515056 4

رستم محمود/

في كامل مدن الشريط الحدودي السوري ـ التركي شرق نهر الفرات، وبالرغم من دورة الحياة اليومية العادية والرتيبة، ثمة وجومٌ عميق يحيط بكل شيء، بأدق تفاصيل حياة الناس. قنوط وجودي يفوق كل شيء. يبدون وكأنهم سائرون في جنازة جماعية رهيبة. يعيشون انتظار جلاد غليظ يرمي برؤوسهم في المقصلة. كل أشياء حياتهم التي يشيدونها بحساسية ووفاء، التي أفنوا حيواتهم في سبيلها، عمران مدنهم ودراسة أطفالهم وتطوير أعمالهم وآمالهم القليلة وحتى محاصيل حقولهم، تبدو وكأنه مهددة من دُب يتهيأ لاقتحام متجر من الخزف.

الناس هناك، مستسلمون لما يعتبرونه أقدارهم القاسية، المتأتي من تركيب ديموغرافي وجغرافي وسياسي واقتصادي وثقافي شديد الارتباط، ككتل وجماعات متناهية الصغر والضعف والوهن، في مواجهة من هم أضخم وأقوى وأقسى وأكثر مركزية منهم بما لا يقاس في المتن الإقليمي والعالمي.

جيش تركيا له في ذاكرة هؤلاء الناس ما يستعصي على النسيان

​​يتابع هؤلاء الناس مصائرهم على قنوات التلفزة: من الشمال ثمة الجيش التركي المؤلف من مئات الآلاف من الجنود المحترفين، المزودين بأكثر أنواع الأسلحة تطورا وفتكا، يُهدد ناس المكان بدفنهم في الخنادق. ومن الجنوب يتحين النظام السوري أية فرصة، لينقض على أهل هذه المنطقة، التي كانت طوال عهده الرهيب مجرد مستعمرة داخلية مدعوسة.

♦♦♦

جيش تركيا الذي له في ذاكرة هؤلاء الناس ما يستعصي على النسيان، الذاكرة القريبة التي تتأتى أخبارها من عفرين وغيرها من المناطق، والبعيدة والدائمة مع أكراد وأرمن ويزيدي وسريان وعرب المنطقة، الذين محقهم مرات ومرات.

كما كل المرات السابقة، فإن هذا الجيش التركي في تهديداته الأخيرة مرفق بجحافل من العصابات السورية المسلحة، المؤلفة من كيمياء اجتماعية وتنظيمية غريبة أطوار وكثيرة الخطورة. جحافل من قطاع طرق تملؤهم الرغبة في التحول إلى زعماء قطاعات جغرافية تحت ظلال هذا الجيش، لينالوا مكانة "قطاع الطرق الشرعيين". يتألفون من متطرفين يعتبرون الأكراد ومن يتوافق معهم مجرد "ملاحدة" يُستحل دمهم، يقولون ذلك جهارا دون أي حياء أو وجل.

يجتمع الطرفان تحت خيم الجيش التركي مع قادة سابقين لجيش النظام السوري، أتخمتهم الهزائم من كل حدب، في مواجهة النظام السوري، بعد أن انشقوا عنه لأسباب سلطوية وطائفية بحتة، وفي مواجهة التنظيمات الإسلامية المتطرفة في أكثر من موقعة، وصاروا لا يحلمون إلا بنياشين "نصر" ما، أيا كان، ولو على حساب ذويهم المستضعفين.

يشكل هؤلاء نسخة محدثة مما كان يُطلق عليهم في التاريخ العثماني "قصاب طابوري"، أو فرقة القصابين العسكرية، الذين كانوا يرافقون الجيش العثماني في حروبه الداخلية. فما إن كان الجيش العثماني يُعيد إخضاع مدينة أو منطقة ما كانت متمردة، حتى كان يترك العنان للآلاف من أعضاء هذه الفرقة، ليفتكوا بالسكان المحليين هناك، بأملاكهم وأعراضهم وذاتهم المتمردة، حتى يعودوا لبيت الطاعة العثمانية، وتدوم الدروس التي تلقوها في ذاكرته، لأجيال.

♦♦♦

يشبه النظام السوري ذلك في كل تفصيل، بجلافة وعيده الذي لم يتوقف قط، بقدرته على عدم المبالاة ببحور الدمار والدماء التي أغرق سوريا والسوريين فيها، وما يزال مستعدا لفعل أضعاف ما فعل. لكن أولا بقدراته كأخطبوط خبير ومتوغل في الحساسيات المحلية في تلك المنطقة، بالذات على وتر العلاقة العربية ـ الكردية الحساسة، مثلما فعل طوال عقود، حينما غرقت الجماعتان في تناقضاتهما الخطابية السطحية، ونسيا على الدوام أفعال النظام بمستعمرته الداخلية تلك، التي كانت أهم منابع ثروات النظام المادية، وأقل مناطق البلاد تنمية وحظوة بقوة الدولة وخيرها العام.

الجيش التركي في تهديداته الأخيرة مرفق بجحافل من العصابات السورية المسلحة

​​للنظام السوري "جنجويده" المجربون، الذين اختبرهم أكثر من مرة طوال العقد الذي سبق عام الثورة. فما إن كانت تندلع تظاهرات مناهضة للنظام في مكان ما من تلك المدن، حتى كان يطلق العنان لبعض أحط زعماء العشائر المرتبطين بأجهزته الأمنية، لينهبوا بيوت ومحال وممتلكات المدنيين. عصابات "التعفيش العام"، التي خبرها السوريون في كل مكان، يقضمون أظافر أياديهم شوقا وانتظارا للحظة التي ينقضون فيها على ممتلكات الناس في كل مدن مناطق شرق الفرات، ثرواتهم التي راكموها لأجيال وأجيال، بكدهم وكدحهم، والتي بغيرها يغدون مجرد عراة في غابة سهوب النظام السوري.

♦♦♦

الناس المهددون شرق الفرات، لا يعيشون راهنا حياة عامة مثالية دون شك. إذ ثمة سلطة ذات أوجه عدة للشمولية السياسية، ومعتلة بأشكال عدة للفساد المالي وسوء الإدارة. لكنها بكل سماتها تلك، ليست من نوع الأنظمة التي تتوعدها مع ناسها من كل حدب، وهي لا تستطيع أن تجاريهم في شموليتهم الماحقة حتى لو رغبت لأسباب تتعلق بضعف شرعيتها وقلة طاقتها وآليات تشكيلها وموقعها الجغرافي وتركيب سكانها المحليين الديموغرافي.

هذه السلطة، وبالضبط لتلك الأسباب، وبالرغم من كل سماتها وعللها الداخلية، تمد اليد لجميع الفاعلين المحيطين بها، من النظام السوري إلى نظيره التركي مرورا بقوى المعارضة السورية والقوى الإقليمية والدولية، ومستعدة لأن تتقدم نحو الآخرين بأكثر من نصف المسافة بكثير، فقط لتجاوز المعادلة الصفرية التي يتوعدونها بها، لتجاوز المحق والحروب الأهلية. لكن الوعيد يأتي في الكثير من المرات على شكل يد ترفض المصافحة.

هؤلاء المتوعدون، تركيا وائتلافها المعارض والنظام السوري، وفوق الجميع القوى الإقليمية والدولية، فيما لو قبلوا الاعتراف، ولو النسبي جدا، بهذه السلطة، لتمكنوا من تغيير سماتها وشروطها، وأجبروها لأن تكون أقل شمولية بكثير، وأكثر قدرة عن خلق أنواع من الحريات العامة والسياسية، وأن تكون نموذجا واعدا لسوريا ما.

♦♦♦

لأن حياة الناس في تلك المنطقة راهنا شبه عادية، أقل عبودية وهامشية واستعمارا وخضوعا على ما كانت وكانوا عليه طوال تاريخهم الحديث، فإن الوعيد ينتظرهم بعين ثاقبة، كنظرة أب قاسٍ لابن "عاق" تمرد.

فهؤلاء الناس، وبالرغم من كل شيء، صار لهم إذاعات مناطقية بلهجاتهم المحلية، وأسماء مدنهم صارت مكتوبة بلغاتهم، يستغلون ثرواتهم المحلية ويعيشون بحبوحة حياة معقولة، ويستطيعون، فيما لو أتيح لهم ظرف أقل قسوة، يستطيعون تشييد مساحات مشتركة فيما بين جماعاتهم الأهلية المتخاصمة، ليواجهوا أشكال الشمولية والفساد المحيطة التي في سلطتهم.

للنظام السوري "جنجويده" المجربون، الذين اختبرهم أكثر من مرة طوال العقد الذي سبق عام الثورة

​​عاشت تلك المنطقة هامشية مركبة لعقود، وربما لقرون، هامشية عن مراكز الإمبراطوريات القديمة، كسهوب قاحلة لعشائر كانت تعبرها الإمبراطوريات "بربرية الهوى"، وخالية من المدن والمركز، ومن ثم عاشت هامشية ريفية تجاه خط المدن السورية الرئيسية، تراكبت معها هامشية سياسية واقتصادية ورمزية طوال العهد الأسدي المديد، توجتها هامشية ثقافية مطلقة بحق ذويها، إذ لم تصور الدراما السورية مثلا عملا فنيا واحدا عن أو في تلك المنطقة طوال العقود الماضية.

طوال الحرب العالمية الثانية، اختلف الشيوعيون/السوفيات والنازيون/الألمان على كل شيء، حتى أن واحدهم كان يعتبر حياة الآخر موتا له، لكنهما اتفقا على أن بولندا والبولنديين يليق بهم كل شيء، إلا أن يكونوا جماعة ذات دولة. إنه التاريخ، الذي ربما لم يقرأه كل أهل شرق الفرات، لكنهم يتذوقون مرارته أوجاعه راهنا، وإن بشفتين باسمتين ومستسلمتين!

اقرأ للكاتب أيضا: سوريا وودستوك المنطقة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
بلاد ما بين وعيدين 042EF642-9C03-4DFC-B5D8-7D9CA845B15F.jpg AFP بلاد-ما-بين-وعيدين أكراد سوريون يتظاهرون في رأس العين في سوريا ضد التهديدات التركية بشن عملية عسكرية في مناطقهم 2019-10-07 11:54:59 1 2019-10-07 12:02:57 0

القمة العربية

لا شك أن زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج الأسبوع الماضي، أشاحت بالأضواء بشكل كبير عن قمة بغداد العربية، التي عقدت في 17 مايو بحضور عدد محدود من القادة العرب. 

قد أثار الغياب الجماعي للعديد من الرؤساء والملوك العرب تساؤلات حول أسباب ضعف التمثيل، ما دفع مراقبين إلى وصفها بـ"أضعف القمم" في تاريخ الجامعة العربية.

القمة طالبت في بيانها الختامي المجتمع الدولي بـ"الضغط من أجل وقف إراقة الدماء" في قطاع غزة. وحث المجتمعون المجتمع الدولي، ولا سيّما الدول ذات التأثير، "على تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية للضغط من أجل وقف إراقة الدماء وضمان إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق إلى جميع المناطق المحتاجة في غزة". 

وناقشت القمة قضايا عربية عديدة من أبرزها التحديات التي تواجه سوريا، والتطورات الميدانية في ليبيا واليمن ولبنان، إلى جانب الحرب في قطاع غزة.

لكن زيارة ترامب ليست العنصر الوحيد الذي ألقى بظلال  على قمة بغداد، بل ثمة عناصر عديدة جرى تداولها، على أنها لعبت دورا في إحجام بعض القادة العرب عن المشاركة.

أبرز تلك العناصر، النفوذ الإيراني وزيارة إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس إلى العراق قبل القمة بأيام، الأمر الذي اعتُبر رسالة واضحة عن حجم التأثير الإيراني على الدولة العميقة في العراق، حتى وإن كان رئيس الحكومة، محمد شياع السوداني، يحاول أن يتمايز بمواقفه ويظهر انفتاحا على الدول العربية والخليجية. 

كما أن السوداني، ورغم الاعتراضات الصادرة عن أصوات تدور في فلك إيران، التقى بالشرع في الدوحة. أضف إلى ذلك، غياب القرار السيادي في العراق، بسبب تنوع الولاءات السياسية وتأثير الفصائل المسلحة على القرارات السيادية العراقية، وهو ما جعل القادة العرب، بحسب مراقبين ومحللين سياسيين، يشككون في جدوى حضورهم لقمة تُعقد في بغداد، حيث لا يرون في الحكومة العراقية تمثيلاً حقيقياً للدولة. 

وقد انعكس الأمر على التحضيرات للقمة، وعلى تفاعل الجمهور العراقي معها، حيث تصاعدت عبر وسائل التواصل الأصوات المتطرفة المرتبطة بالفصائل المسلحة، ما أدى على ما يبدو، إلى إرسال رسائل سلبية لقادة عرب بعدم ترحيب العراقيين بهم، خصوصاً الجدل الذي رافق دعوة السوداني للشرع لحضور القمة.

من جانب آخر، أثارت المحكمة الاتحادية العراقية الجدل بإلغاء اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله مع الكويت، ما اعتبرته الأخيرة تنصلاً من التزامات دولية. هذا الخلاف قد يفسر بحسب محللين عراقيين، غياب بعض قادة دول الخليج عن القمة.

ولا يمكن، أثناء استعراض أسباب "فشل" قمة بغداد، اغفال مسألة أن القمم العربية الشاملة باتت أقل أهمية في ظل تفضيل الدول العربية للقمم الثنائية أو الإقليمية التي تتناول قضايا محددة، تماماً كما حدث في زيارة ترامب إلى السعودية وقطر والإمارات. 

هذا النوع من الزيارات واللقاءات الثنائية، بات يفضله القادة العرب، وباتوا يبدون اهتماماً أقل بحضور القمم العربية لا تلبي أولوياتهم الوطنية المباشرة، والتي تنتهي غالباً إلى بيانات إنشائية، لا إلى قرارات عملية.