أردوغان
أردوغان

514489 4

عمران سلمان/

على السطح يبدو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ممسكا بزمام الأمور، لكن في العمق، فإن رصيده آخذ بالتآكل والاضمحلال تدريجيا، فيما "الأردوغانية" مستمرة في التعثر والنار توشك أن تمسك بأطرافها وتكاد تلتهمها ولو بعد حين.

انزلاق نحو الديكتاتورية

يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية الحاكم يعيش اليوم مرحلة الشيخوخة والتفكك، بعد أن استنفد طاقة الدفع التي كان يتمتع بها في سنواته الأولى والتي مكنته من السيطرة على الفضاء السياسي التركي منذ عام 2002.

وكان لافتا أن عددا من أبرز مؤسسيه قرروا القفز من سفينته الغارقة، وآخرهم علي باباجان الذي أعلن عزمه تشكيل حزب سياسي جديد قبل نهاية العام، بعد تفاقم خلافاته مع أردوغان. كما تم فصل أحمد دواود أوغلوا وأربعة من قياديه بناء على أوامر من رئيس الحزب.

ثمة مخاوف من عودة تركيا إلى زمن الاضطرابات السياسية والتغير السريع للحكومات

​​وبحسب مسؤولين سابقين في حزب العدالة والتنمية فإن الحزب يعاني من تزايد الانشقاقات وفقدان التواصل مع قواعده الشعبية، وقد خسر العام الماضي وحده نحو 840 ألفا من أعضائه.

لكن السؤال هو ما الذي أوصل حزب العدالة والتنمية إلى هذا المصير؟

الإجابة المختصرة هي زعيمه أردوغان الذي يبدو أنه لم يتعاف كليا من آثار المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016، والتي وإن لم تسقطه فقد تركت آثارها واضحة عليه، وبحسب بعض المراقبين فقد حولته إلى شخصية مهووسة ومستنفرة وغير قادرة على الثقة بأقرب المقربين إليه.

وفي حين أخذ أردوغان بدفع تركيا للانزلاق أكثر فأكثر نحو الديكتاتورية، فقد كان وقع هذا النهج على العدالة والتنمية ليس أقل من ذلك، حيث سعى إلى إبعاد كل من يشك في ولائه له أو لا يشاطره الرأي، وخلق حاشية من المطبلين والمطيعين حوله مثل رئيس الحكومة السابق علي يلدريم ووزير الخارجية جاويش أوغلو.

استعادة المجد العثماني 

جرس الإنذار الذي قرع في رؤوس العديد من كوادر الحزب هو خسارة انتخابات بلديات اسطنبول وأنقرة لصالح حزب الشعب الجمهوري المعارض. فهذا الحزب الأخير الذي كان في السنوات القليلة الماضية فحسب بالكاد قادر على لم شتاته والظهور كحزب سياسي متماسك، بات اليوم أكثر قدرة على حشد الشارع والاستعداد لمنافسة الحزب الحاكم، وذلك كله بفضل السياسات المغامرة والعبثية التي اتبعها أردوغان في السنوات الماضية والتي لم تجلب أي منفعة لتركيا والأتراك، بدءا من الأزمة السورية وليس انتهاء بالتوتر مع الولايات المتحدة، وما بين ذلك القطيعة مع الاتحاد الأوروبي وتوترات مع العراق واليونان وغيرها من الدول المجاورة.

هذا فضلا عن السير خلف نظريات المؤامرة التي يتفنن في صياغتها إبراهيم قراغول، رئيس تحرير صحيفة يني شفق المقرب من أردوغان، والذي لا يزال يعيش في زمن العثمانيين والحروب الصليبية والمؤامرات الدولية!

هذا السعي المرهق، والذي استنفد طاقة تركيا وما راكمته من نجاحات اقتصادية وسياسية في السابق، بحثا عن دور في بطون التاريخ وأعمدة الخيال، جعل الكثير من الأتراك، بمن فيهم من كانوا معجبين حتى وقت قريب بسياسات أردوغان، يبدون خشية واضحة على المستقبل الذي ينتظر البلاد.

تحديات أمام الأتراك

لا شك أن أمام تركيا عدة تحديات، باتت تتضح معالمها تدريجيا، من بينها، كيفية المحافظة على استقرار الاقتصاد ومنعه من التدهور، وثانيا، تعديل مسار السياسة الخارجية بحيث تعكس مصالح البلاد الواقعية بدلا من توظيف ثقل تركيا في حروب أيديولوجية وعقائدية عفا عليها الزمن، وثالثا، تعزيز الوحدة الداخلية والتعاطي مع القضية الكردية من منظور مختلف.

يبدو أن أردوغان لم يتعاف كليا من آثار المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016

​​للأسف لا يبدو أن النظام الحالي قادر على التعاطي الناجع مع هذه التحديات. فتغيير الدستور إلى النظام الرئاسي، الذي كان يفترض أن يسهل من عملية اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات، تحول إلى وسيلة يمارس من خلالها أردوغان طموحاته الشخصية والزعامية، وبطريقة تهدد بعزل تركيا عن محيطها الإقليمي ويعقّد من علاقاتها الدولية.

لكن من الجهة الأخرى، ثمة أيضا مخاوف من عودة تركيا إلى زمن الاضطرابات السياسية والتغير السريع للحكومات الذي سبق مجيء حزب العدالة والتنمية للسلطة، وما كان يتسبب فيه من عدم استقرار سياسي واقتصادي.

هذه التحديات التي تتأرجح بين الأمن والسياسة والاقتصاد، ترهق كاهل الأتراك وتزيد من حالة التوتر في البلاد، وعاجلا أو آجلا من شأنها أن تدفع إلى تغيير الخارطة السياسية الداخلية.

اقرأ للكاتب أيضا: الرومي لم يكن نبيا ولكن أوتي كتابا! 

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
النار تكاد تمسك بأطراف أردوغان 51804244-CD84-499D-87CB-FF8F588EAA60.jpg AFP النار-تكاد-تمسك-بأطراف-أردوغان أردوغان 2019-10-04 11:40:07 1 2019-10-02 19:13:05 0

عقيل عباس

كان العراق يأمل في اغتنام قمة بغداد العربية لإعلان عودته كلاعب مؤثر على المسرح الإقليمي، لكن الحدث انتهى بنكسة دبلوماسية، على ما يبدو، كشفت عن انقسامات داخلية عميقة.

في هذه المقابلة، يوضح الخبير السياسي، الكاتب، الدكتور عقيل عباس، أن فشل القمة لا يرتبط بغياب القادة العرب بل هو نتيجة تخريب داخلي، وسلوك سياسي غير مقبول.

ـ هناك شبه إجماع على فشل القمة العربية في بغداد. هل تتفق مع هذا التوصيف؟

ـ القمم العربية عموما فاشلة لأسباب بنيوية ليست مرتبطة بالضرورة باستضافة العراق لهذه القمة. لكن في قمة بغداد كان هناك فشل مضاعف بسبب الصراع السياسي العراقي-العراقي حول تنظيمها. هناك أطراف أرادت ألا تحصل حكومة (رئيس الوزراء العراقي محمد شياع) السوداني على ما يمكن أن نسميه منجز تنظيم قمة سلسة أو قمة بمستوى القمم الأخرى حتى وإن كانت من دون نتائج عامة عربية، لكن بمشاركة عالية من الزعماء، وحصول اجتماعات جانبية، هي في العادة أهم من الاجتماع العام.

ـ لكن غياب معظم القادة العرب لم يكن بقرار عراقي داخلي.

ـ صحيح، لكن كان هناك سلوك سياسي عراقي أدى إلى تضامن القادة العرب في قرارهم عدم المجيء إلى بغداد. كان هناك خطاب عدائي نحو الكويت، وإثارة لموضوع خور عبدالله. فاستنجدت الكويت بمجلس التعاون الخليجي ومارست ما تستطيع من تأثير على الزعماء الآخرين كي لا يحضروا. إضافة إلى ذلك، الحديث عن وجود مذكرة إلقاء قبض على الرئيس السوري أحمد الشرع، هذا الحديث غير مناسب وغير مقبول، فضلا عن تهديد بعض قادة الكتل السياسية في العراق بأنهم لا يضمنون سلامته إذا حضر القمة. 

هذا الكلام يتجاوز أبسط القواعد البروتوكولية، فالعراق ملزم وفق نظام الجامعة العربية بأن يستضيف كل الزعماء العرب. حديث بعض أطراف الإطار التنسيقي، وهو الائتلاف الحاكم في العراق، بهذا الشكل يبعث رسائل بأن هناك فوضى سياسية في العراق وليس هناك وحدة في القرار السياسي.

ـ ماذا كشفت هذه القمة عن علاقة العراق بما يُسمى "الحاضنة العربية، في رأيك؟

ـ أعتقد أن العالم العربي شبه يائس من العراق، من أن يلعب دورا فاعلا ومؤثرا للأسباب التي ذكرتها مجتمعة. إذا لم يستعِد العراق وحدة قراره السياسي، وإذا لم يظهر أنه قادر على فرض إرادته داخل إقليمه الجغرافي، باعتقادي، لن يأخذه أحد على محمل الجد.

ـ هناك من يعتقد أن فشل قمة بغداد هو انعكاس للوضع العربي العام، خصوصا مع بروز مؤشرات كبيرة على أن المنطقة تتغير، وأن هناك خريطة جيوسياسية في طور التشكل. زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج الأسبوع الماضي، ربما وضعت النقاط على الحروف في هذا السياق. ما رأيك؟

ـ اتفق مع هذا الطرح. زيارة ترامب كانت تاريخية، بصرف النظر عن رأينا بترامب. أبرزت الزيارة، التي كانت اقتصادية بامتياز، أن هناك نهجا تنمويا رائدا سينتج من دول الخليج، وتحديدا السعودية، خصوصا مع دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع ولقائه بترامب، والوعد الأميركي برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا.

ـ ماذا يعني رفع العقوبات عن سوريا بالنسبة لمستقبل المنطقة؟

ـ إلى جانب رفع العقوبات، هناك حديث الآن عن مفاوضات سورية إسرائيلية من وراء الكواليس بشأن اتفاقية تطبيع، وهذه قد تضمن لسوريا دعما اقتصاديا غربيا، وبالتالي فإن اتباع سوريا نهجا اقتصاديا، يعني أننا سنشهد بروز التنمية الاقتصادية كقضية أساسية ومركزية عربيا، ابتداء من السعودية ودول الخليج الأخرى، ثم سوريا. 

ـ أين سيكون العراق في سيناريو كهذا؟

ـ أنا أعتقد أن هذا سيؤثر على العراق كثيرا. بدلا من الحديث عن الماضي والصراعات، سيكون الحديث عن المستقبل. وسيكون "الإطار التنسيقي" تحت ضغط هائل حينها، إذ لابد من أن يُنتج شيئا للمجتمع بخصوص المستقبل، كما تفعل دول الجوار التي تجاوزت العراق بأشواط طويلة.

ـ بالعودة إلى قمة بغداد، كيف يؤثر "فشل القمة" على صورة العراق عربيا ودوليا؟

ـ أنا لا أعتقد أن موضوع الضرر الخارجي مهم. تأثيرها داخلي، إذ أبرزت النزاع الحاد داخل الإطار التنسيقي، بين الحكومة وبعض أطراف الإطار، وهذا ستكون عواقبه أكثر تأثيرا. السيد السوداني، أكيد، يشعر بغضب  شديد، وهذا سينعكس على طريقة تعامله مع الإطار. 

ـ كيف؟ 

ـ لا أعرف. ربما من خلال تأكيده على دور عربي للعراق، لأن رئاسة القمة تستمر لمدة سنة كاملة. وهناك ملفات كثيرة يمكن أن يشتغل عليها العراق. التبرع بـ20 مليون دولار لغزة، و20 مليون للبنان، يبدو لي، أنه تهيئة لدخول العراق على ملفات هذه البلدان. وهذا يُحسب لحكومة السوداني.

ـ بأي طريقة سيتدخل العراق في ملفات غزة ولبنان، باعتقادك؟ 

ـ ربما بالتوسط بين حزب الله والحكومة اللبنانية، وكذلك بين حماس والسلطة الفلسطينية. لا يبدو لي أن التبرع بالأموال يأتي من دون غاية.

ـ بالإشارة إلى حديثك عن صراع بين السوداني والإطار، هل هذا يعني تضاؤل حظوظ السوداني بولاية ثانية؟

ـ ما حصل في القمة هو فقط مرحلة من مراحل الصراع. أعتقد أن الخلاف سيتصاعد. من الفوائد المؤسفة للقمة أنها أظهر هذا الصراع بين الحكومة ومعظم أطراف الإطار التنسيقي إلى العلن. هم لا يريدون أن يحقق السيد السوداني أي منجز.