514947 4

عريب الرنتاوي/

تخطت انتفاضة العراقيين مثيلاتها المندلعة بأشكال مختلفة، وبتوقيت متزامن، في عدة بلدان عربية، بما استنبطته من دلالات ومعانٍ، تتجاوز الجغرافيا العراقية إلى الإقليم برمته، حيث يتداخل "البعد الوطني" للانتفاضة، بأبعادها الإقليمية والدولية، فتبدو كما لو كانت "رجع صدى" لنزاعات المنطقة وصراعات محاورها، ولعل هذا ما يفسر إلى "حد ما"، التعامل "الدموي الفظ" مع المحتجين السلميين، وسقوط عشرات القتلى وألوف الجرحى في أوساطهم، في غضون أيام معدودات.

من حيث "المُشتركات"، تلتقي الانتفاضة الشعبية العراقية، بكثير من "المشتركات" مع انتفاضة السودان والجزائر، والاحتجاجات والاضرابات والاعتصامات التي شهدها لبنان والأردن ومصر والمغرب مؤخرا: حركات شبابية بمشاركة نسائية كثيفة، عفوية وليست مرتبطة بأية جهة منظمة، اعتمدت السوشيال ميديا كأداة للتعبئة ووسيلة للقيادة والتنظيم، مطلبية في جوهرها سرعان ما تتحول إلى الشعار السياسي، عابرة للهويات الفرعية من مذهبية وطائفية وعرقية، حركات شعبية واسعة، تسعى في إنتاج قيادتها الشرعية، في غياب قيادة "مُعترف بها".

لإيران مصلحة في إطفاء الانتفاضة الشعبية بأي ثمن

ومن حيث "المُشتركات" أيضا، لا تختلف ردود أفعال الحكومة والنخبة المهيمنة في العراق وعليه، عن ردود أفعال كثير من الحكومات والأنظمة العربية: اعتراف لفظي بالمطالب "المشروعة" للمحتجين، مع تشديد على "المشروعة" باعتبار أن هناك مطالب "غير مشروعة"، سياسية بالذات... اتهام جهات خارجية بتحريك المتظاهرين واستغلال معاناتهم ومطالبهم "المشروعة"... العنف المستخدم ضد المتظاهرين السلميين، وإن بتفاوت، وغالبا لمواجهة "الطابور الخامس" و"الفئة المندّسة"... سرديات مملة عن عدم امتلاك الحكومات لـ"عصا سحرية" لحل مشاكل الناس، وسعي لتحميل الأنظمة والحكومات السابقة، وزر الخراب المقيم... تحذيرات من "خطورة المرحلة" ومناشدات لقطع الطريق على أعداء الوطن "المتربصين"، ووعود تُقطع بالجملة والمفرق بمحاربة الفساد وإصلاح الشأن العام، وتدبير احتياجات المواطنين.

أما ما يجعل الانتفاضة الشعبية العراقية، مختلفة عن مثيلاتها، فهو أنها اتخذت منذ اليوم الأول لاندلاعها، مسارا مختلفا، إذ بدا "البعد الإقليمي" حاضرا بقوة في سياقاتها، ووجدت المحاور المتصارعة على امتداد الإقليم، فيها فرصة وساحة: فرصة لتسوية الحساب بعضها مع بعضها الآخر، وساحة من ساحات "حروب الوكالة" المتنقلة، لا سيما وأن الانتفاضة جاءت في ذروة التأزم والاحتقان بين طهران وحلفائها من جهة، وواشنطن وحلفائها من جهة ثانية.

الفريق الإيراني و"نظرية المؤامرة"

الفريق الإيراني، في العراق والإقليم، رأى فيها "محاولة انقلابية" على حكومة عادل عبد المهدي ونفوذ إيران المتزايد في العراق، وما لم يقله المسؤولون الرسميون (الحكوميون) في هذا الفريق بصريح العبارة، قاله كتاب هذا الفريق وإعلاميوه بأوضح العبارات، وصرّح به قادة المليشيات المحسوبة عليه، بلغة "الجنرالات" وأوامرهم العسكرية الصارمة.

بالنسبة لهؤلاء، فإن الاحتجاجات التي تديرها "غرفة عمليات أميركية ـ سعودية"، تسعى في معاقبة حكومة عبد المهدي على ما فعلته وتفعله مؤخرا... فهي عقاب على سياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدتها الرئاسات العراقية الثلاثة، بالضد من رغبة واشنطن والرياض... وهي عقوبة للحكومة لاتهامها إسرائيل رسميا بشن ضربات جوية على وحدات "الحشد الشعبي" وسعيها لامتلاك صواريخ "إس 400" الروسية، وعقودها المبرمة مع شركات غير أميركية لإعادة إعمار العراق... وهي رد فعل مباشر على عمليتي أبقيق وخريص ونجران ضد السعودية... وهي إجراء عقابي على قرار حكومة عبد المهدي فتح معبر القائم ـ البوكمال بين سوريا والعراق، تنفيذا لمشروع "الممر البري الإيراني"، وهو التعبير الأقل استفزازا عن مفهوم "الهلال الشيعي"... أما القشة التي قصمت ظهر بعير الحكومة، فتمثلت في قرار رئيسها عبد المهدي إحالة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، رئيس جهاز مكافحة الإرهاب إلى "ملاك وزارة الدفاع"، باعتباره مقربا من واشنطن كما تقول اتهامات هذا الفريق لضابط كفؤ، نجح في كسب شعبية واسعة، لدوره المتميز في المعارك ضد داعش في الموصول والرمادي وغيرهما من مدن العراق وبلداته.

لم يخطر ببال هذا الفريق، أن يتوقف مليا أمام "الأسباب الموجبة"، اقتصاديا واجتماعيا وخدميا وسياسيا كذلك، التي دفعت بمئات ألوف الشبان والشابات للخروج إلى الساحات والشوارع، مطالبين بحقوقهم المشروعة بنظام سياسي عادل، متخفف من الفساد والفاسدين، وفي الخدمات الأساسية التي تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين: الكهرباء والماء النظيف والعمل والصحة والتعليم...

لم يخطر ببال هؤلاء، أن "الفساد الملتحي" عاث تبديدا في موارد بلد غني، يرقد فوق واحد من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وأن فرسان الرهان المحسوبين على "المقاومة والممانعة" هم أنفسهم الذي عاثوا تخريبا في العراق، وتفكيكا لمؤسسات دولته وتمزيقا لمجتمعه وهويته الوطنية الجمعية الجامعة...

لم يخطر ببالهم سوى "المؤامرة" و"غرف العمليات السوداء"، لكأن بمقدور أي من الأطراف التي حمّلوها المسؤولية عن حراك الشارع وغضبه، أن يخرج مئات ألوف العراقيين من منازلهم، مقامرين بتعريض حيواتهم لخطر الموت والاصابة والاعتقال... أي هراء هذا؟

طهران، ومن يحالفها من العراقيين، فهي تنظر للانتفاضة بوصفها "تهديدا"

لم يخطر ببال هؤلاء، ذلك التزامن العجيب، بين الهبّة الشعبية المجيدة للعراقيين والعراقيات، وتوجيهات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية لحرسه الثوري، بتوسيع نفوذه وتعزيز قدراتها في الدول التي يتواجد فيها، والعراق من أهمها وفي مقدمته، ودائما بهدف خلق "خطوط دفاعية" أولى عن إيران، لكأن لا وظيفة للعراق من وجهة نظر إيرانية، إلا أن يكون خط دفاع متقدم عن إيران... تلكم التصريحات، التي لم تكن الأولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة، كفيلة بإثارة حفيظة العراقيين جميعا، بمن فيهم بعض التيارات والاتجاهات التي تعد "صديقة" لإيران، وتتفادى تأجيج الصراع مع طهران.

لقد أسقط أصحاب "نظرية المؤامرة" و"غرف العمليات السوداء"، من حساباتهم، عن غرض وبسوء نيّة، أن انتفاضة العراقيين الجارية، ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة. حصل في العام 2015، أن انتفض الشارع العراقي في وجه حكومة الدكتور حيدر العبادي، لكن الظرف الإقليمي كان مختلفا وتميز بتوقيع الاتفاق النووي مع طهران... نسي هؤلاء أو تناسوا، أن الانتفاضة تدور في المدن والمحافظات المحسوبة على "البيئة الحاضنة" للقوى الشيعية المحسوبة على إيران والمستقلة عنها سواء بسواء، فهي أقل اتساعا في مناطق العراقيين السنة، وتكاد تكون معدومة في إقليم كردستان...

نسي هؤلاء أو تناسوا أن المطالبات برحيل الحكومة وترحيلها، تأتي من قوى وكتل نيابية شيعية، لا يمكن اتهامها بالعداء لإيران، حتى وإن كانت أقل تبعية لها... نسي هؤلاء في خضم شغفهم المثير بنظرية المؤامرة، أن ثمة سجلا تاريخيا حافلا بالتنافس بين مرجعتي النجف وقم، وأن كثرة من الشيعة العرب، هم عربٌ أولا، وشيعة في المقام الثاني، وأنهم يرفضون تبعية بلدهم لأي مركز خارج العراق، سواء كان في طهران أو أنقرة أو واشنطن، وأن إحساسهم بهويتهم الوطنية، يفوق إحساسهم بهويتهم المذهبية، وقد عبّروا عن ذلك بكل صراحة ووضوح في هتافاتهم وأهازيجهم وشعارات تظاهراتهم.

إذ حتى حين حاولت بعض العواصم العربية (الرياض على سبيل المثال)، عبر قنواتها الإعلامية، تصوير الحديث العراقي كما لو كان انتصارا لها في معاركها ضد إيران، حرص العراقيون على إظهار استقلالية حراكهم الشعبي عن حروب المحاور وصراعاتها، وحصروا مطالبهم وشعاراتهم بالحرب على الفساد وإصلاح النظام السياسي وتوفير الخدمات وتحرير إرادة العراق والعراقيين من هيمنة القوى الخارجية... فالعراق لم يكن في تاريخه مُستتبعا، وهو لعب من قبل، ومؤهل لأن يلعب من بعد، دورا محوريا وقياديا في المنظومتين العربية والإقليمية.

ماذا بعد؟

من السابق لأوانه الجزم بالحصيلة النهائي للحراك السياسي والشعبي في العراق... فالانتفاضة ما زالت مستمرة وتكتسب زخما إضافية وترغم الحكومة على التراجع عن بعض قراراتها (حظر التجوال على سبيل المثال)، لكن ثمة محاولات للتهدئة وإبقاء الحال على حاله، والاكتفاء بتقديم المزيد من الوعود والقليل من المكتسبات، وهذا ما تفعله الحكومة الدكتور عبد المهدي...

أما طهران، ومن يحالفها من العراقيين، فهي تنظر للانتفاضة بوصفها "تهديدا" وليست "فرصة"، وهي تخشى أن انقطعت السلسلة من حلقتها الحكومية، أن تتناثر وتتبعثر بقية حلقات السيطرة الإيرانية في العراق... من هنا يبدو الاهتمام الإيراني بالعراق، "درة تاج" نفوذها الإقليمي برمته، لا يضاهيه أي اهتمام من أية عاصمة إقليمية أو دولية.

الفريق الإيراني رأى فيها "محاولة انقلابية" على حكومة عادل عبد المهدي ونفوذ إيران المتزايد في العراق

وليس مستبعدا أن تكون "خلايا النفوذ الإيراني" في الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية وميليشياتها، هي المسؤولة عن رفع وتيرة العنف الدامي الذي يستهدف المدنيين ورجال الأمن سواء بسواء... وحده تحقيق مستقل ونزيه وشفاف، يمكن أن يكشف المسؤولين عن جرائم القتل الجماعي للمتظاهرين السلميين...

لإيران مصلحة في إطفاء الانتفاضة الشعبية بأي ثمن، ولإيران مصلحة أعمق، في تأبيد الوضع القائم في العراق، بوصفه خط دفاع أول عنها... ولإيران مصلحة في إبقاء سيطرتها على "البيئة الشيعية" في العراق، وهي بيئة تبدو متفلتة، ورافضة للاستتباع، وغير قانعة بالحصار المر لتجربة السنوات الستة عشر التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين.

أما الخلاصة، فهي أن مستقبل حكومة عبد المهدي، وربما النظام السياسي العراقي برمته، بل ومستقبل العراق وموقعه ومكانته على الخريطة الإقليمية والدولية، ربما سيكون رهنا بالنتائج التي ستتمخض عنها انتفاضة شعبه، التي وإن لم تنجح في تحقيق مجمل أهدافها، "دفعة واحدة"، إلا أنها من دون ريب، فتحت الباب رحبا على سيناريو "الانتفاضات المستمرة والمتعاقبة" حتى الظفر باستقلال العراق واسترداد سيادته وقراره المستقل، وبناء دولته القوية والعادلة، وحكمه الرشيد المكرس لخدمة أبنائه وبناته، من دون تمييز من أي نوع.

اقرأ للكاتب أيضا: الدبلوماسية الأردنية والحبال الخليجية المشدودة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

العراق إذ ينتفض طلبا للكرامة والسيادة و"القرار المستقل" 98A9CA66-FA42-4D8C-B865-19C534AB51A9.jpg Reuters العراق-إذ-ينتفض-طلبا-للكرامة-والسيادة-و-القرار-المستقل متظاهرون يهربون بعد إطلاق الشرطة العراقية للغاز المسيل للدموع 2019-10-06 14:03:33 1 2019-10-06 14:16:33 0

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.