514632 4

فارس خشّان/

لبنان "ثقيل الهمة" يشاهد العراق المنتفض. يحاول أن يفهم ما يحصل، ليجري مقارنة بين مأزقين، بين أملين، وبين مصيرين.

كلاهما يذهب إلى صناديق الاقتراع "غير المطابقة للآمال". كلاهما يواجه "وضعا دقيقا". كلاهما حائر بمفاهيم افتراضية للوطنية وللعمالة. كلاهما يعاني الشح والحرمان والبطالة والفقر. كلاهما يرى صور قاسم سليماني، وهو يقود "الانتصارات الإلهية"، مع "حزب الله" هنا و"الحشد الشعبي" هناك، ضد "الأعداء الشيطانيين"، الذين وإن احتفلنا بالانتصار عليهم، فإنهم يستمرون أشباحا للاستغلال "الأبدي".

العراقيون، بعزمهم، قادرون أن يصنعوا أمّة

​​كلاهما يرى الفاسدين متسيّدين، وفي أبراجهم العاجية محميين. كلاهما تائه بين الساعين إلى إصلاح بالحناجر وبين المتشدقين بإصلاح بالنيات. وكلاهما مدرك أنه محكوم بالدخول في نفق لا يخرج منه أحد حيّا إلا بمعجزة.

ولكن لماذا شعب لبنان يبدو خمولا، ثقيل الهمّة، غارقا في الثرثرة، وعاجزا عن النهوض، في حين ينتفض العراقيون، بين فترة وفترة، ويرفعون الصوت عاليا، ويستقطبون اهتمام العالم إلى معاناتهم واستغلالهم وبطالتهم وفقرهم وجوعهم؟

ولماذا "الإيرانية" عند شيعة العراق ليست عروبة وليست مرجعية مقدسة، وتاليا فهي قابلة للنقد والمعارضة والرفض والطرد؟

هل أن إشكالية "الخمول" اللبناني تكمن في أن "الوكيل الإيراني" المتمثل بـ"حزب الله" أعنف من الحرمان وموجع أكثر من الفقر وأكثر بطشا من البطالة، ومانع للتعددية المنتجة للجرأة الميدانية؟

أم أن الاحترافية في سحب الناس من المواطنية إلى الطائفية، تفرض قواعدها، بحيث تصبح "الإيرانية" في خدمة "الشيعة" حتى لا تغلبها "السعودية" التي يفترض نظريا أنها في خدمة "السنة"، كما كان قد افترض يوما أن "الفرنسية" في خدمة "الموارنة"؟

وهل يعني ذلك أن الحرص على "التفوّق الطائفي" في لبنان يتقدّم على بناء المستقبل وطرد الجوع وقهر الحرمان، وتاليا يمكن أن ينام الموارنة على أنين بطونهم لئلا يضعف "قويهم"، ويحمل الشيعة جراحهم لئلا يتزعزع "سيّدهم"، ويصمت السنة على مآسيهم لئلا يندثر "زعيمهم"، و...هكذا دواليك بالنسبة لكل ما بقي في مزهرية الطوائف في لبنان؟

العراقيون، بغالبية شيعية حاسمة، ينتفضون على "الإيرانية"، وهم يرون عن كثب ويلاتها المباشرة عليهم.

اللبنانيون يراقبونهم بكثير من "الإعجاب" عند فريق، وبكثير من "التعجب" عند فريق آخر.

"المعجبون" يحلمون أن تنتقل العدوى إلى لبنانهم، و"المتعجبون" يخشون ذلك.

والغريب أن "المعجب" و"المتعجب" كلاهما مهدّد بمستقبل وطنه وبلقمة عيشه وبشبح الانهيار.

لماذا شعب لبنان يبدو خمولا، ثقيل الهمّة، عاجزا عن النهوض، في حين ينتفض العراقيون

​​ولكنّ الفريقين لا يتطلعان إلى ما يحصل في العراق من منطلق اجتماعي وحياتي ووطني بل من منطلق سياسي بحت. الجوع ليس عدوهم بل العضلات السياسية المهيمنة.

ولعله في هذه النقطة بالذات يكمن الفارق الكبير بين شعب "همّته ثقيلة" وبين آخر قادر أن ينتفض وأن يثور وأن يحاول استنقاذ ذاته.

وبهذا المعنى، وحتى إشعار آخر، مبروك لقاسم سليماني "انتصاراته المستمرة"، بدم أبناء لبنان، منذ يوليو 2006 حتى اليوم، ومبروك للعراقيين همّتهم، سواء انتصرت انتفاضتهم هذه المرة، أم انتكست مرة جديدة، كما يتوقع كثيرون.

العراقيون، بعزمهم، قادرون أن يصنعوا أمّة. اللبنانيون، بثقل همّتهم، طموحهم، هو أن تعود فتتعافى... المزرعة!

اقرأ للكاتب أيضا: "دولة لبنان العميلة"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
العراق في عيون لبنانية D7B48118-B9F9-4CAD-951D-82ACB065C8FE.jpg AFP العراق-في-عيون-لبنانية متظاهر عراقي في بغداد 2019-10-04 12:02:36 1 2019-10-03 18:37:11 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.