515393 4

جويس كرم/

بدأت تركيا قصف شمال شرقي سوريا في عملية هدفها أولا وأخيرا تهميش وكسر القوات الكردية بضوء أخضر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصمت روسي، وبعد إبلاغ أنقره الرئيس السوري بشار الأسد بالعملية.

مرة أخرى، يجد الأكراد أنفسهم في موقع لا يحسدون عليه وسط تخاذل أصدقائهم، وتبدل في الموقف الأميركي، وانتهاز روسيا فرصة الوساطة لحصد انتصار لنظام الأسد. العملية بحد ذاتها تفتح مرحلة جديدة في سوريا طبقا لمجموعة من المعطيات.

تخبط وتراجع أميركي بتوجيه وقرار من ترامب أفضى بالتنازل للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وإفساح المجال عسكريا أمام العملية التركية مع التمهيد لسحب اليد الأميركية سياسيا وتلزيم الملف السوري لكل من موسكو وأنقرة.

الانتصارات التي حققها الأميركيون ومعهم الأكراد ضد تنظيم "داعش" في سوريا قد يتم هدرها

​​يتناسب قرار ترامب مع تكتيكه الانتخابي ورفع شعارات الانسحاب من الشرق الأوسط، لكن في أرض الواقع يلاقي انتقادات كبيرة من داخل إدارته كما خارجها.

فالانتصارات التي حققها الأميركيون ومعهم الأكراد ضد تنظيم "داعش" في سوريا قد يتم هدرها اليوم، في حال انسحب الأميركيون بالكامل أو في حال دخلت قوات سوريا الديمقراطية في معركة ضد النظام في الجنوب والرقة.

الواضح اليوم هو أن اللاعب الأميركي بدأ يسحب يده من سوريا مع كل ما يترتب عن ذلك من مخاطر لعودة "داعش"، وإضعاف الأكراد، وتقوية روسيا وتركيا. المقايضة هي في تولي أنقرة ملف سجناء "داعش" وإنشاء منطقة للاجئين على حدودها، وزيادة التبادل التجاري الأميركي ـ التركي، ومنح ترامب مكسبا انتخابيا بالحد من الدور والإنفاق العسكري الأميركي في المنطقة.

بالنسبة لتركيا، فالعملية تشكل على المدى القصير نجاحا لأردوعان عبر اقتناصه تنازل من الأميركيين، وعلى المدى المتوسط قد تنجح عسكريا في حال إبعاد المقاتلين الأكراد عن الحدود التركية.

أما في المدى الطويل، فرهان تركيا سيكون على حل سياسي بوساطة روسية وعبر الأسد لإضعاف الأكراد وطوي صفحة قوات سوريا الديمقراطية. وهنا من غير المستبعد حصول مصالحة بين تركيا والأسد، خصوصا في حال سيطر النظام على الرقة أو مدن أخرى تديرها القوات الكردية حاليا.

ما من شك أن الأسد وروسيا وإيران هم أبرز المنتصرين من العملية التركية التي تضعف الأميركيين والأكراد وتفتح منفذا للنظام لزيادة مكاسبه. هي فرصة أيضا لتنظيم "داعش" لإعادة ترتيب صفوفه وتحالفاته مع ضيق خيارات عدو التنظيم الأبرز أي قوات سوريا الديمقراطية.

موسكو بدأت التموضع في دور الوساطة بين الأكراد والأسد قبل إعلان أردوغان عن العملية العسكرية، وتستفيد من علاقتها وجسورها الممدودة مع جميع الأطراف لتعزيز حضورها الديبلوماسي والإقليمي مقابل تراجع الأميركيين.

أما إيران التي تتفرج بصمت، فلا مانع لديها من تقدم تركيا شمالا والنظام جنوبا بهدف إضعاف الأكراد، بل إنها تفضّل إضعاف الأكراد.

لا نعرف بعد حجم وشروط المنطقة الآمنة التي تسعى تركيا لإنشائها في الشمال السوري، وعلى الأرجح لن يكون عمقها أكثر من 20 كيلومتر، وستتولى الإشراف عليها قوات سورية موالية لتركيا.

لا مانع لدى إيران من تقدم تركيا شمالا والنظام جنوبا بهدف إضعاف الأكراد

​​لكن العملية التركية العسكرية قد تدخل أعمق من ذلك، قبل أن تتراجع لاحقا إلى حدود المنطقة الآمنة. فالظروف الدولية والداخلية في سوريا مواتية لتركيا بشكل قد لا يتكرر خلال عام من اليوم، وخصوصا في حال خسارة ترامب انتخاباته الرئاسية، أو حصول صفقة بين الأسد والأكراد.

أما القوات الكردية فليس أمامها الكثير من الخيارات؛ أفضل هذه الخيارات هو الانسحاب والحد من الخسائر في ضوء تراكم المعطيات العسكرية والإقليمية والدولية ضدها. وليس من المستبعد أن تلجأ وحدات الشعب الكردية إلى استراتيجية التمرد في مواجهة الوجود التركي لاحقا.

أما اليوم، فتركيا هي أمام معركة تثبيت وجود وقضم نفوذ الأكراد في سوريا تحت أعين الأميركيين وترقب من الأسد وروسيا وإيران للانقضاض على الأكراد وحصد مكاسب عسكرية وسياسية.

اقرأ للكاتبة أيضا: تظاهرات العراق: صرخة ضد الفساد والارتهان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الهجوم التركي على الأكراد.. تناغم مصالح "الأعداء" 8FB5A44C-465A-4107-937C-7C4D07512E5C.jpg AFP الهجوم-التركي-على-الأكراد-تناغم-مصالح-الأعداء مقاتلون أكراد سابقون يتظاهرون في مدينة القامشلي ضد الهجوم التركي 2019-10-09 14:19:37 1 2019-10-09 14:26:37 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟