سيدة عربية إسرائيلية خلال الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة
سيدة عربية إسرائيلية خلال الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة

515692 4

مايكل ميلستين/

يُنظر إلى انتخابات سبتمبر 2019، وثمة سبب يدعو إلى ذلك، على أنها مفترق طرق هام في تاريخ المجتمع العربي في إسرائيل. فقد تبيّن في هذه الانتخابات بوضوح وبشكل خاص مدى الاندماج العربي في الدولة.

ففي هذا السياق، فضّل الممثلون العرب المختارون اتخاذ تدابير تشكّل سوابق، وأهمها توصيتهم للرئيس لاختيار بيني غانتس، زعيم حزب "أزرق أبيض" المعارض، كرئيس مقبل للوزراء.

وكل ذلك حدث بالتوازي مع ـ وربما كنتيجة ـ للنداءات غير المسبوقة التي سمعها النظام السياسي الإسرائيلي ضد الجمهور العربي، ولا سيما من رئيس الوزراء نتانياهو وحزبه الليكود.

حيث تتسم هذه الفترة بتناقضات عديدة بالنسبة إلى المواطنين العرب في إسرائيل. فتماما عندما بلغت تطلعاتهم إلى الاندماج مستوى قياسيا، وتعمّقت العلاقات بين المجتمعين العربي واليهودي أكثر من أي وقت مضى، نرى أيضا تعابير حادة عن التباعد من جانب المؤسسة الحاكمة.

تصويت المواطنين العرب بأعداد غفيرة لصالح القائمة المشتركة هذه المرة، لم يُستمد بالضرورة من إنجازاتها الفعلية

​​في هذه الانتخابات على وجه الخصوص، طبّق المجتمع العربي، ولا سيما أحزابه السياسية، الدروس المستفادة من الانتخابات السابقة في أبريل 2019، التي كانت فاشلة من وجهة نظرهم.

فحينها، شارك فعليا في التصويت 49 في المئة فقط من الناخبين العرب المؤهلين، و70 في المئة منهم فقط صوتوا للحزبين العربيين اللذين تم تشكيلهما بعد تفكك القائمة المشتركة المؤلفة من أربعة أحزاب: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والقائمة العربية الموحدة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي.

ونتيجة لذلك، انخفض تمثيل الأحزاب العربية في الكنيست من 13 إلى 10 مقاعد، من بين ما مجموعه 120 مقعدا. ولكنّ الانتخابات الثانية غير المسبوقة أعطت الناخبين فرصة ثانية نادرة هذا العام. لذلك ليس من المفاجئ انضمام هذه الأحزاب العربية إلى اليمين الإسرائيلي في التصويت على حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة.

على سبيل المقارنة، يُنظر إلى انتخابات سبتمبر على أنها إنجاز بالنسبة إلى المجتمع العربي في إسرائيل، لدرجة أنها أوجدت موجة أولية من الابتهاج والإحساس بالقوة. فقبل الانتخابات مباشرة، أُعيد تركيب القائمة المشتركة، وتحديدا لأن حلها كان أحد الأسباب الرئيسية وراء تراجع القوة الانتخابية العربية.

وقد أرسل رئيسها أيمن عودة من حزب "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، إشارة غير مسبوقة مفادها أنه سيفكّر في دعم ائتلاف حكومي مستقبلي بقيادة حزب "أزرق أبيض"، شريطة أن يلبي مطالب الأحزاب العربية.

وكان في مقدمة تلك المطالب تخصيص موارد أكبر للتعامل مع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها العرب والنهوض بالمفاوضات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين.

وكان ذلك ردّ القائمة المشتركة على مطالب الجمهور العربي المتزايدة التي تقضي بأن يركز ممثلوها جهودهم بشكل أكبر على اهتمامات المواطنين العرب، بدءا من آفة العنف والإجرام المتزايدة.

وبالإضافة إلى ذلك، هم يسعون إلى توسيع التأثير العربي بشكل ملموس على عملية صنع القرار في الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي سيمكّن من تحويل موارد أكبر لصالح المجتمع العربي من أجل تعزيز اندماجه في كافة مجالات الأنشطة في البلاد.

فهذا الهدف شائع بصورة خاصة بين الجيل العربي الشاب. فالفرضية القائلة بأن السياسيين العرب إما غير قادرين أو غير مهتمين بالعمل على تحقيق هذا الهدف، وعوضا عن ذلك يركزون أكثر على مواضيع مثل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، كانت في نهاية المطاف سببا رئيسيا لتراجع دعمهم في أبريل 2019، في كل من مشاركة العرب في الانتخابات عموما والتصويت للأحزاب العربية خصوصا.

تجدر الإشارة إلى أن انتخابات سبتمبر 2019 مثّلت نتيجة مختلفة تماما وأكثر إيجابية. فقد ارتفعت نسبة مشاركة العرب إلى 60 في المئة، وارتفعت نسبة الذين صوتوا لصالح القائمة المشتركة المعاد تشكيلها إلى 80 في المئة. وحصل هذا الحزب على 13 مقعدا برلمانيا، مكررا بذلك نجاحه القياسي الذي حققه بعد إنشائه مباشرة عام 2015.

وإلى جانب ذلك، انخفض دعم العرب لأي من الأحزاب السياسية ذات الأغلبية اليهودية. وبالتالي، حتى حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي ضم إلى لائحته مرشحا عربيا في قائمة انتخابية واقعية، شهد انخفاضا في أصوات العرب من 9 في المئة في أبريل إلى 3 في المئة فقط في سبتمبر.

باختصار، نبعت تعبئة الشعب العربي في هذه الانتخابات الأخيرة، بجزء منها، من تضافر الجهود الناجح لإعادة تشكيل القائمة المشتركة، وبجزء آخر من التلميحات التي قام بها كبار مسؤوليهم بأنهم سيعمقون مشاركتهم في الساحة السياسية الرسمية لإسرائيل.

في الوقت عينه، يُشار إلى أن السبب الرئيسي الآخر، وربما الأهم، لارتفاع نسبة التصويت بين العرب هذه المرة كان الاحتجاج الجماعي القوي ضد "قانون الكاميرات" الذي حاول حزب الليكود عبثا تمريره قبل أسابيع قليلة من الانتخابات.

وكان هذا القانون الجديد سيثبّت كاميرات مراقبة في مراكز الاقتراع المشتبه في ارتكابها مخالفات، لا سيّما في المجتمعات العربية.

وكان يُنظر إليه، وبوجه حق، على أنه إجراء تمييزي ومضر يستهدف الشعب العربي. وقد أقر أعضاء الكنيست العرب أنفسهم بأن هذا الاقتراح لعب دورا كبيرا في التشجيع على زيادة إقبال العرب على الانتخابات.

ويُضاف إلى ذلك التحذيرات الحادة التي أطلقها قادة الليكود بشأن "احتشاد العرب داخل حجرات الاقتراع"، وحول الروابط المحتملة بين حزب "أزرق أبيض" والعرب التي من شأنها أن تشكل تهديدا لمصالح إسرائيل الوطنية.

وبالتالي، فإن تصويت المواطنين العرب بأعداد غفيرة لصالح القائمة المشتركة هذه المرة، لم يُستمد بالضرورة من إنجازاتها الفعلية، ولا من رؤيتها المحددة. بدلا من ذلك، كان ذلك أساسا تعبيرا عن الاحتجاج ضد الليكود، إلى جانب الرغبة في تفعيل سلطة السكان العرب عن طريق إسقاط نتانياهو.

يجب أن تظهر إدارة القائمة المشتركة قدراتها القيادية والشجاعة

​​ولأن أيا من الأحزاب اليهودية لم يضم إلى لائحته أي مرشح عربي في قائمة انتخابية واقعية، باستثناء حزب "الاتحاد الديمقراطي"، لم يكن لدى المواطنين العرب في إسرائيل مجال كبير للتردد في تصويتهم. فقد صوّت معظمهم للقائمة المشتركة.

لكن مع تبدد سحابة الابتهاج التي أعقبت الانتخابات، أصبح من الواضح أن القائمة المشتركة تواجه بعض الصعوبات، أو ربما غير مهتمة في إحداث التغيير الذي يحظى بأقصى قدر من الاهتمام من جانب الشعب العربي ـ أي تعميق الاندماج العربي في شتى مجالات الأنشطة في البلاد.

ومن دون الانتقاص من الأهمية التاريخية لتقديم هذا الحزب توصية للرئيس لصالح حزب "أزرق أبيض"، يظل من الضروري معالجة المشاكل المعاصرة العميقة في مجتمعه، التي قد تنمو وتمنع التحول الأوسع الذي يتطلع إليه المجتمع العربي.

ومهما كانت دراماتيكية، فإن التوصية في النهاية هي جراء رمزي بحت، هذا وتشكل خطوة أولية أكثر من كونها استجابة حقيقية لاحتياجات المجتمع ومطالبه. وهذا أمر كان يجب القيام به بالفعل منذ سنوات ـ ليس الآن فحسب، بعد أن شعر أعضاء الكنيست العرب باتساع الفجوة بينهم وبين الشعب، زاعمين أن مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية يجب أن تتصدّر الأولويات، وطامحين لتكامل أعمق مما أظهرته القيادة السياسية العربية حتى الآن.

إجمالا، تبدو الإجراءات التي اتخذتها مؤخرا القائمة المشتركة، إلى حد كبير، وكأنها محاولة لإعطاء انطباع بتغيير المسار ـ وحتى الآن من دون الوصول إلى خط النهاية. فالقائمة المشتركة تقوم بتأمين بعضا من تخصيصات الموارد وتحرص على تعزيز نفوذها، ولكن كل ذلك بدون تشكيل أي تحالفات سياسية طويلة الأجل.

وعلاوة على ذلك، فإن الموقف السلبي الذي اتخذه أحد أحزابها الأساسية، حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي أعلن أعضاؤه الثلاثة في الكنيست رفضهم المشاركة في توصية غانتس كرئيس للوزراء، يدل على أن القائمة المشتركة قد تكون بالفعل "مشتركة"، وإنما غير متحدة فعليا.

وبالتالي، فإنها تبدو وكأنها مجموعة أحزاب منفصلة، من شأن سلوكها أن يجعل أي رئيس وزراء مستقبلي حذرا جدا من الاعتماد عليها، هذا وبالطبع عدم اعتبارها ككتلة حقيقية. ومع ذلك، كانت الرغبة في المحافظة على التوافق الداخلي من بين عيوب القائمة في السابق، ويمكن توقع حدوث توترات داخلية شديدة في المستقبل أيضا.

ولكيلا تتحوّل موجة التفاؤل الأخيرة إلى خيبة أمل لدى الجمهور الإسرائيلي الأوسع، وإلى آمال محطّمة لدى الجمهور العربي على وجه الخصوص، يجب أن تظهر إدارة القائمة المشتركة قدراتها القيادية والشجاعة ـ وحتى على حساب التماسك الداخلي الذي يبدو كما ذُكر أعلاه هشا جدا بالأصل.

ولتحويل الشعارات إلى تغيير حقيقي، ينبغي على أيمن عودة تعزيز التدابير لتحقيق اندماج حقيقي بدلا من مجرد نزعة انفصالية منمّقة. فمن الضروري أن يوضّح أنه مستعد للمشاركة في الحكومة وألا يكتفي بدعم التحالف من الخارج. ويجب عليه أن ينظر أيضا في خطوات متقدمة مثل الخدمة الوطنية للشباب العربي، وزيادة التعاون بين المجتمع العربي والشرطة الإسرائيلية لمكافحة آفة الجريمة والعنف.

ومع ذلك، لعل من البديهي أنه في حال تشكيل حكومة "وحدة وطنية" إسرائيلية جديدة تشمل الليكود، بل وأكثر من ذلك، في حال تشكيل تحالف يميني محض، سيعود الشعب العربي برمته إلى نقطة الصفر.

ينبغي على أيمن عودة تعزيز التدابير لتحقيق اندماج حقيقي بدلا من مجرد نزعة انفصالية منمّقة

​​فالإنجاز الانتخابي الذي يعتزّ به قادة القائمة المشتركة حاليا سيصبح قليل الأهمية، ولن يمتلكوا أي سلطة لتعزيز نفوذهم، أو زيادة نصيبهم من الموارد، أو تعزيز الاندماج مع الخبرات الإسرائيلية.

ختاما، أذكِّر بالواقع المرير السائد في المجتمع العربي في إسرائيل اليوم، المتمحور حول مشكلة الجريمة والعنف. فمنذ انتخابات 17 سبتمبر فحسب، قُتل ما لا يقل عن عشرة مواطنين عرب في نوع من الحوادث العنيفة التي تمزق هذا المجتمع من الداخل. هذا وقد قُتل سبعون مواطنا عربيا منذ بداية هذا العام.

فبشكل نسبي، على مدى السنوات القليلة الماضية، 60 في المئة من ضحايا جرائم القتل هم من العرب، على الرغم من أنهم لا يمثلون سوى 20 في المئة من إجمالي السكان.

ولسوء الحظ، على الرغم من عودتها الانتخابية، فإن الخطوات التي تتخذها القائمة المشتركة حاليا تلقي بظلال من الشك البالغ على قدرتها على تقديم استجابة حقيقية لهذه المسألة البالغة الخطورة التي تحتل بلا شك مركز الصدارة في جدول أعمال المجتمع العربي في إسرائيل، وأولى التوقّعات من قادته.

مايكل ميلستين هو رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان للأبحاث الشرق الأوسطية والأفريقية.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
المجتمع العربي في إسرائيل بعد الانتخابات: من الابتهاج إلى خيبة الأمل 55BBED82-CA85-4354-97CE-4A0BD5717C92.jpg AFP المجتمع-العربي-في-إسرائيل-بعد-الانتخابات-من-الابتهاج-إلى-خيبة-الأمل سيدة عربية إسرائيلية خلال الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة 2019-10-11 13:30:22 1 2019-10-11 13:44:22 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟