515234 4

د. ابتهال الخطيب/

خذني.. فإني أحب الحياة.. وأعشق في الليل ضوء القمر..

أراك ترتعش مني الشفاه

ويهتز قلبي ويصحو الشجر

وأطلق خيالك حتى مداه

وداعا كخوفي وهذا الحذر

ففوق حصانك طوق النجاة

كفارس أحلامي المنتظر

أذوب بكفيك كثلج الجبال

وأسقط في صدرك كالمطر

أنا حرة وحبي صريح

وحبك لي من السماء انحدر

لنا كل هذا الكون الفسيح

وحريتي في حبك قدر

فحبي إليك حريتي

فإذا ملكت الحب

الحب انتحر

هكذا غنت "كارمن" لحبيبها في مسرحية محمد صبحي المأخوذة عن الأوبرا العالمية "كارمن"، بألحان عمر خيرت وكلمات محمد بغدادي.

تصف هذه الكلمات، في رأيي، الحب الحقيقي الحي، حب يطلق الخيال، يودع الخوف، يذيب القلب، يغسل الصدر، يحرر الإنسان من القيود، كل القيود. كنت قد قرأت مقالا منذ زمن عن الفشل المزمن القدري لعلاقات الحب لأنها دوما ما تأتي مصحوبة بالقيود وبالمسؤوليات، فكما يؤكد المقال، لا وجود لحرية مطلقة في علاقة الحب. الحب يعني قيد، يعني أن ترتبط حياتك بآخر، أن ترتبط قراراتك بقراراته.

وعليه مهما حاول الطرفين تحرير بعضهما البعض، ستفرض الحياة وطبيعة العلاقة قيودها، أقلها مثلا قيد الالتزام بأحادية العلاقة. فأن تلزم شريكك بالالتزام الحسي بك، أليس هذا قيد على الحرية؟ أدرك طبعا أن المثال متطرف، ولكنه أتى في المقال الذي لا أتذكر عنوانه، مع الأسف، في سياق إظهار استحالة تحقق الحرية التامة التي لا تتعدى أن تكون أكذوبة كبيرة في أي علاقة حب.

يخطئ الرجال حين يوظفون أنفسهم سجانين على نسائهم والنساء على رجالهن

​​أفكر كثيرا في هذا المنطق، أقيسه على حياتي: هل أمتلك الحرية الكافية في حياتي؟ هل أوفرها لشريكي في حياته؟ في العموم، الحرية المطلقة وهم نبيل ورغبة إنسانية خيالية مثلها مثل الرغبة في الخلود؛ سيبقى الإنسان يسعى إليها رغم معرفته باستحالة تحققها (على الأقل في الوقت الحاضر بالنسبة للخلود، حيث تشير بعض الدراسات "المتطرفة" علميا إلى انتهاء موت البشر بعد جيلين أو ثلاثة من جيلنا الحالي).

تقول النظرية الطبيعية naturalism والمتأثرة بالنظرية الداروينية، أننا في الواقع لسنا سوى نتاج تركيباتنا الجينية، بيئاتنا، وضربات الحظ في حيواتنا التي ليس لنا عليها أي تأثير. نحن عديمو الإرادة تماما، مسيرون بتركيباتنا الجينية وبيئاتنا الاجتماعية، وكل محاولات الخروج من "جلودنا" الاجتماعية والطبائعية والفكرية إلى حيث الحرية الحقيقية ما هي إلا محاولات سطحية طفيفة لم تذيقنا، حتى أكثرها جدية، الطعم الحقيقي العميق للحرية.

تؤرقني هذه الفكرة جدا في حياتي وأنا حبيسة جسد تشكل بجينات لم أخترها، حبيسة طبيعة نفسية وفكرية واجتماعية لمجتمع طرأت عليه ولم أصنعه، حبيسة فكرة امتلاكي لشريكي ورهينة الإيمان بالالتزامات والمسؤوليات التي تفرضها مؤسسة العلاقة، مؤسسة لم يراجعها معظمنا حقيقة في يوم، ولم نسبر غورها أو نمنطق شروطها، نعيشها ونتمسك بها ونؤمن بها دون تقييم حقيقي لعقلانية شروطها وتوقعاتها.

أحاول دوما الخروج من هذه الفكرة المؤلمة المزمنة، أذكر نفسي بإيماني التام أن الحب الحقيقي هو حب تحرري وتحريري، أن الارتباط العاطفي لا يحتمل القيود، فكيف يكون الحب حبا إذا كان مشروطا، وكيف تكون العاطفة عاطفة إذا كان استمرارها مرهون بالقيام بالواجبات وتلبية المسؤوليات؟

في غالب الأحيان، لا تمتلك المرأة الكثير من السلطة التكبيلية على الرجل وإن كانت توقعاتها تجاه حبيبها قيود، الواقع الأغلب هو تكبيل الرجل للمرأة بقيود الأعراف والعادات والتقاليد والقراءات الدينية، فهو المالك الحقيقي لشريكته في العلاقة التقليدية، ولا يوجد ما يقتل العاطفة ويسمم الحب مثل هذه القيود.

منذ البداية ما استطعت تحمل أي قيد في علاقتنا، لربما فقت زوجي تمسكا بحريتي، ومنذ البداية علم هو بعلتي، فأطلقني مدعوما بثقته المستفزة أنني لن أذهب بعيدا أبدا. اتفقنا أننا فردين منفصلين، وتعاملنا مع المشتركات بأكبر قدر من الفهم المتحرر.

كلما واتتني رغبتي في التحرك، أفسح هو الطريق، متغاضيا عن الحدود والخطوط كأنها لا تعنيه، لا ترسم أو تحدد شيئا في علاقتنا. جلبت له الكثير من المتاعب في حياته، اختلفت معه وأقلقته وأصررت وتراجعت، وهو يقف متفهما، مساندا، قلقا بود، ناصحا بيسر، والأهم حاميا بكل قواه، اتفق أو اختلف.

حاولت أن أكون مثله تجاهه فما استطعت. سألت نفسي لأي الحدود يمكنني أن أذهب في تحريره من تقاليد العلاقة، فما عرفت. أود امتلاكه وحمايته وأغضب من اختلافه وأتمنى اتساق أفكاره مع أفكاري طوال الوقت. أسائل نفسي دوما من أين له هذه القوة ولماذا؟ هو رجل في مجتمع يميل بكل وزنه تجاهه، فمن أين له كل هذا الإيمان بالحرية والأريحية في التطبيق؟

بعد حين فهمت. فهمت بعد أن فات الوقت، كانت كلها خطة طويلة الأمد، غسيل مخ، تمرين مريب. من يطلقك تعود دوما إليه. من يتفهمك ويحررك من عبء إرضائه تصبح أمنية حياتك رضاه وتمسي أهم غاياتك نظرة قبول من عينيه. إنها خدعة العمر، لقد كبلني هذا الرجل بقيود لا أراها ولا أعرف كيف أتعامل معها. قيود زرعها بصبر عميقا في قلبي. حبال توق لرضاه ومباركته تلتف على عنق كل فعل آتيه حتى بت حقيقة لا مجازا، مربوطة بنظرة موافقته، متوقفة على نبرة المباركة في صوته.

لا تمتلك المرأة الكثير من السلطة التكبيلية على الرجل وإن كانت توقعاتها تجاه حبيبها قيود

​​إنها مهزلة حياتي، أنني، بكل ما أدعيه من تقديس للحرية ومن استحالة العيش دونها، من أنها أهم قيمة في حياتي وأهم شرط لأي علاقة تربطني بأي إنسان، أقع هكذا في حفرة حفرتها لنفسي، ضحية خدعة طويلة الأمد جيدة الترتيب أبدية النتائج، فكيف لي الآن أن أحرر قلبي ومشاعري وتوقي لمحبته ورضاه؟ كيف أتخلص من قيود خفية لا أعرف متى وكيف تسللت إلى أعماقي؟

كل هذا الزمن، كل هذه السنوات، كل محاولة للتحرر ما كانت سوى غوص أعمق في قيود عواطف لا فكاك منها. بخلاف الكلام عن الجنسانية والحقوق، يخطئ الرجال حين يوظفون أنفسهم سجانين على نسائهم والنساء على رجالهن. ليس هو القيد الحديدي ولا القفص السميك الذين سيبقيان حبيبك في مكانه، إنها فقط فكرة، لو استطعت زرعها في نفسه، ستتحكم به عن بعد، ستربطه كل دقيقة وكل لحظة وكل ثانية من حياته، ستمتلكه بها للأبد، بلا حبال ولا قيود ولا حروب. كم أنا ساذجة، أنا اللاهثة خلف الحرية، أنا أكبر سجينة في هذا العالم.

اقرأ للكاتبة أيضا: لا فائدة مني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

أنا حرة؟ 3357FEE6-5281-4C0F-BAA3-088E964A8208.jpg AFP أنا-حرة معجبون بالمغنية الإنكليزية كايت بوش يرقصون في سيدني 2019-10-08 12:51:07 1 2019-10-08 13:02:07 0

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.