صدامات بين متظاهرين والأمن اللبناني
صدامات بين متظاهرين والأمن اللبناني

514633 4

منى فياض/

فيما كنت استمتع بشمس صباحية دافئة من خلف زجاج نافذتي، وأشاهد ما يجري أمامي من احتفال لردايو كندا بعيده، مع الموسيقى الاحتفالية المرافقة والحركة الصاخبة أحيانا والنشطة دائما أمامه؛ كانت بيروت تزيل آثار تظاهراتها التي جرت قبل ساعات.

هذه التظاهرات التي يبدو أنها "فاجأت المسؤولين" وأخذتهم على حين غرة! ننتظرها، وأكثر منها، منذ أجل بعيد. الاستغراب هو لماذا لا تحصل انتفاضة سلمية فعلية! وماذا ينتظر اللبناني ليعبر عن الغضب المعتمل في نفسه لرفض الحضيض الذي أوصل إليه؟

في الحقيقة يمكن اعتبار أن ما حصل الأحد من نزول إلى الشارع وما رافقه من افتعال عنف، أصبح "باراديغم" الاعتراضات اللبنانية.

موضوعيا الوضع مؤهل، كما أشرت، إلى أكثر من اعتراضات بسيطة. لكن لنتابع السيناريو المنتج في كل مرة مؤخرا.

تقترح مجموعة، أو مجموعات من المواطنين، القيام بتظاهرة في تاريخ معين تعبيرا عن الغضب مما وصلت إليه البلاد إلى حد أزمة بلغت مؤخرا حد الكارثة التي باتت تهدد بالانهيار الاقتصادي التام.

منذ العام 2015 وحتى الآن زاد عجز الدولة اللبنانية 50 في المئة

​​على الأرجح أن المبادرين من المجتمع المدني، حسن النية والساعي إلى تغيير حقيقي، شاركهم فئات من الشعب متضررة وغاضبة ويائسة وفئات أخرى دخلت على الخط.

في هذا الوقت المواطن العادي، الذي ينفخ على اللبن لاكتوائه من الحليب، يتابع ويراقب التحرك ليبني عليه سلوكه المستقبلي.

فماذا يحصل عادة؟ يبدأ الاعتراض سلميا ثم يبدأ البعض فجأة بالتوجه نحو اعتماد سلوك عنفي. وعندما يتوجه الاعتراض صوب السرايا (مقر رئاسة الحكومة) حصرا، يستنتج المواطن أن المظاهرة موجهة ضد طرف واحد في السلطة. ما يشكل حاجزا أمام جزء من اللبنانيين من المشاركة.

عندما يتم التوجه إلى البرلمان يعتبر جزء آخر من الجمهور أن الحراك منحاز. فمقار السلطة أصبحت "ملكيات محاصصاتية". وعندما يتوجه نحو رئاسة الجمهورية، التي يفترض أنها تمثل جميع اللبنانيين، تعترض الرئاسة نفسها وجمهورها الذي يجب الاعتراف أنه لم يعد يضم الجميع.

هذا إلى جانب "الشباب الأهلي راكب الدراجات النارية" الذي يتدخل في منتصف التظاهرة ويبدأ بالتحرك من الشوارع الشعبية القريبة من الوسط التجاري ليحرفها عن السلمية. الأمر الذي يُقرأ عادة بأنهم "زعران" بعض أركان السلطة.

هذا السيناريو يعيق حتى الآن قيام حركة مزلزلة، ينتظر أنها ستحصل ذات يوم، على غرار ما يحصل في العراق.

في العراق ثار الشارع مؤخرا اعتراضا على الفساد والهدر والشعبوية التي تغطي فقدان السيادة وتغطية الاحتلال. ورفع مجددا شعار: "العراق حرة وإيران برا برا".

ردت المراجع العليا في لبنان تظاهرة الأحد الفائت إلى "المؤامرة". اتخذت السلطة من هذه القراءة ذريعة لملاحقة المعترضين على بداية انهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار.

يوضع اللبناني المسكين في الزاوية. عليه أن يتحمل أعباء سوء إدارة السلطة وفسادها وتسببها بانهيار الدولة ومؤسساتها دون مجرد حق الاعتراض. يعني يا ما أحلى قمع الديكتاتوريات والأنظمة الامنية السورية عندما كانت تتحكم بلبنان.

استمعت إلى ما صرح به رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون بتاريخ 3 أكتوبر الجاري: "ممنوع أن نفشل ولن نفشل"، وأردف فخامة الرئيس "حق التظاهر لا يعني حق الشتيمة". ومع أن ما يعلنه الرئيس صحيح مبدئيا، لكنني أقف محتارة أمام الفيديوهات الرائجة التي تنقل لنا بعض مؤتمرات صحافية للرئيس نفسه وهو يشتم الصحافيين وحتى السياسيين من زملائه؟ ماذا أفعل أمامها؟ أتناساها أم ألغيها من ذاكرتي أو أطلب من فخامته تفسيرها لنا ربما كنا لا نستوعب ما المقصود منها؟ وهل إشارتي لها هنا هي "مؤامرة" تتوجب مني المثول أمام القضاء؟

أما الناطق النيابي باسم "حزب الله"، محمد رعد، فقد صرح: "علينا رسم أولوياتنا والابتعاد عن المشاكسات إذا أحسنا التعاون...". صح النوم! "حكومة الوفاق والإنقاذ" لم ترسم أولوياتها بعد! فماذا نقول لمثل هذا المسؤول؟ وهل يحق للمواطن أن يسأل النائب الكريم، وحزبه من خلفه، عن مشاركته في السلطة منذ عقود؟ وهل يشرح لنا كيف وصلنا إلى هنا؟

وعلى رأي النائب سامي الجميل في مؤتمره الصحافي، إذا كانت هناك من مؤامرة في لبنان، فهي مؤامرة احتكار المسؤولين الموجودين الآن في الحكم للسلطة، على الأقل منذ التسوية سيئة الذكر، التي تقاسموا فيها السلطة والمحاصصة بالتكافل والتضامن.

أما من يعتبرون أن العهد الحالي بريء من دم الانهيار فالسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ألم يشارك التيار الوطني الحر في الحكم منذ العام 2011، مشاركة فعالة إذا لم تكن تامة في السلطة وأراد استلام قطاع الكهرباء لإصلاحه، كما قال، وكان له ذلك؟ ألا تجمع التحليلات على لسان الخبراء أن مشكلة الانهيار البنيوية التي بتنا نعاني منها بدأت تحديدا منذ ذلك الحين؟ وإذا كان تيار "الإصلاح والتغيير"، هو حقا على ما يعلن عن نفسه، ألم يكن يعني استلامه السلطة مع العهد، البدء بلمس تحسن اقتصادي ووقف للهدر وللمحسوبيات ولانهيار الدولة؟

فماذا نجد في المقابل؟

الأرقام التي أوردها الجميل، بناء على إحصائيات موثقة كما أعلن، تبين ما يلي:

منذ العام 2015 وحتى الآن زاد عجز الدولة 50 في المئة. النمو الاقتصادي تراجع من 2 في المئة سنويا إلى صفر بداية العام إلى مؤشر سلبي حاليا. ازدادت النفقات 26 في المئة. زاد الدين العام 25 في المئة.

لا يبقى إلا إعلان لبنان دولة فاشلة تحتاج إلى إيجاد طريقة لإدارة دولية رسمية

​​وبالتالي تقع المسؤولية، على العهد أولا، وعلى جميع مكونات السلطة السياسية التي أجرت تسوية فيما بينها وتحكم بالسراء وتتلاعن وتتشاتم وتختلف بالضراء. ولا يمكن لأحد منها أن يتهم طرفا أو أن يبرئ نفسه. وخصوصا التيار الحزبي الحاكم الذي أجرى اتفاق مار مخايل مع "حزب الله"، الذي عطل سير الحكم في لبنان لعدة سنوات، فاقت في مجملها السنوات الخمس! ما أضعف الدولة وفرض هيمنة الدويلة (أين حصل هذا في العالم؟!)، كي يأتي بالرئيس الحالي وكي يمنع تسيير أي سياسة أو قرار لا يوافقه!

آن للمواطن أن يحكم بنفسه عن المسؤول الأول الذي أوصلنا إلى هنا، بتواطؤ وتغطية من جميع المشاركين في السلطة.

لا يمكن تفادي الانهيار المتسارع ولا لأي تغيير أن يحصل، إذا لم يتغير الطاقم السياسي برمته من أجل طاقم نزيه من أصحاب الخبرة الشرفاء المشهود لهم بالكفاءة ومن غير أصحاب الثروات غير المشروعة.

ونظرا لتعذر انتظار حصول ذلك طوعا من المتواجدين في الحكم، لا يبقى إلا إعلان لبنان دولة فاشلة تحتاج إلى إيجاد طريقة لإدارة دولية رسمية. وليس رعاية ضمنية فقط على ما هو حاصل اليوم.

اقرأ للكاتبة أيضا: آثار الهزيمة والقمع على الناشطين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
لبنان.. دولة محتلة وفاشلة تحتاج إدارة دولية E64456C3-C537-4343-A0EB-EAFA5AD406B7.jpg AFP لبنان-دولة-فاشلة-تحتاج-إدارة-دولية صدامات بين متظاهرين والأمن اللبناني 2019-10-06 01:40:03 1 2019-10-03 18:46:49 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟