515075 4

محمد المحمود/

يشكل التقدم المذهل المطرد للغرب جرحا نرجسيا للشرق، وخاصة لهذا الجزء من الشرق/ العالم العربي، الذي عجز عجزا مذهلا وغريبا عن تحقيق أدنى مستويات التقدم التي تكفل كرامة الإنسان فيه. ولهذا، وبدافع من تفكير رغبوي حالم، طرح هذا الشرق العربي/ الإسلامي تصورا ضِدّيا للغرب، تتجلى مظاهره في هذا الحديث المكرور عن سقوط الغرب وانحاطه وتدهوره الآني، أو الوشيك/ المتوقع/ المأمول؛ مستعينا على ترويج هذا الوهم بتعديل وتزييف وتلفيق بعض المقولات والنظريات التي ظهرت في الغرب متقاطعة مع هذا التصور؛ لتأييد هذا التنبؤ الرغبوي بسقوط الغرب عما قريب.

الغرب ـ قبل الشرق ـ تحدّث عن أزمة الحضارة الغربية/ عن أزمة حضارته، بل وتحدث، كما في رؤية شبنغلر، عن أفول الغرب أو انحطاط الغرب. الغرب يتحدث عن هذا منذ قرن ونصف القرن تقريبا، وذلك من مبدأ النقد الذاتي. حديث الغرب عن تراجع الحضارة الغربية، أو حتى عن أفولها وإفلاسها، يختلف عن حديث الشرق في هذا المضمار.

منذ بدايات القرن العشرين والأدبيات الإسلاموية تزخر بكل ما يؤكد بداية التدهور الغربي

​​الشرقي/ العربي عندما يقرأ مقولات الغرب في هذا الاتجاه يحملها على طبيعة تصوراته الثقافية الخاصة التي لم تَعتَد على النقد الذاتي التشريحي؛ من حيث كونه تشخيصا معرفيا للأمراض والعلل؛ بغية التحذير منها ومعالجتها وترميم النواقص وتطوير عملية النمو، وليس هجوما عدوانيا على الذات لتحطيمها، ثم الرقص على بقايا رفاتها بالتناغم مع إيقاع أغاني الشامتين.

وإذا كان المتحدثون عن أفول/ تدهور الغرب أقاموا تصورهم هذا على خلفية اعتقادهم بأن التقدم الغربي المادي أصبح طاغيا على التقدم الروحي/ الفكري، وأن الإبداع في المسار الفكري/ الروحي وصل إلى ما يشبه الطريق المسدود، فإن مؤدلجي الشرق، من عروبيين وإسلاميين، قد عزفوا على هذا الإيقاع، زاعمين أنهم يمتلكون ما ينقص الغرب، وبالتالي، قادرين على الحلول مكان الغرب في الريادة العالمية بعد سقوطه الوشيك.

منذ بدايات القرن العشرين والأدبيات الإسلاموية تزخر بكل ما يؤكد بداية التدهور الغربي، وتكاد لا تخلو كتابة إسلاموية عن الغرب، إلا و "تأكيد سقوط الغرب الوشيك" هو عمودها الفقري الذي تتكئ عليه في معمارها النظري، بحيث لو نُزع هذا التأكيد الرغبوي؛ لتهاوت الأطروحة الإسلاموية من الأساس.

لكن، ولسوء حظ العروبوية والإسلاموية بدا الواقع العربي/ الإسلامي مزريا إلى درجة لا تسمح لحلم الحلول مكان هذا الغرب حتى بمداعبة الرغبات الشاطحة. بدا أن واقع العرب/ المسلمين صادما حتى لأولئك الذين امتهنوا مضغ مقولات امتلاء الأنا بالروحي، مقابل خواء الآخر الغربي. وهنا، جاء النهوض الصيني خاصة، والنهوض الشرقي عامة (النمور الآسيوية)، لينقذ الموقف/ لينقذ الحلم، حتى ولو كان الثمن يقتضي الاستغناء عن دور البديل، أي لإنقاذ نظرية سقوط الغرب ولو في جزئها الأول، بعد أن تأكد لـ"أنا" أن تحقيق الجزء الثاني (حلول الأنـا مكان الغرب) في حكم المستحيل.

كثير من الابتهاج العربي بنهوض الشرق يُضْمِر في طياته احتفاء خَفيّا بسقوط الغرب، أو بتراجع الغرب على الأقل. هذا النهوض يُعزِّز لـ"الأنا" الشطر الأول من الحلم القديم، يُنْقذ بعض ما يمكن إنقاذه، وكأنه يقول بلسانه حاله وربما بلسان مقاله أحيانا: إذا لم أستطع ـ ومؤكد أني لن أستطيع في المدى المنظور ـ الانتقام لنفسي من عدوي الأزلي/ الغرب؛ فلينتقم لي منه أيُّ أحد في هذا العالم. صحيح أني لن أتداوى تماما، صحيح أن ارتياحي النفسي لن يكون بمثل ما لو كان الانتقام على يدي، لكن، يبقى هذا الأمر أفضل من بقائي محسورا أتجرع حسرات الحسد القاتل، إنه أفضل من رؤية من تصورته "عدوا/ منافسا أزليا" وهو ينمو ويزدهر ويتألق، والعالم يتتلمذ عليه، معترفا له بالسبق الحضاري الكاسح.

هنا، تبرز مشكلة كبرى لا يريد هذا التصور العربي الرغبوي الحالم التصدي لها بصراحة، وهي أن الشرق: الصين، اليابان، كوريا...إلخ لا يملك تلك المقومات الروحية الإنسانية التي يزعم أن الغرب يفتقر إليها، أو بات يفتقر إليها منذ بداية تشكله الحداثي.

يغيب عن هؤلاء حقيقة أنه إذا كان الغرب قد أصبح فقيرا من الناحية الروحية/ الفكرية كما يزعم هؤلاء، فإن الشرق أشد فقرا، بل والقليل منها لديه، غير راسخ الجذور، والأهم، أنها غير مسرودة ثقافيا؛ كما هو الحال مع حزمة المبادئ والقيم الإنسانية الغربية (قيم مبادئ عصر التنوير) التي استوت على سوقها في جدلية تاريخية تمتد لأكثر من ألفي عام.

لم يتقدم الغرب بالقوة المادية/ التقنية فقط؛ كما يتوهم كثير من عشاق ثنائية: الغرب المادي، والشرق الروحي. كثير من الإمبراطوريات اكتسحت العالم، ولكنها ماتت؛ لأنها لم تتقدم بتصورات إنسانية عالمية.

الغرب تقدم، وامتلك مقومات الإبهار والسيطرة والنفوذ، ابتداء بقوة الأفكار وفاعلية المبادئ والقيم التي حملها في رسالته الحضارية التي صنعت المعالم الأساسية لهذا العصر.

وهي قيم ومبادئ راسخة لم يخترعها ذات موقف عابر، أو يستوردها من تاجر زائر، أو يسرقها من وراء البحار، وإنما نبتت على يديه، ونمت في أحضانه، وازدهرت برعايته. ففي التراث اليوناني والروماني الذي نهضت عليه حضارة هذا الغرب المعاصر نجد مقدمات العناصر الأساسية لمجموع هذه القيم والمبادئ الغربية، ولولا ديمقراطية اليونان وقوانين والرومان والمجالس الانتخابية التي تكررت وتنوعت (حتى وإن تخللها انقطاع طويل)، هي التي صنعت حرية وديمقراطية الغرب في نموها المتصاعد منذ عصر النهضة الحديث.

نمط التفكير الغربي (اليوناني، الروماني، الغرب الحديث) هو نمط استثنائي مغاير في ذاته وفي مسيرته. حتى في القديم، لاحظ كثيرون استثنائية هذا النمط الفكري ـ المَسْلكي. يوجد نص أثري عقد عليه الإمام مسلم (المحدث الشهير في التراث السني) بابا في صحيحه سمّاه: (باب: تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ). وفيه ذكر "حديثا" هذا نصه: قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: "تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ". فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ؟! قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ، وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.

الغرب تقدم، وامتلك مقومات الإبهار والسيطرة والنفوذ، ابتداء بقوة الأفكار وفاعلية المبادئ والقيم

​​لن أعرض هنا للتنبؤ المنسوب للنبي الأعظم، فليس هذا مجال مقاربته هنا. إنما يهمني هنا هذه القراءة النقد ـ ثقافية التي تقدم بها رجل من رجالات ذلك العصر، في محاولته استكناه المكونات الثقافية الحيوية للغرب/ الروم.

عمرو بن العاص، فضلا عن كونه رجل دولة خاض تجارب كثيرة متنوعة، وشهد تحولات دراماتيكية للمشهد السياسي في عصره، هو داهية من دهاة العرب المشهورين. وهنا عمرو بن العاص يسمع صحابيا يُسند مقولة خطيرة إلى النبي الأعظم (تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ)، مفادها استمرار قوة الروم ونفوذهم، أو استئنافها واطرادها حتى نهاية التاريخ/ قيام الساعة. والعرب تعبر بـ"أكثر" عن الكثرة العددية وعن القوة وعن الهيمنة. وهنا نجد عمرو بن العاص يتفاجأ بالنص الذي يبدو بعيدا عن الواقع، بل يبدو معارضا للواقع؛ لأن المشهد الواقعي الذي أمامه كان يقول بأن الروم انهزموا في الشام ومصر وشمال أفريقيا، وهو نفسه/ عمرو بن العاص أحد قادة هذه الجيوش المنتصرة التي هزمت الروم.

طبعا، لم يكن تصور عمرو بن العاص عن اتساع الإمبراطورية الرومانية دقيقا، لهذا كان محصول ما يشاهده بعينه أن الروم انهزموا هزيمة ساحقة في المواطن التي يعرف نفوذ الروم بها. ولهذا، طلب من راوي الحديث/ ناقل النص أن يدقق في كلامه، ويتأكد من مصداقية نقله، إذ ـ في نظر عمرو بن العاص ـ ثمة تعارض بين النص المنسوب للنبي المُلهم المعصوم، والواقع الذي يراه أمامه بكل وضوح.

لكن، عندما أكّد الراوي ثبوت النص عن النبي، وبالتالي، أصبح المعنى/ الحكم عنده قطعي؛ التفت عمرو إلى الواقع، فالآن، وبحكم النص، ثبت لديه أن الروم لن ينهزموا بالمطلق، وأنهم باقون، وسيعود نفوذهم، وسيستمر حتى قيام الساعة/ نهاية التاريخ.

حاول عمرو بن العاص أن يبحث عن سبب هذه الاستمرارية الغربية/ الرومانية آنذاك. الحضارات التي تُهْزم عسكريا، تَندثر وتفنى ولا يبقى منها شيء، أو لا يبقى منها إلا الفتات؛ فلماذا ـ وبحكم النص ـ يبقى الروم/ الغرب استثناء؟! لم يبحث عمرو بن العاص في الواقع المادي، لم يحاول تقدير الإمكانيات الرومانية آنذاك، بل بحث في العمق الثقافي، فيما يمكن أن يكون ضمانة للاستمرارية التاريخية، لاستمرارية النماء والخلود الحضاري.

ذكر عمرو بن العاص أربعة عناصر ثقافية/ سلوكية، ثم زاد عليها خامسة، ولو أنا تأمّلناها لوجدناها ـ جميعها ـ تُشكّل العصب الرئيس للقيم والمبادئ الغربية في العصر الراهن.

1ـ فهم "أَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ"، أي أنهم أقدر من غيرهم ـ نسبيا ـ على إدارة خلافاتهم الداخلية بعقلانية تُلْجِم نزوات العواطف العدوانية.

كثير من الإمبراطوريات اكتسحت العالم، ولكنها ماتت؛ لأنها لم تتقدم بتصورات إنسانية عالمية

​​2ـ وهم "أَسْرَعُ النَاسِ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ"، أي قادرين على امتصاص المصائب، والخروج من الكوارث بروح جديدة، فلا تسحقهم المصائب/ الكوارث، بل هي مجرد أحداث عابرة على سطح تاريخهم؛ مهما كانت ضخامة آثارها.

3ـ وهم "أَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ"، أي أن الهزائم لديهم ليس نهائية، فنَفَسُهم في الحروب طويل، ومثل هؤلاء لا يمكن هزيمتهم، إذ كل هزيمة تحمل في طياتها روح انبعاث جديد، مقاومة بلا حدود.

4ـ وهم "خَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ"، وهنا عنصر التكامل الاجتماعي القائم على قاعدة إنسانية صُلبة، تحفظ للمجتمع تماسكه؛ بدعائم من سلوكيات إنسانية متنوعة ومتعاضدة، لا تزال تميز الغرب عن غيره.

5ـ وهم "أَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ"، فالاستبداد عندهم منبوذ ثقافيا، ولذلك لا يستمر طويلا؛ لأن ثمة تصورا ثقافيا/ مسلكيا عاما ينفيه من الواقع، فثمة مناعة ضده. ولهذا، ظهرت الديمقراطية من اليونان، وتطورت، حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم في الغرب.

إن ما يهمنا هنا في هذا النص ليس النبوءة الماورائية فيه، بل القراءة الثقافية الواقعية فيه، أي قراءة عمرو بن العاص ـ كناقد ثقافي ـ لواقع الروم/ الغرب في زمنه، حيث يبدو وكأنه يقرأ الغرب في زمننا. وهنا نلاحظ ـ من خلال هذه القراءة ـ أن ثمة استمرارية في نظام القيم السائدة الراسخة (أي ما يسميه غوستاف لوبون "روح العرق") التي لا تضمن البقاء فحسب، وإنما تضمن البقاء والنماء والسبق واتساع النفوذ.

اقرأ للكاتب أيضا: الصين.. الخطر القادم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الحلم الشرقي بالأفول الغربي CFD9B36F-9204-4A2E-A955-CB0BDBCB8252.jpg AFP الحلم-الشرقي-بالأفول-الغربي تمثال لأوليمبياس والدة ألكسندر الكبير في إسكوبية عاصمة مقدونيا 2019-10-07 14:03:24 1 2019-10-07 14:12:24 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟