إسلاميون سودانيون يتظاهرون للدعوة إلى الاستمرار بتطبيق الشريعة
إسلاميون سودانيون يتظاهرون للدعوة إلى الاستمرار بتطبيق الشريعة

515279 4

بابكر فيصل/

ألقى رجل الدين السوداني وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عبد الحي يوسف، محاضرة بعنوان "أولويات الخطاب الدعوي" ضمن فعاليات الملتقى العلمي الدولي الأول للشباب، الذي أقيم في مدينة يلوا بتركيا، في الفترة 1 حتى 21 يوليو الماضي.

نادى يوسف في حديثه بضرورة العودة إلى مصطلحات القرآن والسنّة في تقسيم الناس (المسلم، الكافر، المنافق) بدلا من التقسيمات المستحدثة "كاليميني واليساري وغيره"، مبينا أهمية تذكير الناس "بوجوب الحكم بشرع الله"، وأنه "ليس مشروعا للحركات الجهادية كما يظن البعض، بل الاحتكام إليه أمر رباني مبثوث في القرآن الكريم في غير ما آية".

كما دعا يوسف في محاضرته لضرورة "بيان عدل الإسلام في معاملة غير المسلم" وقال إن "العلاقة الإنسانية التي رسمها الإسلام تجاه هذه القضية تمثل أرقى دستور ينظم العلاقة بين الأفراد والمجتمعات". وعن قضية الحاكم والمحكوم، قال إنه "يجب تمييز العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق الكتاب والسنّة، ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات".

القرآن والسنة لم يضعا أسسا واضحة تتضمن أسلوبا معينا لاختيار الحاكم

​​لا شك أن استخدام المصطلحات التي ينادي بها يوسف ليس المقصود منه فقط تقسيم الناس بغرض التمييز بينهم فحسب بل المعني بها في الأساس هو تشكيل العلاقات بين البشر وفقا لقواعد دينية تنبني عليها أحكاما فقهية تحدد طبيعة تلك العلاقات، ويعتبر عدم الامتثال لتلك الأحكام أو رفضها خروجا على الدين نفسه.

إن تقسيم البشر إلى مسلمين وكفار وفقا للأحكام الفقهية المذكورة، قد أدى لتقسيم العالم إلى فسطاطين: دار الإسلام ودار الحرب، حيث تصور الفقهاء ـ كما يقول روبرت رابيل ـ حربا دائمة بين المسلمين وغير المسلمين إلى أن يسود دار الإسلام بفعل ترسيخ الشريعة الإسلامية الشرعية من الناحية الدينية حيث يحل الإسلام محل المعتقدات الأخرى.

كذلك، أدى ذلك التقسيم الفقهي إلى إضافة مفاهيم فرعية وثانوية إلى العقائد الدينية المركزية وجعلها من اليقينيات التي لا بد من الأخذ بها، ومن خلالها يستمد الكيفية التي يتعامل بها مع غير المسلمين، يوالي ويعادي على أساسها، ويقف في مقدمتها مفهوم "الولاء والبراء".

البراء يعني بغض الكافرين، ومن مظاهره عدم الإقامة في بلاد غير المسلمين، وعدم السفر إليها لغرض النزهة ومتعة النفس، وعدم اتخاذ الكفار والمشركين بطانة ومستشارين، وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

من الأشياء الخطيرة التي تترتب على تلك العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا في بلادهم، فأنواع السفر لبلاد الكفر هي السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة، ووفقا لتلك العقيدة فإن هناك شروط للإقامة ببلاد الكفر أحدها أن يكون المقيم مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم.

من ناحية أخرى، فإن مطالبة يوسف بضرورة تذكير الناس بوجوب المناداة بالحكم بشرع الله، تعكس الإشكال الرئيسي الذي ظلت تعاني منه جماعات الإسلام السياسي والمتمثل في عدم وجود معنى محدد لماهية شرع الله الذي يطالبون بتطبيقه، حيث أثبتت التجارب التي حكموا فيها بعض البلاد أنهم لا يملكون تصورا واضحا لها.

عندما استلمت جماعة الإخوان المسلمين السلطة في السودان عبر الانقلاب العسكري في 1989 قالت إن الحكم بشرع الله يعني تطبيق الحدود الشرعية، ووضعت قانونا جنائيا يتضمن عقوبات الجلد والبتر والرجم، ولكن، بعد مضي ثلاثين عاما أظهرت الإحصائيات أنه لم يكن لتلك القوانين أية أثار إيجابية على المجتمع، وأن الحدود المطبقة لم تؤد لانحسار الجريمة.

بعد ذلك قالت الجماعة إن شرع الله يعني أسلمة المجتمع، فقاموا ببناء آلاف المساجد وملأوا أجهزة الإعلام بالبرامج الدينية النابعة من أيدلوجية الإسلام السياسي، كما قاموا بتبديل مناهج التعليم وفرضوا لبس الحجاب في دواوين الحكومة، ومنعوا الرقص المختلط في الأفراح وغير ذلك من المظاهر التي تنتقص من حريات الأفراد.

ولكن ذلك لم ينتج شيئا سوى التمسك الشكلي بمظاهر الدين مع الانتشار الكبير للأمراض الاجتماعية من شاكلة النفاق والكذب والمحسوبية واستغلال النفوذ.

في مرحلة لاحقة قالت الجماعة إن شرع الله الذي يقصدونه لا يكتمل تطبيقه إلا باستدعاء الفريضة الغائبة ـ الجهاد، فقامت بتجييش الشباب للحرب في جنوب السودان باعتبار أنها حرب دينية ضد المسيحيين، وبعد مقتل الآلاف من الشباب المغرّر به، وقعت الحكومة اتفاقا سياسيا أدى لانفصال جنوب السودان وإقامة دولته المستقلة.

أما حديث يوسف عن عدل الإسلام في معاملة غير المسلم، وأن العلاقة الإنسانية التي رسمها الإسلام تمثل أرقى دستور ينظم العلاقة بين الأفراد والمجتمعات، فهو حديث يتناقض مع المطالبة بتحكيم شرع الله، ذلك لأن الشريعة لا تسمح لغير المسلمين بتولي القضاء أو الولاية العامة (الرئاسة)، فالروابط في دولة الشريعة تنبني على أساس الدين "عقد الذمة" بما يفرِّق عمليا بين المواطنين بحيث يتمتع بعضهم بمواطنة كاملة بينما بُصبح البعض الآخر مواطنون من الدرجة الثانية.

إن مُهمَّة الدين لا تشمل تعليمنا طرائق الحُكم ووسائله، بل هو يُعطينا قيما أخلاقية توجه تفكيرنا

​​يقول المُرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، في "رسالة التعاليم" "… والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه، ولا بأس بأن تستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة، ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي".

وعندما يدعو يوسف لتمييز العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق الكتاب والسنة، ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، فإنه يتغافل عن حقيقة أن القرآن والسنة لم يضعا أسسا واضحة تتضمن أسلوبا معينا لاختيار الحاكم كما أنهما لم يشيرا لنظام معروف يحدد سلطات ذلك الحاكم وصلاحياته ومدة بقائه في السلطة وآلية اتخاذ القرار في الدولة وعلاقة المركز بالأطراف وغير ذلك من الأمور التي يجب توافرها في أنظمة الحكم.

الخلافة الإسلامية كانت شكلا من أشكال الحكم التاريخي الذي ساد في العصور الوسطى. وعدا شذرات مشرقة في حكم الخلفاء الراشدين، وخلافة عمر بن عبد العزيز، والمهتدي العباسي، كان تاريخ الخلافة الإسلامية هو تاريخ الاستبداد والملك العضود والدماء والدموع الذي لم يعرف أساليبا للتداول على الحكم سوى أسلوبي الغلبة والتوريث حتى انتهائه في عام 1924.

إن مُهمَّة الدين لا تشمل تعليمنا طرائق الحُكم ووسائله، بل هو يُعطينا قيما أخلاقية توجه تفكيرنا، وبالتالي فإن أولويات الدعوة يجب أن تركز على تعميق العقيدة بما يعني أن يكون الإنسان أكثر تقديرا لله، وأن يكونَ لهذا التقدير أثر عملي على سلوكياته، وأن ينعكس هذا الأثر في علاقاته مع البشر الآخرين بحيث يؤكد قيما عليا مثل الصدق والأمانة والإخلاص في كل عمل يقوم به.

اقرأ للكاتب أيضا: قضية سبي النساء وأزمة الفقه الإسلامي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
الإسلام السياسي: في نقد أولويات الخطاب الدعوي 452E31A0-8851-4A03-B778-DCA3DCB25C5C.jpg AFP الإسلام-السياسي-في-نقد-أولويات-الخطاب-الدعوي إسلاميون سودانيون يتظاهرون للدعوة إلى الاستمرار بتطبيق الشريعة 2019-10-09 11:50:54 1 2019-10-08 16:06:33 0

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.