515565 4

د. توفيق حميد/

خرج علينا من جديد الشيخ عبدالله رشدي، الداعية الإسلامي المعروف بتصريحاته المثيرة للجدل عن جواز سبى النساء في الحرب ومعاشرتهن جنسيا. تسببت تصريحاته في حالة من الغضب وعاصفة من ردود الفعل المنددة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. العجيب في الأمر، أن عبدالله رشدي لم يبتدع شيئا جديدا في هذا الأمر، فهو ـ أي جواز سبي النساء في الحرب واغتصابهن ـ ما يدرّسه الأزهر في كتبه، وما أجمع عليه فقهاء الإسلام والشريعة في كتبهم ومراجعهم.

والسؤال هنا لماذا يتعجب البعض من فتوى عبد الله رشدي؟ في حين أنه تبعا للمصادر الإسلامية التقليدية وكتب الصحاح فإن الرسول عليه السلام كان لديه على الأقل أربعة من السراري.

ويعتمد من يروجون لهذا الفكر البشع ـ أي فكر الرق واستباحة عرض الرقيقة ـ والذي

هل استرقاق امرأة في ضعف واغتصابها هو واحد من أعمال الشرف والمروءة

​​يتنافى مع كل مبادئ الإنسانية، على التفسيرات والمفاهيم التقليدية لبعض الآيات القرآنية مثل "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" (سورة المؤمنون آية 5 ـ 6). وتفسير ابن كثير لهذه الآية جاء كما يلي:

"قوله: (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: (فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك) أي: غير الأزواج والإماء".

وبدلا من أن يضع شيوخ الإسلام تفسيرات ومفاهيم جديدة لهذه الآيات، فهم ـ وعلى العكس من ذلك تماما ـ نراهم يفخرون بمفاهيم بالية، بل ويختلقون لهذه التفسيرات عذرا وتبريرا كما فعل الداعية عبد الله رشدي في محاولته تبرير جريمة سبي ومعاشرة النساء في الحروب، حينما قال لتبرير ذلك، وكان يتكلم عن معاشرة أسيرة الحرب جنسيا، "هي إنسانة لها احتياجات".

ويستند الكثير من فقهاء الإسلام في مبدأ استحلال سبي النساء ومعاشرتهن جنسيا إلى موقف الرسول عليه السلام من صفية بنت يحي، حينما هُزَم قومها في غزوة خيبر، وتم أخذها للمعاشرة الجنسية، والقصة كما ذكرت في كتب السنة والتراث الإسلامي هي ما يلي:

"قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن، ذُكِر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قُتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت، فبنى بها (أي دخل عليها وعاشرها)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آذن من حولك)، فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية.

الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري ـ المصدر: الجامع الصحيح ـ الصفحة أو الرقم: 2235 خلاصة الدرجة: [صحيح].

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط، بل وصل بفقهاء الإسلام وحماة الشريعة "الأغراء" إلى إباحة اغتصاب الأسيرات المتزوجات في الحروب، فكما يقولون في كتبهم إنه "يفك حصنها بالأسر"، أي أن أسرها يُنهي عقد زواجها فتصبح حلالا لمن يملكها بعد الحرب كأمةٍ عنده.

وعلى سبيل المثال هذا ما جاء في تفسير آية (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) في واحد من أكثر تفاسير القرآن احتراما في العالم الإسلامي ألا وهو تفسير ابن كثير:

"وقوله [تعالى] (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات، وهن المتزوجات (إلا ما ملكت أيمانكم) يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطئهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان ـ هو الثوري ـ عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) [قال] فاستحللنا فروجهن".

وصدقوني أني أشعر بالألم وبالعار وبأن القلم يرتعش في يدي لمجرد ذكر هذه الأشياء، ولكنها ـ وللأسف الشديد ـ هي الحقيقة المرة كما وردت في كتب التراث الإسلامي، والتي يرفض شيوخ الإسلام وعلماء الأزهر ـ حتى هذه اللحظة ـ تنقيحها.

والكارثة ـ كل الكارثة ـ أن أمثال عبدالله رشدي وغيره ممن يتبعون هذا الفكر وهذه المفاهيم، ويدافعون عنها مثل العميان، ويتشدقون بها مثل الببغاوات، لم يسألوا ضميرهم ولو لمرة واحدة إن كان هذا يتفق مع ما يريدون إظهاره للعالم بأن الإسلام هو دين السلام، وأن محمدا أرسل رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء آية 107.

ولو سأل هؤلاء الشيوخ ضميرهم ولو لمرة واحدة هل هذه رحمة أو إنسانية؟ وهل استرقاق امرأة في ضعف واغتصابها هو واحد من أعمال الشرف والمروءة، لأجابهم ضميرهم ـ إن كان لا يزال موجودا ـ بلا وألف لا!، بل ولصرخ فيهم يذكرهم بأن هذا هو الفجور بعينه والظلم في منتهاه!

أشعر بالألم وبالعار وبأن القلم يرتعش في يدي لمجرد ذكر هذه الأشياء

​​وتحضرني الآن الآية الكريمة في القرآن والتي حرمت أخذ الأسرى بعد الحروب ألا وهي (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) سورة محمد آية 4.

وأتعجب كيف ولما أغفل فقهاء الإسلام هذه الآية عبر التاريخ؟ ويا ترى هل كان شبقهم الجنسي المجنون لسبي واغتصاب النساء في الحروب هو الذي دفعهم لإهمال هذه الآية؟ ولن أتطرق في هذه المقالة لشرح تفاصيل أكثر عن هذه الآية القرآنية وسأتطرق لهذا الأمر بالتفصيل في مقالاتي القادمة بإذن الله.

والآن أعود مرة أخرى للداعية عبدالله رشدي وغيره من رجال الدين لأقول له "أترضاه لأمك" وأصرخ فيهم: "أترضونه لأمهاتكم"؟

بمعنى أنه لو جاءكم الآن جحافل من الغزاة يدعون لدين جديد وعليكم إما أن تقبلوه أو أن يقتلوكم أو أن تدفعوا لهم جزية، وفوق ذلك إن قاومتموهم فإنهم سيأخذون "أمهاتكم" سبايا حرب، ويبيحون معاشرتهن جنسيا بمبدأ أن كل منهن "إنسانة" وأن "لهن احتياجات" كما قال الداعية عبدالله رشدي، فهل كنتم ستقبلون ذلك لأمهاتكم يا رجال الدين؟

فما لا ترضوه لأمهاتكم يا شيوخنا الأفاضل لا ترضوه لأمهات الآخرين!

اقرأ للكاتب أيضا: وإذا الكنيسة "سُئلت" بأي ذنب "هُدمت"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كارثة "ملك اليمين" عند رجال الدين E1BC8AA7-8C7B-4846-9ECC-246223D4F42D.jpg Social Media كارثة-ملك-اليمين-عند-رجال-الدين الداعية عبدالله رشدي (من حسابه على فيسبوك) 2019-10-10 14:44:55 1 2019-10-10 14:50:23 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟