514460 4

بابكر فيصل/

أثارت تصريحات أدلى بها رجل دين مصري مؤخرا حول قضية سبي النساء كثيرا من الجدل في الأوساط الإعلامية ووسائط التواصل الاجتماعي، حيث قال إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة سابقا، عبد الله رشدي، في تغريدة على حسابه في موقع تويتر بجواز المعاشرة الجنسية للنساء المسبيات في الحروب.

في إجابته على ردود الفعل الغاضبة من تصريحاته قال رشدي: "ثار بعض العلمنجية على تغريدتي عن السبية حين سئلت عن معاشرتها فقلت: هي إنسانة ولها احتياجات. فقالوا: "شايفين؟ أهو بيبرر الاغتصاب" نعم للمسبية احتياجات وهي ليست عيبا، وهذه الاحتياجات بالرضا لا بالإكراه، فطالما رضيت بعلاقة بينها وبين سيدها فلا حرج عليها ولا عليه، بالرضا لا بالقهر".

يبدو جليا أن الرجل لا يُجرِّم السبي من حيث المبدأ، بل هو يُجيزه كممارسة طبيعية تترتب عليها أمور أخرى من بينها ممارسة الجنس بين المسبية وسيدها. وهو إذ يستنكف نقد البعض لتصريحاته، إنما يريد القول إن تلك العلاقة يجب أن تتم بالرضا وليس بالإكراه، ولا يسعى لتجريم السبي من ناحية أخلاقية أو قانونية.

غياب الاجتهاد الجديد سيؤدي لاستمرار الحالة التي عبر عنها تنظيم "داعش"

​​حديث رشدي لا يرتبط فقط بقضية السبي بل يعكس أزمة عامة في الفكر الإسلامي عبَّرت عنها مدارس فقهية ظلت تسيطر على المشهد الديني منذ عدة قرون، وتتجلى هذه الأزمة في العديد من الأمور يأتي في مقدمتها رفض تلك المدارس القاطع لمفهوم القراءة التاريخية للقرآن الكريم وربط تفسير آياته بأسباب النزول وبالسِّياق الذي تنزلت فيه.

تستند حُجة تلك المدارس على مقولة إن القرآن الكريم صالحٌ لكل زمانٍ ومكان، وهي مقولة لا يُعارضها المخالفون لهم في الرأي وإنما يقولون إنها تنطبق في الأساس على القضايا المتعلقة بالعقيدة والعبادات والتي هي بطبيعتها قضايا عابرة للتاريخ ولا تتغير بتغير الزمن.

وكذلك يقول المنادون بضرورة اعتماد القراءة التاريخية إن القرآن الكريم لم يهبط دفعة واحدة كألواح التوراة التي نزلت على موسى الكليم ولكنه تنزَّل على الرسول الكريم مُنجَّما ومُفرَّقا في ثلاث وعشرين سنة، وقد نُسخت كثير من آياته، وأُنسي بعضها، مما يؤكد حقيقة تفاعله مع الواقع التاريخي.

يدَّعي أصحاب هذه النظرة أن إعمال مبدأ القراءة التاريخية للنص القرآني لا يؤثر في قدسيته أو يقدح بأي صورة من الصور في حقيقة تنزله الإلهي، بل يؤكد ديمومته وقدرته على التعامل مع الوقائع المستحدثة.

من ناحية أخرى، يقع المنادون بضرورة تجاهل البعد التاريخي في قراءة النص القرآني في مأزق التناقض مع التطورات التاريخية والحقائق العصرية المُستجدة، ويتجلى هذا المأزق في أوضح صوره عند النظر في قضية الرِّق والعبودية وملك اليمين.

الرِّق كان ممارسة موجودة وسائدة في العالم قبل مجيء الإسلام، والقرآن لم يُحرِّمه تحريما قاطعا تماشيا مع ظروف العصر التي جاء فيها، ولكنه شجع وحض على عتق العبيد انطلاقا من المفهوم الديني الأساسي الذي ينبني على المساواة بين جميع المسلمين في العقيدة.

وقد عرف المجتمع الإسلامي ـ شأنه شأن كل المجتمعات ـ الرق في الغزوات والفتوح، وكانت للمسلمين أسواقا لبيع وشراء العبيد، وقد أقامت الشريعة الإسلامية قواعد التعامل مع الرقيق وفصَّلت فيها كتب الفقه تفصيلا كبيرا ودقيقا.

لقد ميَّزت كتب الفقه الإسلامي بين المسلم الحر والمسلم العبد في الحقوق والواجبات تمييزا واضحا، فكان الأرقاء يقعون ضمن عداد الأشياء والممتلكات والأموال، يُباعون ويُشترون ويُوَّرثون دون حقوق، وكانت الإماء يُستخدمن للمُتعة الجنسية ولا يتوفرن على حقوق الزوجات الحرائر.

وبمرور الزمن، ومع التطور الكبير الذي أصاب المجتمعات الإنسانية حدثت تحولات كبيرة في موضوع الرق أدت إلى إلغائه إلغاء تاما، واعتباره جريمة تُعاقب عليها القوانين، ويرفضها الضمير السليم، وتأباها الأخلاق الكريمة. وشهدت مدينة جنيف في سبتمبر 1962 توقيع الاتفاقية الخاصة بالرِّق، والتي منعت جميع الصور التي يمكن أن تؤدي بالإنسان إلى أي شكل من أشكال العبودية.

هذه المستجدات العصرية تطرح سؤالا حاسما: هل يستمر المسلمون في تبني أحكام الآيات القرآنية التي تتحدث عن ملك اليمين باعتبار صلاحيتها لكل زمان ومكان أم يجب عليهم إعمال مبدأ القراءة التاريخية على هذه الآيات؟

الإجابة على هذا السؤال تتطلب رؤية شاملة واجتهادا كبيرا يخرج بالمدارس الفقهية من حالة الجمود التي كبلت العقل المسلم لمئات السنين، ذلك لأن غياب الاجتهاد الجديد سيؤدي لاستمرار الحالة التي عبر عنها تنظيم "داعش" بعد إعلانه قيام الدولة الإسلامية في سوريا حيث أصدر منشوره الشهير حول سبي ومواقعة النساء المسترقات.

احتوى المنشور الموقع باسم "ديوان البحوث والإفتاء" التابع للدولة الإسلامية على إثنين وثلاثين سؤالا وجوابا، وعرَّف المنشور السبي بأنه "ما أخذه المسلمون من نساء أهل الحرب".

كان السؤال الثالث في المنشور حول إباحة "سبي الكافرات" وتمت الإجابة عليه بأنه: "لا خلاف بين العلماء في جواز سبي الكافرات كفرا أصليا كالكتابيات والوثنيات، لكنهم اختلفوا في سبي المرتدة، فذهب الجمهور لعدم جوازه وذهب بعض أهل العلم لجواز سبي المرتدة، والراجح عندنا قول الجمهور، والله أعلم".

واحتوى المنشور على سؤال آخر حول "جواز وطء السبية"، وكانت الإجابة: "يجوز وطء السبية، قال تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) [المؤمنون(5-6)] ).

سؤال آخر تناوله المنشور وهو: "إذا اشترك اثنان أو أكثر في شراء سبية، فهل تحل لكل واحد منهم؟"، وأتت الإجابة: "لا يحل وطء السبية إلا لمن تملكها ملكا تاما، أما من كان ملكه لها منقوصا بشراكة فلا يحل له وطؤها حتى يشتري نصيب الآخرين فيها أو يتنازلون له هِبَةً".

وعن شروط وطء السبية أو المسترقة من قبل مالكها ذكر المنشور أنه: "إذا كانت بكرا فله أن يطأها مباشرة، أما إذا كانت ثيبا فلا بد من استبراء رحمها"، أي الانتظار عليها حتى تحيض مرة واحدة على الأقل، وذلك للتأكد من أنها غير حامل.

لا شك أن منشور داعش المشار إليه أعلاه يستند إلى التراث الفقهي الإسلامي المُستمد بدوره من الآيات القرآنية التي تُبيَّن كيفية التعامل مع ملك اليمين، وفيه رأينا التنظيم يستشهد بآية قرآنية عند توضيحه لحكم "وطء السبية".

بالطبع لا تقتصر الآيات القرآنية على تلك التي استشهد بها منشور "داعش" بل هناك العديد من الآيات: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" النساء:24، وهي الآية التي يُفسرها القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" بقوله: "المراد بالمحصنات هنا "ذوات الأزواج خاصة" أي: هنّ محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذي تقعُ في سهمه وإن كان لها زوج".

علاج هذا الأمر يجب أن يبدأ من خلال قراءة مختلفة للنصوص

​​وكذلك الآية "وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" النساء:3، وهي الآية التي يُفسرها بن كثير بالقول: "فإن خشيتم من تعداد النساء ألا تعدلوا، فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسط بينهن، ولكن يُستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج".

وهناك أيضا الآية "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا" النساء:36، وهي آية توصي المسلمين بالإحسان إلى مملوكي اليمين.

إذن، من الجلي أن الأحكام التي طبقها داعش إبان سيطرته على أجزاء كبيرة من سوريا والعراق وكذلك تصريحات رشدي حول مواقعة المسبية لم تأت من فراغ، بل هي تعكس آراء مدارس فقهية وتستند إلى نصوص قرآنية صريحة، وبالتالي فإن علاج هذا الأمر يجب أن يبدأ من خلال قراءة مختلفة للنصوص تقوم على تأويل يراعي قيم الدين ومقاصده الكبرى الهادفة للحفاظ على حرية وكرامة الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: الإخوان المسلمون..لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (2)

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
قضية سبي النساء وأزمة الفقه الإسلامي 8A1B66B0-FE4C-42C4-9645-0B31E1704422.jpg AFP قضية-سبي-النساء-وأزمة-الفقه-الإسلامي نساء أيزيديات يتظاهرن في العام 2015 أمام مقر الأمم المتحدة، تضامنا مع الأيزيديات اللواتي ا 2019-10-02 16:16:39 1 2019-10-02 16:17:39 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.