيا الجديد فلودومير زيلينسكي، اتهم فيها المسؤول الاستخباراتي (الذي لم يكشف عن هويته أو هويتها، مع أن صحيفة نيويورك تايمز قالت إنه رجل موظف في وكالة الاستخبارات المركزية) الرئيس بأنه أساء استخدام صلاحياته بطريقة سافرة، الأمر الذي هز الأوساط السياسية في واشنطن، وأحيا من جديد مسألة محاكمة وعزل ترامب. وللمرة الأولى يشعر ترامب بخطر السيف المعلق فوق رأسه. ويعبر ترامب عن مخاوفه الجديدة عبر شن الهجمات القاسية ضد القيادات الديمقراطية وخاصة رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب آدم شيف، الذي اتهمه الرئيس بالخيانة. وبعد معارضة أولية من البيت الأبيض للكشف عن الشكوى أو الإضاءة على المكالمة الهاتفية، وافق ترامب بعد أن حضه مشرعون جمهوريون على الكشف عن نص المكالمة، وعن نص الشكوى. نص المكالمة جاء منسجما مع مضمون الشكوى، وخاصة أن الرئيس ترامب الذي علق تجميد صفقة أسلحة لأوكرانيا واستخدم ذلك للإيحاء للرئيس الأوكراني بأنه سيفعل ذلك ولكنه بالمقابل يريد منه "خدمة"، أي التحقق من صحة نظرية مؤامرة يؤمن بها ترامب ولكن لا أساس لها من الصحة، بعد أن ضحدتها الاستخبارات الأميركية والتي تقول إن أطرافا أوكرانية، وليس روسية، هي التي اخترقت البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي ولهيلاري كلينتون في 2016.

لكن الشق الثاني من "الخدمة" التي أرادها ترامب من نظيره الأوكراني هي الأهم والأخطر قانونيا على ترامب، وتتمثل بإحياء التحقيق الأوكراني بنشاطات نائب الرئيس جوزيف بايدن، الذي يعتقد الرئيس أنه سيكون منافسه في انتخابات 2020، وبنجله هنتر. وكان هنتر قد خدم في عضوية شركة أوكرانية حقق فيها بتهم الفساد، ولكن التحقيقات لم تجد أي أدلة ضد هنتر بايدن. وخلال الفترة التي عقبت الثورة الأوكرانية وحين كانت أوكرانيا بحاجة إلى مساعدات من الولايات المتحدة وأوروبا ومؤسسات أخرى مثل صندوق النقد الدولي، طالبت حكومات هذه الدول، ومن بينها حكومة الرئيس باراك أوباما الحكومة الأوكرانية إجراء إصلاحات إدارية وسياسية، وشملت هذه المطالب التخلص من المدعي العام آنذاك لأنه معروف بفساده. وقام نائب الرئيس جوزف بايدن بنقل هذا الموقف لأوكرانيا. وأظهرت كل التحقيقات القضائية، والتقارير الصحفية أنه لا بايدن الأب ولا بايدن الابن قد ارتكب أي جرم أو انتهاك لأي قانون أوكراني أو أميركي. الرأي السائد في أوساط الحقوقيين والمحللين، هو أن ترامب سعى إلى الضغط على رئيس دولة أجنبية لمساعدته في معركته الانتخابية من خلال الكشف عن "أشياء قذرة" حول جوزف بايدن ليستغلها في حملته الانتخابية المقبلة... وكل هذا انتهاك واضح للدستور.

للمرة الأولى يشعر ترامب بخطر السيف المعلق فوق رأسه. ويعبر عن مخاوفه الجديدة عبر شن الهجمات القاسية ضد القيادات الديمقراطية.

 

وفجأة تحولت "الفضيحة الأوكرانية" كما سماها البعض إلى صرخة المعركة الجديدة للديمقراطيين للتخلص من ترامب. ودعت نانسي بيلوسي الثلاثاء الماضي إلى بدء التحقيقات الأولية بشأن احتمال محاكمة ترامب الذي قالت بيلوسي إنه انتهك قسم اليمين وأساء استخدام صلاحياته. وهكذا، أدى قرار بيلوسي إلى انضمام ترامب إلى قائمة صغيرة من الرؤساء الأميركيين الذين حوكموا في مجلس النواب أو واجهوا هذا الخطر. أولهم كان آندرو جونسون فور انتهاء الحرب الأهلية في منتصف ستينات القرن التاسع عشر، وثانيهم كان بيل كلينتون في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي. ومع أن جونسون وكلينتون حوكما في مجلس النواب، إلا أن مجلس الشيوخ برأهما من التهم الموجهة اليهما. الرئيس الثالث الذي كان على عتبة المحاكمة في مجلس النواب هو ريتشارد نيكسون الذي انتهك الدستور بشكل سافر، للتغطية على فضيحة ووترغيت، ولكنه استقال في 1974 بعد أن أبلغه قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس أنهم لن يدافعوا عنه. التهم الموجهة للرؤساء الثلاثة كانت بسبب انتهاكات داخلية ولا علاقة لها بالسياسة الخارجية. ولكن ترامب هو الرئيس الأول الذي يمكن أن يجد نفسه في خضّم محاكمة من قبل مجلس النواب لأنه حاول السعي للحصول على مساعدة دولة أجنبية ضد خصومه في الداخل ولتحقيق اهداف وطموحات شخصية، أي الفوز بالرئاسة.

 كيف سيتعامل ترامب مع العالم خلال محاكمته؟

خلال مواجهات الرئيس نيكسون مع الكونغرس الذي كاد يحاكمه بسبب فضيحة ووترغيت، وخلال محاكمة الرئيس كلينتون، لم تتأثر السياسة الخارجية للولايات المتحدة بشكل جذري، لأن الرئيسان كانا يعتمدان على مؤسسات قوية وأجهزة بيروقراطية قادرة على متابعة سياسات ثابثة ومعروفة، وبالتعاون مع حلفاء موثوق بهم. ولكن الوضع يختلف جذريا مع الرئيس ترامب، الذي "يدير" الولايات المتحدة كما كان يدير شركته الخاصة، حيث يصر على اتخاذ القرارات الأساسية معتمدا على جهاز إداري محدود وغير قادر على مسائلته. وخلال أقل من ثلاث سنوات عين ترامب أربعة مستشارين لشؤون الأمن القومي، وثلاثة وزراء دفاع ووزيري خارجية. وأحيانا تمر أشهر كثيرة ومناصب بارزة، أمنية وسياسية تبقى شاغرة ويديرها مسؤول مؤقت، كما هو الحال في منصب مدير جهاز الاستخبارات الوطني.  

يلتقي معظم المحللين على القول إن محاكمة ترامب، ستزيد من وتيرة "الانسحاب" الأميركي من العالم بما في ذلك من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهي ظاهرة سعى ترامب إلى التعجيل بها قبل أوكرانيا وتحدياتها. وسيرى العالم في المحاكمة انحسارا في نفوذ الولايات المتحدة العالمي في الوقت الذي تقوم فيه بالالتفاف نحو تحدياتها الداخلية. في المقابل، هناك أقلية ترى أن مشاكل ترامب الداخلية قد تدفعه للتركيز على القضايا والنزاعات الخارجية لتحويل الاهتمام عن متاعبه الداخلية، بما في ذلك استخدام القوة ضد أعداء حقيقيين أو وهميين، ويشير هؤلاء إلى أن إيران من بينهم. ولكن سجل ترامب يبين أنه يلجأ إلى التهديد باستخدام القوة، وحتى بالتدمير الشامل لأعدائه، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة. ولكن التركيز السياسي على الخارج لحجب تداعيات الداخل، يمكن – نظريا على الأقل – أن يدفع بترامب إلى التحرك ديبلوماسيا لحل خلافات واشنطن القديمة مع دول مثل كوريا الشمالية وإيران. هذا ما فعله الرئيس نيكسون حزيران –يونيو 1974 بعد وصول ضغوط الكونغرس عليه إلى مستويات غير معهودة، حين أكتشف أن الشرق الأوسط - بعد حرب تشرين 1973- يحتاج إلى جولة رئاسية، ما حمله على زيارة مصر والسعودية وسوريا والأردن وإسرائيل...قبل شهرين من استقالته.  

قيام الرئيس ترامب بالكشف للمرة الأولى عن مضمون اتصالاته مع رئيس أوكرانيا، خلق سابقة خطيرة، ستقنع قادة العالم من أن اتصالاتهم مع الرئيس الأميركي لن تبقى سرية بالضرورة. ولكن بما أن الرئيس والكونغرس وأجهزة حكومية أخرى ستكون مشغولة بالمحاكمة، هل ستكون الولايات المتحدة في هذه الحالة قادرة على معالجة قضايا طارئة، مثل هجمات إرهابية ضخمة، أو انحسار كبير في الأسواق المالية؟ محاكمة الرئيس – أي رئيس – ستضعفه أمام العالم، وهذا سينعكس على أي مبادرات سياسية كان قد طرحها ترامب أو يأمل بطرحها مثل محاولة التوسط بين الفلسطينيين وإسرائيل، أو التوصل إلى اتفاق نووي مع كوريا الشمالية. 

بعد قرار الحزب الديمقراطي التحضير لاحتمال إحالة الرئيس ترامب للمحاكمة في مجلس النواب، ازداد عدد الأميركيين الذي يؤيدون هذه الخطوة، ووافق 55 بالمئة على محاكمة ترامب، مقابل 45 بالمئة عارضوا الخطوة، وفقا لآخر استطلاع للرأي أجرته شبكة التلفزيون سي بي أس. وحتى شبكة فوكس المفضلة لدى ترامب لم تحمل إليه أخبارا جيدة. فقد أظهر آخر استطلاع لها أن 52 بالمئة من الأميركيين يقولون إنهم "مرهقون" بسبب ترامب ويتطلعون إلى رحيله، مقابل 37 بالمئة ينظرون بإيجابية إلى ولاية ترامب.

سيحاول الديمقراطيون إنجاز تحقيقاتهم الأولية خلال أسابيع وتوجيه تهم محددة ضد ترامب، بأمل إنهاء المحاكمة قبل بدء الانتخابات الحزبية الأولية في شباط- فبراير المقبل. ومن المتوقع أن تقوم الأكثرية الديمقراطية في مجلس النواب بالتصويت ضد ترامب، وإحالته إلى مجلس الشيوخ ليصوت على عزله عن منصبه. ولكن عزل الرئيس يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، ما يعني أن ترامب سيبقى في منصبه. ولكن بغض النظر عن احتمالات نجاح الديمقراطيين أو إخفاقهم بتحقيق أهدافهم، فإن محاكمة ترامب ومضاعفاتها الداخلية والخارجية ستخيم بظلالها الثقيلة على البلاد لثلاثة عشر شهرا، في عالم محفوف بالأخطار الجسيمة.

_________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مضاعفات محاكمة ترامب على السياسة الخارجية B5BEEDBF-C08D-4ABD-870C-E754102A2632.jpg AFP مضاعفات-محاكمة-ترامب-على-السياسة-الخارجية- الرئيس دونالد ترامب ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ومايك بنس نائب الرئيس في الكونغرس 2019-09-30 18:10:30 1 2019-09-30 18:12:30 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟