أوباما وترامب يتبادلان الحديث في الكونغرس في حفل أداء ترامب لليمين الدستوري في يناير 2017
أوباما وترامب يتبادلان الحديث في الكونغرس في حفل أداء ترامب لليمين الدستوري في يناير 2017

515296 4

حسن منيمنة/

إذن، الرئيس دونالد ترامب، في استعادة لمواقف كان قد اتخذها ثم تراجع عنها لحين، قرّر الانسحاب من الشمال الشرقي السوري، تاركا المنطقة عرضة لمواجهة خطيرة بين طرفين يفترض أن كل منهما في صفّ الولايات المتحدة، مثيرا الريبة والقلق في أوساط الحلفاء، والسعادة والشماتة لدى الخصوم. لا مفاجأة هنا، إذ رغم أن قرار الانسحاب قد صدر بين ليلة وضحاها، فإن الرغبة بالانطواء ليست وليدة الساعة.

المزاج القائم اليوم يقترب من الإجماع داخل الولايات المتحدة وخارجها بأن الأوان قد آن لانكفاء أميركي من دور المسؤولية عن الأمن العالمي. بل حتى من يدعو إلى متابعة هذا الدور، يقدّم طرحه على أنه من باب الدعوة إلى تنظيم التراجع وإدارته.

المعضلة في هذه المواقف هي أنه لا بديل عن الولايات المتحدة للمحافظة على حد أدنى من المرجعية المبدئية القادرة. إذ رغم الإشباع بالحديث عن مشروعية دولية، فإن النظام العالمي لا يتضمن آلية لتحقيقها. وخروج الولايات المتحدة لا يشكل إتاحة المجال لاجتماع قوى "الخير" من روسيا والصين وتركيا وإيران وسائر دول الاستبداد للتوافق على إطار "عادل" لضمان مصالح الإنسانية، بل هو فرصة وحسب لنظم الطغيان هذه لفرض جبروتها دون إمكانية المساءلة.

هذا الزكام الأميركي قد انتقلت عدواه حمى إلى النظام العالمي الذي تغيب عنه عوامل المناعة المتوفرة أميركيا

​​ليس اليوم ثمة من يجاهر بتأييد الطرح المقابل، والقائل إنه على الولايات المتحدة أن تحافظ على موقعها ومسؤولياتها كقوة عظمى وحيدة وأن تتصرف انطلاقا من الموازنة بين المصالح والقناعة بوجوب تحقيق حقوق الإنسان وتمكين القيم العالمية والدفاع عنها.

فالإفراط في "تنزيه" هذا الطرح في المرحلة الماضية جعل منه أقرب إلى الدعوة للعمل الخيري والتضحية بالنفس. كان أولى بالقيادات السياسية في الولايات المتحدة أن تبرز أن هذا الطرح، رغم تحفيزه لإحقاق الحقوق والقيم، هو الأقرب إلى المصلحة المادية الموضوعية للمواطن والمجتمع الأميركيين. ثمن الاستبداد والظلم والفوضى في الخارج أكبر بكثير ممّا على الولايات المتحدة أن تبذله للوقاية من أحوال الانفلات، وإن كانت كلفة الوقاية آنية ونجاحها يخفي الأثمان الباهظة لما دونها.

ما تفعله الصين في تركستان الشرقية وفي هونغ كونغ نموذج واضح على هذا المستقبل القاتم لعالم تتخلى في الولايات المتحدة عن مسؤولياتها. حيث الأضواء مسلطة والنشاط علني وواضح للعيان، تتصرف السلطات الصينية ببعض الحذر، وتستحصل ما استطاعت على الدعم لحقّها السيادي في القمع.

أما حيث الأضواء خافتة، أي لدى الأويغور، فالتعسف والظلم والأحكام بالسجن المطول لمجرد الالتزام الديني هي القاعدة، مع تصفيق مخزي من حكام دول تكبّل مجتمعاتها باسم الدين نفسه.

العالم دون هيبة معنوية ومادية للولايات المتحدة هو تركستانات عتيدة. وما من شأنه أن يعترض هذا المستقبل هو أن تبقى الولايات المتحدة نفسها وفية لصورتها الذاتية على أن القيم لا المصالح فقط هي ما يجعل منها حالة على حدة. للأسف، الولايات المتحدة تعاني في هذا الشأن من "الزكام"، مع انجرار بعض قياداتها السياسية والفكرية بعيدا عن هذه المعادلة.

ليس دونالد ترامب، أول من اعتنق شعار "أميركا أولا" وطالب بالانتهاء من دور بلاده كشرطي العالم، بل إن الرئيس الحالي يتابع في مواقفه ما كان قد التزمه سلفه الرئيس السابق باراك أوباما في تصريحاته وسياساته.

وأوباما بدوره، كان ساير وحسب التوجه الشعبي الواسع النطاق في بلاده، والذي كانت قد أنهكته حروب الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش. أوباما انتقل ممّا بدا على أنه إفراط من جانب بوش في التدخل الخارجي إلى التفريط بمواقع الولايات المتحدة في أرجاء العالم، والانسحاب العملي من المعارك في خضم وقوعها، مفسحا المجال، لاعتبارات محض داخلية، أمام استفحال "تنظيم الدولة" في العراق، واستباحة النظام القاتل في دمشق لمواطنيه في سعيه إلى قمع الثورة، وصولا إلى الهجرة الجامحة وتصاعد اليمين العدائي في عموم الغرب.

مكانة الولايات المتحدة في العالم تتراجع نتيجة لتتالي سمات سلبية لدى رؤسائها، من ارتباك الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش وعدم توضيحه لسياساته، ما أفسح المجال أمام إساءة الظن بتصويرها، مرورا بالجبن لدى أوباما، ووصولا إلى الفجاجة لدى ترامب.

العالم دون هيبة معنوية ومادية للولايات المتحدة هو تركستانات عتيدة

​​الفارق الأساسي بين ترامب وأوباما هو أن أوباما عمل على بالانسحاب والتخلي عن المسؤوليات، مع المحافظة على خطاب منافق حول استثنائية بلاده وأخلاقية توجهاتها، بالتوازي مع الإصرار العلني على الانكفاء ورغم التعارض معه، فيما ترامب ثابر ولا يزال على منطق الخروج والإهمال، إنما مع المجاهرة بعدم الاكتراث بالاعتبارات المعنوية في حال لم تنسجم مع المصالح الملموسة.

ليس في هذا التمييز مفاضلة بين أوباما وترامب، بل المتابعة الموضوعية تفيد، رغم الاختلاف في الشخصية بين الفصاحة المتملقة والفظاظة المستأسدة، أن ما يفرّق الرجلين من سمات خطابية عرضي وما يجمعهما من مواقف سياسية جوهري.

في أحد مسلسلات الثنائي السوري دريد لحام ونهاد قلعي، يزور غوّار الطوشة صديقه حسني القابع في السجن، ويعلمه أنه كان بودّه أن يجلب له بعض الفاكهة. يشكره حسني لطيب نواياه، مشيرا أنه لا ضرورة لذلك. فيعترض غوّار باستهجان رافعا عقيرته مؤكدا أن الواجب والشهامة يقتضيان ذلك، فيما حسني يتابع الثناء والشكر لمكارم أخلاقه. طبعا لا غوّار جاء بالفاكهة، ولا حسني أكلها.

وهكذا فعل الرئيس السابق باراك أوباما يوم أقدم نظام دمشق على استعمال السلاح الفتاك متجاوزا الخطوط الحمراء التي كان سيد البيت الأبيض قد رسمها بنفسه. بعد مناورات أعفته من وجوب الردّ، أتحف أوباما الجمهورين المحلي والعالمي بخطاب مهيب حول استثنائية بلاده والتي تؤطرها القيم والأخلاق، ما استدعى اعتبار الرد على الجريمة. على أن باراك الطوشة بدوره، لم يأتِ بالفاكهة.

وإذ يصرّ الرئيس الحالي للولايات المتحدة ويؤكد جهارا أن الفاكهة هي حصرا لأهل البيت، فإن النتيجة واحدة. الولايات المتحدة تمعن بالتخلي عن دورها العالمي.

ثمة مفارقة، نابعة من الطبيعة العقائدية لبعض القراءات في المحيط العربي. ففي حين أن الولايات المتحدة منغمسة حتى هامتها في مسعى التنصل من العالم، فإن البعض في الوسط السياسي العربي، انطلاقا من اعتبارات فكرية تم تجميدها على ما كانت عليه قبل عقود، يجتهد في تفنيد عبثي لطموحات واشنطن التوسعية ومشاريعها الاستعمارية وبحثها المزعوم عن إيجاد المزيد من المواطئ لقواعدها.

وإذا بينت الوقائع خلاف ذلك، فالأمر يعاد إلى قدرة محاور المقاومة والممانعة على دحر الأطماع المفترضة للولايات المتحدة. هو منطق محصّن، تغذّيه جهود إعلامية من أطراف تستفيد من التعبئة التي يحققها، ولكنه عقيم في بعده عن واقع الحال.

إذ بغضّ النظر عن التصويرات الغاطسة بالمغالطات والتي تتوهم كشف النقاب عن مؤامرات أميركية لاحتلال العالم، فإن لسان حال الولايات المتحدة المستهلكة بالشعبوية هو في كيفية إرضاء جمهور مقتنع بأن تواجد الولايات المتحدة في الخارج هو فعل خير وصدقة لم يعد يريده. فالخلاف بين التوجهات السياسية هي حول السبيل للإسراع بالانسحاب من العالم.

ولا شك أن سجل تدخلات الولايات المتحدة في أرجاء العالم ليس أحادي الطابع، بل مليء بالأخطاء والتجاوزات والفرص الضائعة. وإذا كانت ثمة مبالغة أكيدة في اعتبار أن الولايات المتحدة قادرة على إحقاق الحق، أو راغبة به، في كل حالة، فإن الشق المقابل، والذي يرى في أية خطوة تقدم عليها واشنطن شرّا أصيلا عن عمد، أو طارئا عن غفلة، يشطح بدوره بعيدا عن الواقع.

في العقود القليلة الماضية، الولايات المتحدة تدخلت لإنقاذ الكويت، وحسنا فعلت، وتدخلت لإنقاذ كوسوفو، وحسنا فعلت، ولم تتدخل لمنع المجازر في رواندا، وليتها فعلت، وانطلاقا من حسابات متهمة على أقل تقدير بأنها انضوت على إفراط في تقدير المخاطر، أقدمت على حرب في أفغانستان وأخرى في العراق. وإذ لا بد من مراجعة ذاتية لتحديد المسؤوليات المادية والمعنوية هنا وهنالك، فإن ضباب المعارك لا يزال يعترض التقييم الموضوعي القادر على فرز النوايا والأخطاء.

قد تكون المسؤولية مشتركة بين الولايات المتحدة والحركة الجهادية العالمية لمئات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا جرّاء هذه الحروب، على أن الإصرار داخل الولايات المتحدة على الانكفاء والانتهاء من هذه الحروب معني أولا بمن يسقط في هذه المواجهات من الأميركيين. فأوباما الذي نال جائزة نوبل للسلام في مطلع عهده تسليفا لتوجهاته الهادفة إلى إنهاء الحروب، ضاعف من الهجمات بالطائرات المسيرة في اليمن. فهذه، وإن كان أعداد ضحاياها العرضيين من أهل البلاد مضاعفا، لا تعرّض الجنود الأميركيين لخطر الموت.

في العقود القليلة الماضية، الولايات المتحدة تدخلت لإنقاذ الكويت، وحسنا فعلت

​​فلا الدعوة إلى الانخراط بدور عالمي للولايات المتحدة تزعم لها مسؤولية من باب الملائكية صائبة، ولا العمل على الانكفاء هو تراجع عن شيطانية أميركية في مرحلة التدخل. كلا الموقفين محكوم باعتبارات المصالح، فالأول ينطلق من أن المصلحة الطويلة الأمد للولايات المتحدة تتحقق بعالم أكثر استقرارا وأكثر عدالة، فيما الثاني يتجاوب مع الحاجة الآنية للناخب غير المعني بالمدى البعيد تحت شعار اليأس من إمكانية التوفيق بين المصلحة والقيم.

والأرجح في مستقبل قريب أن تتمكن الولايات المتحدة من تجاوز "زكامها" في انجرار خطابها إلى ما يستثني القيم من الاعتبار، ولكن هذا الزكام الأميركي قد انتقلت عدواه حمى إلى النظام العالمي الذي تغيب عنه عوامل المناعة المتوفرة أميركيا. على أمل أن ينتهي الزكام قبل أن تفتك الحمى بالمريض.

اقرأ للكاتب أيضا: أسلافنا اليونان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
"زكام" الولايات المتحدة و"حمى" العالم 6349EDE8-B07C-4485-A768-C9351846DE7A.jpg AFP زكام-الولايات-المتحدة-و-حمى-العالم أوباما وترامب يتبادلان الحديث في الكونغرس في حفل أداء ترامب لليمين الدستوري في يناير 2017 2019-10-09 12:08:45 1 2019-10-08 19:09:56 0

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.