متظاهر في مواجهة قوات الأمن العراقية في البصرة
متظاهر في مواجهة قوات الأمن العراقية في البصرة

514732 4

مصطفى فحص/

كشفت انتفاضة الشعب العراقي العفوية عن أزمة عميقة يعيشها النظام السياسي العراقي الذي أُسس سنة 2003 ولم يَعد قادرا على إعادة إنتاج نفسه وتقديم طبقة سياسية جديدة تملك قدرة الحفاظ على مواقعها في السلطة وحماية مكتسباتها.

يُعتبر رئيس الوزراء العراقي الدكتور عادل عبد المهدي آخر الوجوه التوافقية التي تمثل ما تبقى من هذا النظام، لذلك ليس من السهل عليه تقديم استقالته لأن ذلك يعني انتهاء مرحلة سياسية كاملة، الأمر الذي يُعرض النظام برمته لأزمة مفتوحة لا إمكانية الخروج منها.

لهذا السبب لجأت أركان النظام الأساسية إلى استخدام العنف المُفرط من أجل فرض حل أمني لا بديل عنه، من وجهة نظرها، حتى تُعيد تثبيت سيطرتها وهيبتها التي كسرتها التظاهرات، بعدما رفعت سقف مطالبها وجعلت إسقاط النظام في سُلّم أولوياتها، كرد فعل طبيعي على 16 سنة من الفساد والفشل في بناء الدولة وسوء الإدارة.

السلطة متمسكة بخيار القمع، فيما تتسع التظاهرات ويتماسك الشارع

​​الأزمة باتت أعقد من أن تمنح الحكومة راتبا شهريا للأسر المعدومة. في هذا الوقت، تقترب الانتفاضة الشعبية من بلورة شخصيتها السياسية وتحديد مطالبها، ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم.

ففي شوارع بغداد وبقية المدن المنتفضة تتعدد مطالب المحتجين وتختلف لكنها تُجمع على فكرة واحدة هي التغيير. والتغيير هنا أبعد من إسقاط حكومة أو تعديلها، أو محاسبة فاسد هنا ومُقصّر هناك، فقد بات التغيير المطلوب الآن أشبه بانقلاب كامل على كافة العناوين والتحالفات والانتماءات التي رُفعت في المرحلة السابقة، ما جعل المتظاهرين في مواجهة دموية مع مشروع عقائدي منظم ومسلح، يتحكم بمقدرات الدولة، ويملك كل المسوغات من أجل الدفاع عن مصالحه وانتماءاته الداخلية والخارجية.

يفتح هذا الواقع الباب على مصراعيه أمام مواجهة دموية تكمن خطورتها أنها تجري ضمن بيئة دينية واجتماعية واحدة، ما قد يؤدي إلى عنف أهليّ أقرب إلى حرب أهلية داخلية. فالمناطق المنتفضة تنتمي بأغلبها إلى مكوّن واحد. فالمتظاهرون في أغلبهم من أبناء الوسط والجنوب، ويتعرضون لعملية قمع من جهات تنتمي إلى نفس العقيدة والناحية، وهو ما يمكن وصفه بأن القاتل والمقتول من بيئة واحدة.

لذلك، يمكننا المجازفة واعتبار أن ما يحدث هو انتفاضة شيعية ضد السلطة الشيعية التي تحكم العراق منذ 2003، وضد كل ما تمثله وترتبط به، فقد تجاوز المتظاهرون خطاب السلطة وأحزابها الأيديولوجي، ولم يعد ممكنا استخدام فزاعة النظام السابق خصوصا أن هذا الجيل عاش في ظل حكم أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي تمارس بعض أطرافها قمعا لا يقل قسوة عن النظام السابق.

على هذا الأساس، يرى المتظاهرون أن هذه الأحزاب، وراعيها الإقليمي، هي السبب المباشر لمظلوميتهم، ما دفعهم إلى التحرك باستقلالية كاملة دون الخضوع لشروط بعض الأحزاب أو التيارات التي كانت ترفع شعاراتها الشعبوية لتحقيق مكاسب حزبية خاصة.

فمما لا شك فيه أن التظاهرات كسرت احتكار التيار الصدري لفكرة التظاهرات الكبيرة، ورفعت شعارات متقدمة على ما ترفعه التيارات المعارضة الرسمية مثل (الحكمة وتحالف النصر)، كما طالبت باستعادة سيادة الدولة ووقف التدخلات الخارجية في شؤونها.

يأتي هذا التحول ضمن سياقات اجتماعية أعادت تعريف الهوية الوطنية الجامعة، ولجأت إلى خيار الدولة، وأعلنت تمسكها بمؤسسات الدولة العسكرية خصوصا الجيش بوجه قوى ما دون الدولة وسلاحها غير الشرعي، الذي يستخدم الآن في قمعها، وهي تعلم أن مهمة هذا السلاح الدفاع عن نظام 2003، وقد عبرت الشعارات التي رفعت عن هذا الأمر بوضوح.

يرى المتظاهرون أن أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، وراعيها الإقليمي، هي السبب المباشر لمظلوميتهم

​​لا تملك السلطة أدواتا للحل. هي متمسكة بخيار القمع، فيما تتسع التظاهرات ويتماسك الشارع الذي يتمتع بإرادة وشرعية فعلية، بينما هناك أطراف كثيرة تراقب عن كثب خصوصا العالقة ما بين الحفاظ على مكاسبها من السلطة وعلاقتها بجمهورها الذي لم ينتظر قرارا حزبيا للنزول إلى الشارع، وتتعاطى بإربتاك كامل، حيث تواجه صعوبة في مصادرة المظاهرات، ما يزيد من حذرها منها.

يقاوم نظام 2003. يرفض الاستسلام. هو يمثل امتدادا لنظام إقليمي، يخوض صراع نفوذ جيوسياسي، يستخدم العراق كحيز جغرافي في معاركه للدفاع عن مصالح أمنه القومي، ويعيش هذا النظام الإقليمي أزمة سياسية واقتصادية حقيقية. لا يبدو أن هذا النظام الإقليمي، بمنظومته الأيديولوجية وامتداداته السياسية دون الدولتية، سيتردد في تكرار التجربة السورية في العراق.

هذا بات واضحا من خلال التصدي العنيف للمتظاهرين، والدعم السياسي للحكومة دون مراعاة الحساسيات الوطنية العراقية ونزعتها الاستقلالية، التي ظهرت من خلال هتافات المتظاهرين، ورُسمت أولى ملامحها في محافظة "ذي قار" عندما فتح المتظاهرون الطريق أمام رتل قوات مكافحة الإرهاب على هتاف "عبدالوهاب الساعدي" الذي باتت قضيته، كما قال الكاتب اللبناني خيرالله خيرالله، أبعد من قضية إقصاء ضابط.

اقرأ للكاتب أيضا: اللجنة الدستورية... تأسيس جديد للعنف وليس للحل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
العراق... نظام 2003 يترنح 21AD987E-BBDB-4B01-941D-70F232BC3715.jpg AFP العراق-نظام-2003-يترنح متظاهر في مواجهة قوات الأمن العراقية في البصرة 2019-10-04 13:40:20 1 2019-10-04 13:53:57 0

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.