صدامات بين المعلمين الأمن الأردني
صدامات بين المعلمين الأمن الأردني

514482 4

نضال منصور/

لو وقع إضراب المعلمين في الأردن قبل 10 سنوات لاستطاعت الحكومة وأده في الحال، أو في أسوأ الأوضاع تطويقه وإنهاءه بعد أيام.

الزمن تغير، وقواعد اللعبة تغيرت، والحكومات المتعاقبة لا تفهم ذلك، أو لا تريد استيعاب ذلك، ولهذا فإن إضراب المعلمين أوشك أن يكمل شهرا منذ أن تصدت الحكومة وأجهزتها الأمنية لاعتصام المعلمين ومنعت وصولهم إلى مقر رئاسة الوزراء في الدوار الرابع.

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي ما عادت الحكومات قادرة على تعبئة الرأي العام وفق رؤيتها ومواقفها، وما عادت قادرة على تضليل، أو تزييف الأحداث بناء على مصالحها، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي "دولة موازية" تعبأ، وتحشد، وتشتبك، وتبني الروايات للأحداث حتى وإن تناقضت مع الصورة التي تريد تعميمها الحكومة.

هذا ما حدث منذ إضراب المعلمين في الأردن. فمنع الاعتصام "اخترعته" الحكومة لتقول إنه إجراء لحماية المصالح العامة وعدم تعطيلها، فرد النشطاء على السوشيل ميديا ليفندوا قصتها، ويكذبوها، ويظهروا كيف تسببت الحكومة بقرارها في تعطيل و"شل" البلاد واحتجازها ليوم كامل.

مباشرة وزارة التربية إجراءاتها التصعيدية لم يرهب المعلمين

​​طوال الأسابيع الماضية رصد الناس مفاوضات الحكومة ومجلس نقابة المعلمين، ورغم حرص بعض وسائل الإعلام على إظهار أن الحكومة تقدم التنازلات، والتركيز على "تعنت" مجلس النقابة، وإيهام الناس بوجود أجندة سياسية خفية، فإن الاصطفاف المجتمعي خلف مطالب المعلمين والمعلمات كان كبيرا جدا، ولم تنجح الحكومة بكل وسائل ضغطها في إقناع أولياء أمور الطلبة والطالبات بإرسال أبنائهم وبناتهم للمدارس.

يعيش الأردن منذ إضراب المعلمين حالة من الشلل في الحياة العامة، فالحكومة منشغلة في هذا الملف، والبرلمان يسعى ليكون وسيطا نزيها يقدم المبادرات ويسعى للتوفيق لإيجاد تفاهمات، والنقابات عالقة وسط حالة الشد والضغط، والبحث عن التوازن والمصالح، والأحزاب السياسية غائبة في معظمها، ومنظمات المجتمع المدني التي تقف في غالبها في صف نقابة المعلمين تأثيرها محدود، والقناعة الراسخة أن الأزمة تدار خارج مجلس الوزراء، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني باستثناء إشارته الى ضرورة الحوار للوصول الى تفاهم، مع الحفاظ على مصالح الطلبة والعملية التعليمية لم يدخل على المشهد بقوة، ولم يتدخل بشكل مباشر للوصول إلى تفاهمات وإنهاء الأزمة التي تقلق الناس، وكل ذلك يؤشر إلى احتمالية تزايد الغضب والاحتقان السياسي والاجتماعي.

لم تنجح الحكومة في إدارة ملف التفاوض مع نقابة المعلمين، ولم تستطع بقرارها الأحادي بإقرار علاوات محدودة للمعلمين والمعلمات كسر الإضراب، والواقع الآن أن الأزمة تعمقت ودخلت في نفق مجهول.

اليوم لا يُحسد أحد في الأردن على الوضع الذي وصلنا إليه، فالحكومة بعد قرارها الأحادي الجانب بالعلاوات المحدودة لم تنزع فتيل الأزمة، وقرار المحكمة الإدارية بوقف الإضراب لحين البت في الدعوى لم يخفف الاحتقان، بل زاد منسوب القلق من مواجهة قادمة، ومباشرة وزارة التربية بإجراءات تصعيدية ضد المعلمين بدأت بخصومات من رواتبهم، وتواصلت في الحديث عن الاستغناء عنهم، واستبدالهم، لم يرهبهم ولم يثر حالة من الفزع بينهم.

الأسوأ من الإجراءات الإدارية التي يمكن أن تتخذها وزارة التربية بحق المضربين مظاهر التنمر والتهديد والاعتداء التي تتعرض لها بعض المعلمات، وهو ما دفع حملات مناصرة للإضراب إلى دعوة الناس لتوثيقها وتقديم الشكاوى بحق مرتكبيها.

لو كانت الحكومة تملك الولاية والقرار في التعامل مع الاضراب لامتلكت الشجاعة وجرأة الاعتذار عن منع الاعتصام والتجاوزات التي وقعت في 5/9/2019، واستطاعت إدارة مفاوضات ناجحة تنتهي بالاتفاق على جدولة علاوة الـ 50 بالمئة التي طالبت بها النقابة، أو الاتفاق على تغطية جزء منها، لكنها للأسف ـ أي الحكومة ـ اعتمدت المماطلة، والتسويف، وشراء الوقت، وتقديم عروض مبهمة، والأهم شيطنة النقابة ومطالبها والتحشيد ضدها.

حسمت المحكمة الإدارية العليا الجدل القانوني وأكدت على ضرورة وقف الإضراب، وهو قرار واجب التطبيق ولا يستطيع مجلس نقابة المعلمين التنصل منه، أو الاعتراض عليه، وهذا يعني أن استمرارهم في حث المعلمين والمعلمات على الاستمرار بالإضراب يعرضهم للمساءلة والملاحقة القانونية.

وفي الاتجاه الآخر ماذا ستفعل الحكومة لمواجهة أطول إضراب بتاريخ الأردن، وماذا ستفعل الحكومة إذا كان استطلاع ـ غير علمي ـ لقناة المملكة بنهاية يوم 30 سبتمبر 2019 يؤكد أن 18 في المئة فقط من أهالي الطلبة والطالبات أعلنوا أنهم سيرسلون أبنائهم وبناتهم للمدارس، في حين أن 82 في المئة يصرون على عدم إرسالهم؟

الأردن يعيش منذ إضراب المعلمين حالة شلل والقناعة الراسخة أن الأزمة تدار خارج رئاسة الوزراء

​​كيف ستواجه الحكومة مجلس نقابة المعلمين المتماسك بخطاب مطلبي واضح ويلتف حوله مئات الآلاف من المعلمين والمعلمات؟ ماذا لو أصر مجلس نقابة المعلمين على رفضه تنفيذ القرار القضائي؟ هل تستطيع جهات إنفاذ القانون حبسهم؟ ولنفترض أنها فعلت ذلك، فكيف ستجبر المعلمين والمعلمات في الميدان أن يعودوا لمدارسهم؟ وإن لم يفعلوا واستمروا في "عصيانهم" هل تستطيع وزارة التربية أن تستبدل غالبية المعلمين والمعلمات المضربين بطاقم جديد؟

لم يعد "إضراب المعلمين" أزمة بين الحكومة والنقابة، بل أصبحت معركة تخوضها قوى مجتمعية باعتبارها عنوانا للكرامة والعدالة الاجتماعية، وعزز هذه التوجهات والاتجاهات كلام نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة "نجوع معا أو نشبع معا"، وباتت الأزمة المتصاعدة فرصة لكل خصوم الحكومة لتوجيه لكماتها على أمل أن يطاح بها.

47 مؤسسة مجتمع مدني وحزب سياسي ونقابات عمالية أصدروا بيانا رفضوا فيه النهج الحكومي في معالجة مطالب نقابة المعلمين، واعتبروا أن الحكومة ترتعب من أي تحرك سلمي منظم، ولم تدر الأزمة بالحكمة المطلوبة، وإنما بمعالجة أمنية صرفة.

البيان أكد أن أي تحرك من شأنه كسر هيبة المعلم أو هدر كرامته لا يتيح إلا مزيدا من الحنق محذرين من انفجار شعبي.

القراءة الواضحة أن الدولة لا تحتمل استمرار الإضراب لوقت أكثر من ذلك، وأن الضغوط على النقابة لم تنجح في إضعافها "وفصم" دعم قطاع واسع من المجتمع لها، وإجبار المعلمين والمعلمات على تعليق الإضراب بقوة القانون وبالقرارات القضائية ليس مضمون النتائج، ويزج بمرفق العدالة في تجاذبات سياسية غير محمودة العواقب.

إذن يواجه الأردن اليوم استعصاء سياسي اقتصادي اجتماعي، و"إضراب المعلمين" الذي يرفع شعارات مطلبية بحتة، قد يتحول إلى "لغم" قد ينفجر في أي لحظة فيهدد الاستقرار والسلم الأهلي، ويعيد سيناريو "اعتصامات الرابع" التي أطاحت بحكومة الرئيس السابق هاني الملقي، خاصة إذا ما ضيقت الحكومة بإجراءاتها التصعيدية الخناق على المعلمين والمعلمات واتخذت تدابير قاسية بحقهم.

إضراب المعلمين قد يتحول إلى "لغم" يهدد الاستقرار والسلم الأهلي

​​ما الحل؛ هو السؤال الذي يبحث عن إجابة؟

خطير أن تغلق الحكومة باب الحوار والمفاوضات والتسويات وتدفع نقابة المعلمين نحو الحائط، وخطير أن تتحول الحكومة لـ "محاسب"، فتدخل في "مفاصلة" مالية مع المعلمين والمعلمات، والجميع يفهم أن القصة والمعضلة أبعد من 112 مليون دينار سنويا لا تستطيع الدولة أن تتدبرها لطي هذا الملف المقلق، والعقدة ـ وهذا الأهم ـ أن من يدير المشهد لا يريد لنقابة مهما كانت أن تفرض إرادتها وقوتها، و"تعصي" أوامر الدولة خوفا من تكرار المشهد في المستقبل.

كلما مضى يوم جديد والاعتصام مستمر تعقدت القضية، وأصبحت معركة "كسر عظم" هي السيناريو الماثل أمامنا، فكيف الطريق لحل ثالث ينصف المعلمين، ولا يظهر أن الحكومة هزمت.

الفرصة الأخيرة والحل البسيط أن يتدخل رأس الدولة الملك عبد الله لنزع فتيل الأزمة، وإبطال "صاعق الانفجار" بمبادرة تحمي الأردن، والنتيجة لا غالب ولا مغلوب، بدلا من إعادة المعلمين والمعلمات "مخفورين" ومجبرين إلى المدارس بقوة القانون.

اقرأ للكاتب أيضا: زعماء في قصور وشعوب في القبور

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
من يُبطل "صاعق الانفجار" في الأردن؟! C8A6A000-E591-47D4-A8D6-F8963B30A85D.jpg AFP من-يُبطل-صاعق-الانفجار-في-الأردن صدامات بين المعلمين الأمن الأردني 2019-10-03 11:34:28 1 2019-10-02 18:41:48 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟