515089 4

ماثيو ليفيت/

في نهاية الأسبوع المنصرم، خرج المواطنون اللبنانيون إلى الشوارع للاحتجاج على الأزمة المالية الحادة التي تعاني منها البلاد، والتي اتسمت بأحد أعلى معدلات الدَيْن في العالم، وبأزمة جديدة متعلقة بالعملة، وبمخاوف من أن يتسبب [الإعلان عن] إضراب بإغلاق محطات الوقود إلى أجل غير مسمّى. ويعتقد كثيرون أن الفساد والطائفية المتجذريْن أوصلاهم إلى هذه الفوضى، وقد يعقّدان الآن الجهود لإخراجهم منها.

وبناء على هذه الخلفية، تتزايد الانتقادات الموجَّهة إلى "حزب الله" ـ المنظّمة المصنَّفة كإرهابيّة على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه أقوى حزب في الحكومة اللبنانية وحركة طائفية عدائية تُبقي أنشطتها وأسلحتها خارج سيطرة الحكومة. وكما أشارت وزارة الخزانة الأميركية مؤخرا، أدّت التطورات التي حدثت خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى تسليط الضوء على المستوى الذي تصل إليه أعمال هذه الجماعة في "منح الأولوية لمصالحها، ومصالح راعيتها الرئيسية، إيران، على حساب رفاهية المواطنين اللبنانيين والاقتصاد اللبناني".

اغتيال سياسيين لبنانيين

في 16 سبتمبر، نشرت "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" تفاصيل حول لائحة اتهام جديدة مُتَهم بها سليم عيّاش بمساعدة "حزب الله" على تنفيذ مؤامرات اغتيال ضد سياسيين لبنانيين في الفترة 2004 ـ 2005. وربطت المحكمة هذه المؤامرات بتحقيقها الأساسي في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في فبراير 2005.

يجب على المسؤولين اللبنانيين اتخاذ خطوات لحماية النظام المصرفي من سوء الاستخدام

​​وعلى وجه التحديد، تَعتبر لائحة الاتهام الجديدة أن عملاء "حزب الله" مسؤولون عن محاولة قتل حليف الحريري النائب مروان حمادة في أكتوبر 2004، ومقتل حارسه الشخصي غازي أبو كروم؛ واغتيال خالد مورا في يوليو 2005، الذي كان يعمل سائقا لدى وزير الدفاع الياس المر ـ الهدف الرئيس للهجوم؛ ومقتل الأمين العام الأسبق لـ"الحزب الشيوعي اللبناني" جورج حاوي في أكتوبر 2005. وبسبب دوره في هذه المؤامرات، اتُهم عيّاش بالقتل وارتكاب أعمال إرهابية.

ووفقا للمحكمة، "في جميع الأوقات المرتبطة بقرار الاتهام، كان [عيّاش] مناصرا لـ 'حزب الله'"، وهي علاقة شملت ارتباطات مباشرة مع قائد العمليات الراحل مصطفى بدر الدين.

تعريض المدنيين للخطر بسبب مشروع "حزب الله" المتعلق بالصواريخ

في 29 أغسطس، كشفت إسرائيل أن عملاء إيرانيين كانوا يعملون على تزويد "حزب الله" بالمعدات والتقنيات اللازمة لبناء الصواريخ الدقيقة الخاصة به وإعادة تحديث الصواريخ القديمة في المنشآت اللبنانية.

ولم تشكّل هذه المعطيات المكشوفة مفاجأة نظرا إلى الكشف في سبتمبر 2018 عن ثلاث من هذه المنشآت تحت الأرض، بنتها الجماعة في أحياء حضرية من بيروت من دون إدراك الخطر الذي تسببه للحكومة اللبنانية والسكان المحليين.

وجاء إعلان شهر أغسطس بعد أيام فقط من قيام إسرائيل، وفقا لبعض التقارير، بنشر طائرات بدون طيار فوق بيروت لتدمير معدات متعلّقة بالصواريخ كانت إيران قد أرسلتها إلى هناك. وكانت الرسالة واضحة ومفادها: أن "جيش الدفاع الإسرائيلي" لن يسمح لجماعة إرهابية باستخدام بلد مجاور كملاذ آمن لتطوير أسلحة قادرة على تغيير اللعبة؛ وإذا لم تتعامل الدولة اللبنانية مع المشكلة، فسيتولّى "الجيش الإسرائيلي" القيام بذلك.

وقد حصلت هذه الضربات على خلفية تجدُّد تهديدات "حزب الله". ففي مقابلة أُجريَت في يوليو، شدّد الأمين العام للحزب حسن نصر الله على هشاشة المراكز السكنية والبنية التحتية الأساسية في إسرائيل.

ومن خلال عَرْضه خرائط تُظهِر مدى نشر صواريخ "حزب الله"، أخبر قناة "المنار" التلفزيونية التابعة للحزب بأن "باستطاعة هذه الصواريخ استهداف تلك المنطقة بأكملها"، وأشار إلى مدينة إيلات ومحيطها في جنوب إسرائيل. وخلُص إلى القول: "سنرى من سيُعيد الآخر إلى العصر الحجري".

وتتضح الطبيعة الفظيعة لهذا الخطاب عندما يتذكّر المرء ما الذي يمثّله نصر الله: قائد ميليشيا لا يشغل أي منصب في الحكومة اللبنانية، سواء كان منتخبا أم لا، تلك الميليشيا التي تهدد باستمرار الدولة المجاورة وتتخذ قرارات تقضي على حياة المواطنين الإسرائيليين واللبنانيين على حدٍ سواء.

مهاجمة قوات الأمم المتحدة

في اليوم نفسه الذي كشفت فيه إسرائيل دور إيران في البرنامج الصاروخي لـ "حزب الله"، صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على تمديد ولاية "قوة الأمم المتحدة الموقّتة في لبنان"، أي هيئة حفظ السلام التي تشمل مهمتها مساعدة الحكومة المنتخَبة على إعادة "السلطة الفعّالة" في الجنوب.

وأعاد المجلس اتخاذ هذا القرار وسط أدلة وافرة مفادها أن "حزب الله" يحتفظ بمناطق عسكرية مستقلة في بقع شاسعة من البلاد وقام مرارا وتكرارا بتخويف الطاقم العسكري والمدني التابع "للأمم المتحدة" وإعاقته.

فبالإضافة إلى الاعتداء على موكب تابع لقوة "اليونيفيل" في العام الماضي، يستمر "حزب الله" في منع هذه القوة من الدخول إلى مواقع على طول الحدود الجنوبية، على الرغم من اكتشاف قيام الحزب في وقت سابق من هذا العام ببناء مجموعة من الأنفاق الهجومية تدخل الأراضي الإسرائيلية.

ومن خلال تجديد ولاية "اليونيفيل"، قام مجلس الأمن بـ "حثّ جميع الأطراف على ضمان الاحترام التام لحرية حركة 'اليونيفيل' ودخول القوة إلى 'الخط الأزرق' بكافة أجزائه، وضمان عدم إعاقة هذه الحرية". ووجّهت "الأمم المتحدة" بشكل خاص نداء إلى الحكومة اللبنانية، طالبة منها "تسهيل دخول البعثة بما يتماشى مع 'القرار 1701 (2006)' ".

تقويض الاستقرار المالي

في 29 أغسطس، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، عن اتخاذها إجراءين سلّطا الضوء على حجم الأنشطة المالية غير المشروعة لـ "حزب الله" في لبنان. وكشف إحدى هذين الإجراءين عن محمد سرور، عميل مالي مرتبط بـ "حزب الله" يتّخذ من بيروت مقرا له "كمسؤول عن تحويل عشرات ملايين الدولارات سنويا" من "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني إلى الجناح العسكري لحركة "حماس" الفلسطينية. واستهدف الإجراء الثاني "جمّال ترست بنك" ـ مؤسسة لبنانية متوسطة الحجم متّهمة بتسهيل الأنشطة الماليّة لـ "حزب الله" بمعرفة مسبقة.

وقبل بضعة أيام من اتخاذ وزارة الخزانة خطوتها، خفّضت "وكالة فيتش" التصنيف الافتراضي لإصدار العملة على المدى الطويل في لبنان، بينما أعادت وكالة "ستاندارد آند بورز" إصدار تصنيفاتها المنخفضة للبلاد وأشارت إلى أن التوقعات ما زالت سلبيّة.

ويصبح دور "حزب الله" في تعزيز هذه المشاكل أكثر إثارة للسخط عندما يتذكّر المرء ما خلص إليه "صندوق النقد الدولي" في تقريره الصادر في يناير 2017 حول لبنان، حيث ذكر: "أن النظام المصرفي قد أثبت حتى الآن أنه قادر على الصمود في وجه الصدمات المحلية والاضطرابات الإقليمية، إلا أن التحقق من الصدمات الحادة يمكن أن تكشف عن نقاط الضعف".

وأدت أعمال "حزب الله" منذ ذلك الحين إلى زيادة تعرض البلاد للصدمات بشكل هائل، سواء من خلال التسبب بعقوبات دولية شديدة، أو الحث على عمل عسكري إسرائيلي، أو تخويف المستثمرين.

ويمكن استخلاص الدروس بشكل خاص من قضية "جمّال ترست بنك". فوفقا لوزارة الخزانة الأميركية، قدم المصرف خدمات مالية إلى المجلس التنفيذي الخاص بـ "حزب الله"، و"مؤسسة الشهيد" التابعة له، وجمعية مؤسسة "القرض الحسن" المالية الخاصة به. واشترك موظّفو المصرف بمعرفة مسبقة في ممارسات غير مشروعة لإخفاء هذه الأنشطة.

فعلى سبيل المثال، تم اتهام عضو البرلمان اللبناني من "حزب الله" أمين شرّي بتنسيق النشاط المالي الخاص بالجماعة مع إدارة "جمّال ترست بنك". وعند تصنيف شرّي نفسه على لائحة الإرهاب الأميركية قبل عدة أسابيع، أشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى أنه "هدد مسؤولين في المصارف اللبنانية وأفراد عائلاتهم" بعد أن جمّد أحد المصارف حسابات عضو مصنَّف على لائحة الإرهاب من "حزب الله".

"وتُظهِر" مثل هذه الجهود "الخطوات المتشددة" التي كان شرّي على استعداد لاتخاذها من أجل تعزيز أجندة "حزب الله" العنيفة، حتى "على حساب قطاع شرعي يشكّل ركيزة الاقتصاد اللبناني". ووفقا لأحد كبار المسؤولين الأميركيين، طالت هذه الممارسات القسريّة حتى المصرف المركزي [اللبناني].

إن الفشل في اتخاذ خطوات حاليا سيمكّن الحزب من جعل لبنان رهينة لمصالحه الضيقة

​​ووفقا لبعض التقارير، يعود "التنسيق العميق" بين "حزب الله" و"جمّال ترست بنك" إلى "منتصف العقد الأول من القرن الحالي على الأقل"، حيث تصِف وزارة الخزانة الأميركية بالتفصيل كيف خرقت مخططاتهما المشتركة كلّا من المبادئ الأساسية لمكافحة تبييض الأموال والإدراجات الأميركية [على لائحة الإرهاب].

فعلى سبيل المثال، "عند فتح 'حسابات شخصية' مزعومة في 'جمّال ترست بنك'، عرّف المسؤولون في مؤسسة 'القرض الحسن' بوضوح بأنفسهم على أنهم من كبار أعضاء الجماعة الإرهابية. وعندئذ كان مصرف 'جمّال ترست بنك' يقوم بتسهيل استخدام هذه الحسابات لممارسة العمليات التجارية بالنيابة عن مؤسسة 'القرض الحسن' ".

لحظة القرار في بيروت

يُعرف ماكس ويبر بقوله الشهير بأن احتكار الاستخدام المشروع للقوة هو أساس الدولة الحديثة. والسؤال الذي يمكن طرحه بالنسبة إلى لبنان هو إذا ما كانت حكومته مستعدة لتأكيد تلك الصلاحية وقادرة على ذلك، لأن هذا سيعني منع "حزب الله" من تخزين الأسلحة العسكرية، أو تهديد الدول المجاورة، أو الانخراط في أنشطة ماليّة غير مشروعة مع الإفلات من العقاب.

ويقول البعض إن "حزب الله" اخترق الحكومة بشكل كبير لدرجة أن الكيانيْن أصبحا كيانا واحدا. ومع ذلك، فقد وجهت كل من مجلس الأمن الدولي وواشنطن وإسرائيل بشكل ملحوظ نداءات لبيروت بالتدخل، مشيرين إلى وجود خطوات ملموسة لا يزال بإمكان الحكومة اللبنانية اتخاذها لإعادة تأكيد سيطرتها على الأمن القومي والمالي في لبنان.

وبالفعل، يجب على المسؤولين اللبنانيين اتخاذ خطوات في الوقت الحالي لحماية النظام المصرفي من سوء الاستخدام ومنع "حزب الله" من استخدام البلاد كمنصة عسكرية ضد إسرائيل.

إن الفشل في اتخاذ خطوات حاليا سيمكّن الحزب من جعل لبنان رهينة لمصالحه الضيقة. وهذه لحظة حاسمة بالنسبة لبيروت، لأن عواقب التقاعس عن [اتخاذ خطوات إيجابية] ـ أي الحرب أو الاقتصاد المنهار أو كليهما ـ ستكون مدمرة.

ماثيو ليفيت هو زميل "فرومر ـ ويكسلر" ومدير برنامج "ستاين" للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
"حزب الله" يعطي الأولوية لمصالحه الخاصة، فيعرّض لبنان للخطر 1F7AACE3-0E7E-4C39-8E78-CDE15735FDEB.jpg AFP حزب-الله-يعطي-الأولوية-لمصالحه-الخاصة-فيعرّض-لبنان-للخطر متظاهرة تبكي خلال تظاهرة ضد الأوضاع الاقتصادية الصعبة في بيروت 2019-10-07 15:18:32 1 2019-10-07 15:31:32 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟