سوريون عرب وكرد ينزحون إلى الحسكة هربا من الهجوم التركي
سوريون عرب وكرد ينزحون إلى الحسكة هربا من الهجوم التركي

515557 4

حازم الأمين/

لا ظرف، عراقيا وسوريا، مناسبا لاستيقاظ "داعش" كما هو مناسب الظرف اليوم. التنظيم نائم، والموسيقى المنبعثة من بغداد ومن القامشلي تُطرب أمراءه المتحفزين بين كثبان صحاري الأنبار وبر الشام. فالنصاب الأمني الذي تولى هزيمة التنظيم في شمال سوريا وفي شمال وغرب العراق، يهتز اليوم، وهو أصلا كان نصابا هشا والجميع كان ينتظر لحظة اهتزازه.

لقد كانت السنوات التي فصلت هزيمة التنظيم عن الوقائع الراهنة سنوات مريرة، وهي كانت خارج الرصد، ولم تكن محل ابتلاء الرأي العام لا المحلي ولا الإقليمي ولا الدولي. الجميع كان يُخبئ رأسه في التراب. وكنا حين ننشر تحقيقا استقصائيا عما يجري في مخيمات العزل في شمال العراق من انتهاكات، وعن حال الاستعصاء التي يعيشها مخيم الهول في شمال سوريا بعد رفض الدول استعادة إرهابيها وعائلاتهم، لم يكن عملنا يحظى بغير اهتمام عابر.

الغزو التركي لشمال سوريا، وتفرد إيران بالقرار العراقي في أعقاب سحق الانتفاضة، يفضيان إلى أفق لا يتسع لأكثر من جثة

​​اليوم دقت ساعة الحقيقة. في سوريا قررت الإدارة الأميركية الانسحاب مفسحة المجال لرجب طيب أردوغان لكي يوجه ضربة للقوات الكردية. وفي العراق انفض التحالف السلبي والضمني بين واشنطن وطهران، والذي تولى الحرب على التنظيم الإرهابي!

أردوغان الذي كان له الدور الكبير في تحويل تركيا معبرا لمقاتلي "داعش" أطلقت يده في شمال سوريا، وطهران التي تواطأت في مرحلة ولادة التنظيم وفي مراحل تدفقه على الموصل، لهما اليوم مطلق الحرية في التصرف بمستقبل أراضي "دولة الخلافة"، وما علينا سوى أن نطلق خيالنا ونتوقع ما سيؤول إليه ذلك.

لدينا في سوريا نحو 12 ألف مقاتل من "داعش" في معتقلات "قسد"، ونحو 70 ألفا هم عديد عائلاتهم في مخيمات العزل في شمال سوريا. هؤلاء، في أحسن الأحوال، ستنتقل عملية إدارة معتقلاتهم إلى الجيش التركي وإلى حلفاء محليين له هم سبق أن لعبوا أدوارا في ولادة التنظيم وفي تضخمه.

وفي العراق سيكون للحشد الشعبي (الشيعي جدا)، بعد سحقه الاحتجاجات، دور أكبر في تقرير مستقبل المناطق السنية. إذا عناصر وصفة ولادة التنظيم قد اكتملت. تعسف شيعي يمثله الحشد الشعبي (وهو لطالما مثله)، وتواطؤ سني يمثله رجب طيب أردوغان (وهو أيضا لطالما مثله). وبينهما قرار أميركي بالانكفاء، وتنظيم نائم في الصحراء. هل من مشهد أكثر وضوحا من هذا المشهد؟ وهل ما زلنا نذكر دور الصحراء ودور المعتقلات ودور الاحتقان الأهلي والمذهبي في ولادة "داعش"؟

لن يجد متقصي الفروق بين شروط ولادة التنظيم بالأمس واحتمالات انبعاثه اليوم اختلافا يمكن التعويل عليه لتوقع نتائج مختلفة. لا بل أن ثمة شروطا جرى تخصيبها. فلم يكن لـ"داعش" في حينها مخيمات عزل تحول "فتية الخلافة" خلال عيشهم فيها إلى شبان في عمر القتال.

الأمنيون في العراق يتحدثون عن أجيال خارج الرصد الأمني، هم جيل الخلافة الجديد. والسجون التي فتح نوري المالكي أبوابها ليهرب منها قادة التنظيم، وكان بشار الأسد قد سبقه في هذه الخطوة، وهي كانت مختبرا لفكرة التنظيم وللنطفة التي أنجبته، تحولت اليوم إلى معسكرات اعتقال يجري فيها ما هو أكثر مما كان يجري في سجني بوكا وصيدنايا.

أما "ساحات الاعتصامات" في المدن السنية، والتي ولد "داعش" على ضفافها فقد استعيض عنها بفكرة "مخيمات العزل"، فهذه المخيمات بطن ولادة لمختلف أشكال العنف، إذ أن الحرمان يعيش فيها إلى جانب سلطة عميقة يمارسها "داعش"، ويتوج هذا بممارسات انتهاكية تتولاها الحشود الشعبية والعشائرية، وتم توثيق مئات الانتهاكات بحق النساء والأطفال في هذه المخيمات.

الأمنيون في العراق يتحدثون عن أجيال خارج الرصد الأمني، هم جيل الخلافة الجديد

​​لقد فقد العالم صوابه فعلا، وها هو يرتكب الخطيئة ذاتها، ويعيد تكرار نفس الخطوات التي أفضت إلى كارثة العام 2014، وما علينا اليوم إلا أن نباشر توقع شكل "داعش" العام 2020، فهو حكما سيكون مختلفا عن "داعش" العام 2014. فقد اكتسب خبرات في أكثر من مجال، وثبت له أن "أرض الخلافة" ليست آمنة وثابتة، وأن "فقه التوحش" لا يصلح لأكثر من حكم يدوم لسنوات قليلة.

أرض الخلافة يبابٌ، والعالم لا يرغب بالتورط فيها، والتنظيم بنسخته السابقة استدرج العالم إلى أرضه، وهذا ما عجل في القضاء عليه. ربما كان أفضل له أن يكتفي بالحروب المحلية، وأن يتحول إلى قوة أهلية، مثله مثل النصرة والحشد الشعبي.

الغزو التركي لشمال سوريا، وتفرد إيران بالقرار العراقي في أعقاب سحق الانتفاضة، يفضيان إلى أفق لا يتسع لأكثر من جثة، ولأكثر من مواصلة للحروب الأهلية والمذهبية، التي تنام وتستيقظ على وقع تنافس الامبراطوريتين المذهبيتين.

اقرأ للكاتب أيضا: "عشاء غير سري"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
لقد فقد العالم صوابه 5882392C-2E6B-4255-A091-66F067C908A9.jpg AFP لقد-فقد-العالم-صوابه سوريون عرب وكرد ينزحون إلى الحسكة هربا من الهجوم التركي 2019-10-10 13:50:10 1 2019-10-10 14:00:02 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟