تمثال الفيلسوف اليوناني سقراط في العاصمة اليونانية أثينا
تمثال الفيلسوف اليوناني سقراط في العاصمة اليونانية أثينا

514428 4

حسن منيمنة/

السردية الحضارية الأوروبية، سواء تلك المنفتحة على العالم والتي حضنت الأنوار وانتقلت بها خيراً وشراً إلى سائر العالم، أو تلك التي تتقوقع بمجموعها أو بأجزائها لتنتج القوميات والشعبويات والعدائيات، تتفق على الأصل "اليوناني" للهوية الأوروبية الجامعة.

بعض التصويرات في هذا الشأن مبنية على الأبوة اليونانية المعنوية للإمبراطورية الرومانية، في الصورة الذاتية لهذه الأخيرة، وهي كانت ولا تزال النموذج والقدوة في السعي إلى تأطير كيانية أوروبية مشتركة، ولا سيما مع وراثة الكنيسة الكاثوليكية لامتدادها المكاني والسكاني.

وبعضها الآخر يعتمد على اللسان اليوناني لمسيحية العهد الجديد، والتي تشكل اللبنة الأولى في الصرح الحضاري التاريخي الأوروبي المتواصل، والمنقطع عمدا قبل عصر النهضة في القرن الخامس عشر، عن ماضيه السابق للمسيحية.

كبار الفلاسفة اليونانيين كانوا السلف الصريح لحكماء العالم الإسلامي

​​ومن باب هذه النهضة، وبناءً على مساهمة إسلامية ويهودية وصلت بعض ما كان قد قُطع، دخل النتاج الحضاري اليوناني السابق للمسيحية إلى واجهة الاهتمام الأوروبي، ليقدّم مرجعية غير دينية لجأ إليها الفكر المتمرد في عموم القارة، ولا سيما بعد إخماد محاولاته لإشهار الأطر البديلة، من بوغوميل البلقان إلى كاثار الجنوب الفرنسي، والأديان الأولى التي هزمت وطمست عند أطراف القارة.

"أثينا" الفلسفة والديمقراطية في الفكر الأوروبي، المهذّبة والمشذّبة والطالبة للحكمة، كانت طبعاً غير أثينا المدينة المهمّشة الرازحة تحت الجبروت العثماني، والتي كانت منذ قرون عدة قد خلعت ذكرى إرثها القديم مستعيضة عنه بالمسيحية الشاخصة باتجاه الأرض المقدسة بعيداً عن الماضي اليوناني القديم.

وإذا كانت المواجهة مع السلطات الكنسية في صلب أوروبا قد تطلّبت استدعاء الحضارة اليونانية القديمة، فإن الثورة على العثمانيين في يونان القرن التاسع عشر ازدادت زخما في الاستنصار بالدول الأوروبية ليس على اساس الرابطة الدينية وحسب، بل وفاءاً لهذا الأصل الحضاري المشترك.

الهوية اليونانية المعاصرة نشأت بفعل إحياء لتاريخ وحضارة كانا طي النسيان، بأشكال تنسجم مع الحاجة الآنية. هي المعادلة التي تكررت على مدى القرن التاسع عشر، عصر الحفريات التي أنجبت القوميات، وعصر تدمير الشرائح والطبقات التي تعترض زعم التواصل بين الأصل المبتغى والحاضر القائم.

حق يونانيي اليوم أن يصيغوا هويتهم كما يشاؤون، وإن كان في قطيعتهم مع الحضارة القديمة وشراكتهم التاريخية مع جوارهم ما يجعل منهم أقرب للمشرق منهم لأوروبا، وحق الأوروبيين كذلك، بعض طول استثمار بتفحّص الحضارة اليونانية القديمة وتشرّب مقوماتها، أن يعلنوها أصلا وأساسا لهم.

ما لا يستقيم، هو زعم الحصرية في العلاقة بين الحضارة اليونانية وأوروبا، والذي أتى ولا يزال ضمنيا في الصيغ المنفتحة للفكر الأوروبي، فيما يأخذ لهجة استعلائية لدى من يرى في التفوق الحضاري صفة ملازمة للأوروبيين.

التجاذب الذي حصل في القرن التاسع عشر، خلال تشكّل الرؤى الحداثية للأصول الحضارية "القومية" لم يقتصر على استيلاء أوروبي على الحضارة اليونانية القديمة، بل شهد تخليا مقابلا، ومساعدا لهذا الاستيلاء، من جانب الساعين إلى رفع اعتبار الحضارة العربية الإسلامية، والتشديد على خصوصيتها وأصالتها، فكان الحديث المناسب للطرفين حول "الشرق" و "الغرب" والبحث عن مواطن الاختلاف العضوي بينهما. فمن منظور "غربي"، جوهر "الشرق" الاستبداد والعبودية للسلطة والدين، فيما "الغرب" موطن الحرية والعدالة، أما المقابل "شرقاً" فهو أن "الغرب" مرتع المادية والإباحية، فيما قيم "الشرق" هي الروحانية والتقوى.

ليس أن هذه الأوصاف الذاتية والغيرية خالية من الصحة، ولكن طرحها على أساس مواجهة مفترضة بين جوهرين للشرق والغرب يخفي أن الصراع الأعتى، في كل من السياقين، هو في الداخل، لا إزاء الخارج.

فالغرب لم يتحرر قط من خطر الاستبداد، ولا يمكن قط اعتبار النازية والشيوعية ظواهر عرضية، في حين أنها رسمت معالم الشر على مدى القرن الماضي. وليس ما يحتّم أو يضمن أن الشعبوية التي تعود للبزوغ، والسلطوية التي تهدد أقوى قلاع الأنوار اليوم، مجرد آفات عابرة.

في الغرب طبعاً جرى تأطير الحرية والعدالة، ولكن لا هذه ولا تلك تهيأت فيه بالكامل، ولا هذه ولا تلك مضمونة له في مستقبله.

في المقابل، لم يكن "الشرق" يوما حكرا على الروحانية والتقوى، بل التوجهات المادية و "الإباحية"، أي رفض التسليم للأقدار والرضوخ لسلطان الدين، أو عدم الانصياع لتكبيل المرأة وتطفيلها وتشييئها، كانت على مدى تاريخه في صلب حياته بفعل العامة من نسائه ورجاله وإن سعت النخبة إلى تصويره على خلاف ذلك.

ثمة حاجة إلى استعادة ذكرى التواصل اليوناني الإسلامي

​​بل الضربة القاضية على مقولة الضدّين، الشرق والغرب اللذين لا يلتقيان، لإدراك أن تشابههما ينفي الحدود القطعية بينهما، هي في نفض الغبار عن أن هذه الحضارة، أي العربية الإسلامية على ما في الصفتين من اختزال مجحف، هي الوليدة الشرعية للحضارة اليونانية القديمة، دون زعم للحصرية ولكن مع التشديد على أصالة العلاقة.

رغم أن الإسلام السلطاني، كما المسيحية السلطانية قبله، سعى إلى تحقيق قطيعة معرفية كاملة مع الموروث التاريخي والفكري والروحي لما قبله، فإن ثلاثة أوجه تكفي لتبيان التواصل بين السلف اليوناني والخلف الإسلامي، يمكن إدراجها من الأعلى النخبوي إلى الأسفل العامي.

الوجه الأول، هو أنه فيما يتعدى النص القرآني المؤسس للإسلام، فإن كافة العلوم الإسلامية، الدينية والمعاضدة، من الصرف والنحو إلى الكلام وأصول الدين، قد بنت على ما أرسته المراحل اليونانية السابقة، أي بتعريف اليوم الهلينية والهلينستية والبيزنطية، من قواعد وأصول، بل كرّرت ما أقدمت عليه المرحلة البيزنطية المسيحية من استيعاب للمضمون مع تورية بالشكل من خلال الاعتماد على مرجعية الكتاب المقدس لتفاصيل التاريخ المتخيل.

أما الوجه الثاني، فهو في أن المواجهة والصراع بين الفرق والملل والنحل في الفضاء الإسلامي استعادت كامل عتاد المرحلة اليونانية الفكري والديني واللاهوتي، بشكل غافل على الغالب ربما، وباستعارات وإسقاطات تقترب من التطابق في العديد من الأحيان، وصولا إلى إقرار بالاستمرارية لدى بعض المذاهب على مدى المرحلة الإسلامية.

والوجه الثالث وهو الأمضى، فهو أن الفلسفة اليونانية بقيت حيّة في المرحلة الإسلامية، وكبار الفلاسفة اليونانيين كانوا السلف الصريح لحكماء العالم الإسلامي، بل أن تداول أخبار فلاسفة اليونان وأفكارهم والبناء عليها كان شأنا لهذا العالم دون غيره بأشواط. وإذ تضافرت أحوال شتى من الحروب إلى الضيق المادي وبطش السلطات لتمنع استمرار الفلسفة كبحث متجاوز للمرجعية الدينية، فإن أشكال عدة من الطروحات الفلسفية قد أعادت إنتاج نفسها ضمن الطرق والمذاهب الإسلامية.

الهوية اليونانية المعاصرة نشأت بفعل إحياء لتاريخ وحضارة كانا طي النسيان

​​ثمة حاجة إلى استعادة ذكرى التواصل اليوناني الإسلامي، ليس في إطار الاستنساب الذي من شأنه، لدى البعض الساقط في وهم التراتبية بين الحضارات، أن يقرّب الإسلام من "الغرب"، بل لمنع الطرح القائل بجوهرية حضارية إسلامية، قائمة على قيم يختارها، من الاستئثار بالسردية.

فإذا كان دور "الحضارة العربية الإسلامية"، كحافظة للنصوص والأفكار الفلسفية اليونانية، من وجهة نظر غربية شائعة "تذكير" الحضارة الأوروبية بميراثها اليوناني، فإنه من الجائز، بل الأقرب للصحة، القول بأن دور "الحضارة الغربية"، إذ جاءت للشرق بالأنوار المبنية على هذا الميراث، كان كذلك في إعادة المادة إلى منشئها.

ليس بوسع أحد أن ينكر فضل المفكرين الأوروبيين في ترجمة الأفكار إلى أنوار، غير أن العودة إلى الوعي بأن اليونان القدماء هم أيضاً أسلاف هذا الشرق، بالمعنى الحضاري الفكري كما بالمعنى المادي النسلي، من شأنه أن ينقض مقولة الشرق مقابل الغرب، بما يصاحبها من طعن بالأنوار والأفكار المؤسسة لها على أنها دخيلة.

"الشرق" لم ينتج الأنوار، ولكن تلقيه لها، خارج إطار المؤسسة الدينية التي رأت فيها تحدياً صارخاً، جاء مبنياً على أن الأصول الفكرية التي أنتجت الأنوار، ليست غريبة عن هذا الشرق، وإن كانت نخبته الفكرية قد أهملتها. بل هي بضاعته ردت إليه.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا تبقى البيئة خارج الوعي المجتمعي في المحيط العربي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
أسلافنا اليونان 404E4384-1693-4B03-BA79-34A835162984.jpg Reuters أسلافنا-اليونان تمثال الفيلسوف اليوناني سقراط في العاصمة اليونانية أثينا 2019-10-02 12:51:48 1 2019-10-02 12:55:18 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.